بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين
يُعدُّ نصبُ جمع المؤنث السالم بالكسرة من الظواهر النحوية التي تستوقف دارسي العربية، إذ يخرج هذا الجمع عن القاعدة العامة التي تقضي بأن تكون الفتحة علامة النصب في الأسماء المعربة. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا اختارت العربية الكسرة علامةً لنصب جمع المؤنث السالم؟ وهل كان ذلك اختيارًا مقصودًا لعلّة لغوية، أم أنه مجرد سماعٍ استقر في كلام العرب ثم دوّنه النحاة؟
وقبل الإجابة، لا بد من تصحيح عبارة شائعة، إذ لا يقال إن جمع المؤنث السالم “ينصب بالكسرة”، وإنما يقال: هو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابةً عن الفتحة. فالنصب باقٍ كما هو، وإنما الذي تغيّر هو علامة الإعراب.
لقد أجمع النحويون على هذه القاعدة، غير أنهم اختلفوا في تعليلها. وكان موقف المدرسة البصرية، وفي مقدمتها سيبويه والمبرّد، أكثر احترازًا؛ إذ قررت أن الأصل في العربية هو السماع عن العرب الفصحاء، وأن القاعدة لا تُبنى على التعليل، بل يُلتمس لها التعليل بعد ثبوتها بالسماع. فالعرب نطقت بهذا الأسلوب، ثم جاء النحويون فوصفوه وأثبتوه، ولم يدّعوا أن العلة هي التي أوجدته.
وانطلاقًا من هذا المنهج، اقترح البصريون عدة تفسيرات، من أشهرها أن جمع المؤنث السالم احتفظ بصورته الصرفية القائمة على الألف والتاء، وهما علامتا الجمع، فناسب أن تكون الحركة الإعرابية أخف وأقل تغييرًا لبنية الكلمة. كما رأى بعضهم أن الكسرة أنسب صوتيًا مع التاء من الفتحة، وهو ما يمنح اللفظ انسجامًا موسيقيًا وسهولة في النطق.
أما المدرسة الكوفية، ممثلةً بالفراء والكسائي، فقد كانت أقل ميلًا إلى التعليلات العقلية، وأكثر اعتمادًا على الاستعمال العربي نفسه. فالعرب ــ في نظرهم ــ قالت: «رأيتُ المؤمناتِ» و«أكرمتُ المعلماتِ»، فصار هذا الاستعمال أصلًا يحتج به، ولا يحتاج إلى تعليل يتجاوز السماع.
وذهب بعض فقهاء اللغة إلى تفسير صرفي، مؤداه أن الألف والتاء في هذا الجمع تمثلان بناءً خاصًا يختلف عن بناء المفرد وعن جموع التكسير، فناسب أن يختص أيضًا بعلامة إعرابية مميزة، حفاظًا على شخصيته الصرفية واستقلاله داخل نظام العربية.
أما ابن جني، المعروف بنزعته التحليلية، فقد رأى أن كثيرًا من الظواهر اللغوية يمكن أن تُفهم في ضوء الاعتبارات الصوتية والوظيفية، لكنه أكد أن هذه العلل ليست هي التي أنشأت اللغة، وإنما هي محاولات لاكتشاف الحكمة الكامنة وراء ما استقر في كلام العرب.
ولم يخرج ابن مالك عن هذا الاتجاه؛ فقد اكتفى بإثبات القاعدة في مؤلفاته، من غير أن يجعل التعليل جزءًا من أصلها، لأن الاحتجاج عنده، كما عند جمهور النحويين، إنما يقوم أولًا على السماع.
ومن هنا يتبين أن جميع التعليلات التي ذُكرت ــ سواء أكانت صوتية أم صرفية أم وظيفية ــ تظل اجتهادات تفسيرية، وليست أسبابًا تاريخية قطعية. فلا يوجد في التراث النحوي نص يثبت أن العرب اختارت الكسرة لهذا السبب أو ذاك، وإنما الثابت أنهم استعملوا هذا الأسلوب، ثم حاول العلماء تفسير حكمته.
ولعل هذا يكشف عن طبيعة العربية نفسها؛ فهي ليست لغة صيغها النحاة بقواعد عقلية، وإنما لغة نشأت في ألسنة العرب، ثم جاء العلماء يستقرئون نظامها ويكشفون أسراره. ولذلك كان منهج البصريين أكثر دقة حين قرروا أن السماع أصل، والتعليل فرع، وأن القاعدة تُؤخذ أولًا من كلام العرب، ثم تُلتمس لها الحكمة بعد ذلك.
وهكذا فإن نصب جمع المؤنث السالم بالكسرة لا يمثل خروجًا على نظام العربية، بل هو شاهد على مرونتها وثرائها، ودليل على أن بعض ظواهرها لا تُفسَّر بالقياس وحده، وإنما تُفهم في ضوء الاستعمال العربي الأصيل، حيث يسبق السماعُ التعليلَ، ويظل كلام العرب هو المرجع الأعلى الذي تُبنى عليه القواعد وتُستنبط منه العلل.


