فنان مسرحي وإذاعي :حكمت محسن…من ماسح للأحذية في أزقّة دمشق إلى رائد الكوميديا الاجتماعية وصانع الضحكة الشامية عبر الأثير-إعداد: فريد إبراهيم ظفور


حكمت محسن… من ماسح الأحذية في أزقّة دمشق إلى رائد الضحكة الشامية عبر الأثير
حكاية الكاتب الذي حوّل وجع الحياة إلى كوميديا، ونبض الحارة إلى ذاكرة إذاعية ومسرحية خالدة
إعداد: فريد إبراهيم ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تصبح الضحكة وثيقةً من حياة الناس
في تاريخ الفن السوري أسماءٌ لم تصنع حضورها بالأضواء وحدها، بل صنعتْه بقدرتها على الإصغاء إلى الناس، والتقاط تفاصيل حياتهم اليومية، وتحويل أحاديثهم البسيطة ومشكلاتهم الصغيرة إلى أعمال فنية تلامس الوجدان. ومن بين هذه الأسماء يبرز الكاتب والفنان المسرحي والإذاعي حكمت محسن، الذي ارتبط اسمه بالكوميديا الاجتماعية ذات النكهة الشامية، وأصبح واحداً من روّاد الكتابة الإذاعية في سورية.
لم تكن الضحكة في عالم حكمت محسن مجرّد وسيلة للتسلية، ولم تكن شخصياته الكوميدية أقنعةً عابرةً لإضحاك المستمعين؛ بل كانت نافذةً يطلّ منها على المجتمع، يرصد تناقضاته، ويكشف مفارقاته، ويعبّر عن أحلام البسطاء ومخاوفهم. لقد عرف الحياة من جانبها القاسي قبل أن يعرفها من خشبة المسرح ووراء الميكروفون، فامتلك حسّاً إنسانياً مكّنه من تحويل التجربة الشخصية إلى مادة إبداعية قريبة من الوجدان الشعبي.
ومن ماسح أحذية في شوارع دمشق، وعاملٍ في مهنٍ متعددة، إلى كاتبٍ صنع لنفسه مكانةً في المسرح والإذاعة والتلفزيون، تبدو سيرته حكايةً عن الإصرار، وعن الإنسان الذي لم يسمح للفقر بأن يصادر خياله، ولا لقسوة البدايات بأن تطفئ موهبته.
من إستانبول إلى دمشق… طفولةٌ صنعتها المحنة
وُلد حكمت مصطفى صبحي محسن في إستانبول عام 1910، لوالدين دمشقيين هما مصطفى صبحي محسن وخيرية عاشور. وكان والده ضابطاً في الجيش العثماني، غير أن التحولات السياسية التي شهدتها الدولة العثمانية، وما رافقها من اضطرابات وصراعات، قلبت حياة الأسرة رأساً على عقب.
وتروي سيرته أن والده أرسل زوجته وابنه إلى دمشق مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حرصاً على سلامتهما، ثم تعرّض هو للنفي والاعتقال، قبل أن ينقطع خبره ويختفي أثره. وهكذا وجدت الأسرة نفسها أمام مصيرٍ غامض، وأمام واقع اقتصادي واجتماعي بالغ القسوة.
اضطرت والدته إلى العمل في الخياطة والتنظيف في البيوت، كي تؤمّن الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لكنها حرصت، رغم ضيق الحال، على إلحاق ابنها بمدرسة الإسعاف الخيري. غير أن الحاجة كانت أقوى من أحلام الطفولة، فترك حكمت المدرسة في سن العاشرة تقريباً، وبدأ رحلة العمل المبكر لمساعدة والدته.
تنقّل بين مهن مختلفة، فعمل في الخياطة والحدادة وغيرها، ثم استقر في مهنة التنجيد، التي أتقنها حتى افتتح محلاً خاصاً به في سوق الأروام بحيّ الحريقة في دمشق. وتذكر سيرته أنه أسّس أول نقابة للمنجّدين في سورية وترأسها، في تجربة تكشف جانباً من شخصيته العملية وقدرته على التنظيم والمبادرة، إلى جانب موهبته الفنية.
لكنّ الحرفة، على أهميتها، لم تكن لتستوعب كل ما يختزنه داخله من أحلام. ففي أعماقه كان هناك فنان يراقب الحياة، ويستمع إلى الناس، ويحفظ نبرات أصواتهم، ويلتقط مفرداتهم ومفارقاتهم، كأنما كان يجمع، من دون أن يدري، المادة الخام التي سيصنع منها عالماً مسرحياً وإذاعياً خاصاً به.
عشق المسرح… حين وجد الفقير طريقه إلى الفن
لم يصل حكمت محسن إلى الفن عبر المؤسسات التعليمية أو المسارات الأكاديمية التقليدية، بل عبر الاحتكاك المباشر بالحياة، ومراقبة البشر، ومعايشة تفاصيل المجتمع الدمشقي. وكانت هذه التجربة، على قسوتها، مصدراً غنياً لمعرفة الطباع والعادات والعلاقات الإنسانية.
تعلّق بالمسرح منذ شبابه، واتجه إلى الكتابة والتمثيل والإخراج، وأسّس فرقة مسرحية خاصة به، محاولاً أن يجد لنفسه ولأفكاره مكاناً على الخشبة. وقد جمع في مسيرته بين أدوار متعددة؛ فكان الكاتب الذي يبتكر الحكاية، والممثل الذي يمنح الشخصية صوتها وحركتها، والمخرج الذي يسعى إلى تحويل النص إلى مشهد حيّ أمام الجمهور.
ومن الأعمال التي ارتبطت ببداياته المسرحية «أبو زينب بيّاع الحلاوة» نحو عام 1935، ثم «استقالة إبليس» عام 1938، و«الشهيد والطريد» عام 1941، وصولاً إلى أعمال أخرى عكست اهتمامه بالحياة الاجتماعية وبالتاريخ الوطني.
وفي هذه التجارب لم تكن الكوميديا منفصلةً عن الواقع، بل كانت وسيلةً للاقتراب منه. فالمسرح، في نظر الفنان الشعبي، يستطيع أن يضحك الناس على تناقضاتهم، لكنه يستطيع أيضاً أن يجعلهم يتأملونها، وأن يكتشفوا في المواقف اليومية ما يستحق النقد والمساءلة.
إذاعة دمشق… الميكروفون الذي منح الحارة صوتاً
مع اتساع حضور الإذاعة في الحياة السورية خلال منتصف القرن العشرين، وجد حكمت محسن فضاءً فنياً جديداً يتناسب مع قدرته على كتابة الحوار الشعبي وصناعة الشخصيات القريبة من الناس. فقد أتاحت الإذاعة للفن أن يدخل البيوت من دون حواجز، وأن يصل إلى المستمع في مكان عمله أو في متجره أو في جلساته العائلية.
ومن هنا برزت أهمية حكمت محسن بوصفه أحد الأسماء التي أسهمت في ترسيخ التمثيلية الإذاعية الاجتماعية والكوميدية في سورية. لقد أدرك أن الصوت وحده قادر على بناء عالم كامل؛ فالكلمة، حين تُكتب بإحساس دقيق، يمكن أن ترسم ملامح الشخصية، وتكشف بيئتها الاجتماعية، وتنقل المستمع من غرفة إلى زقاق، ومن دكان صغير إلى مجلس عائلي، من غير أن يرى شيئاً بعينيه.
كان سرّ هذه الكتابة في اعتمادها على الحوار الحيّ، والإيقاع الشعبي، والمواقف التي تنشأ من الاحتكاك اليومي بين الناس. فالشخصيات لا تتحدث بلغة متكلّفة، بل تستخدم تعبيرات البيئة التي تنتمي إليها، وتكشف من خلال كلامها عن أحلامها ومخاوفها ومصالحها وتناقضاتها.
ومن أبرز برامجه وأعماله الإذاعية «انسَ همومك»، الذي قدّمته إذاعة الشرق الأدنى في أواخر الأربعينيات، و«صندوق الدنيا عجايب» عام 1950، و«اضحك تربح» عام 1957. كما ارتبط اسمه ببرامج وتمثيليات أخرى، منها «سهرات أهل الفن»، و«تحت الشباك»، و«مسرح الإذاعة»، و«حكايا الجدّة»، و«طاقية الإخفاء».
ولم يقتصر إنتاجه على الكوميديا، بل امتد إلى الموضوعات الوطنية والاجتماعية، كما في برنامج «ثورة شعب»، الذي تناول نضال الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وأعمالٍ سعت إلى ربط الترفيه بالقضايا العامة، وإلى جعل الإذاعة مساحةً للتعبير عن الوعي الوطني والاجتماعي.
«أبو رشدي»… شخصيةٌ من لحم الحارة وذاكرتها
اشتهر حكمت محسن بشخصية «أبو رشدي»، التي ارتبطت في الذاكرة الفنية بصورة الرجل الدمشقي البسيط، القريب من الناس، بما يحمله من عفوية ومواقف يومية وتناقضات إنسانية. ولم تكن أهمية هذه الشخصية في مظهرها أو مفرداتها وحدها، بل في قدرتها على التعبير عن نموذج اجتماعي يمكن للمستمع أن يتعرّف إليه بسهولة.
إن الشخصية الشعبية الناجحة لا تُصنع بمجرد ترديد اللهجة المحلية، بل تحتاج إلى فهم عميق لطريقة التفكير، وللمنطق الذي يحكم تصرفات الناس، وللمسافة الدقيقة بين ما يقولونه وما يخفونه. وفي هذا المجال امتلك حكمت محسن حسّاً تمثيلياً وكتابياً جعله قادراً على تقديم الشخصيات بوصفها كائنات إنسانية كاملة، لها نقاط ضعفها ومواقفها المضحكة وأحلامها الصغيرة.
لقد كانت اللهجة الشامية في أعماله أكثر من وسيلة للتواصل؛ كانت جزءاً من البناء الفني، وعنصراً أساسياً في رسم الشخصية وتحديد إيقاع الحوار. فالكلمة الشعبية، حين توضع في سياقها الصحيح، تصبح مفتاحاً إلى البيئة، وتتحول النبرة إلى علامةٍ على الطبقة الاجتماعية والمزاج النفسي وطبيعة العلاقة بين الشخصيات.
ومن هنا يمكن فهم الأثر الذي تركه هذا اللون من الكتابة في تطور الكوميديا الإذاعية السورية؛ فقد منح الحياة اليومية قيمةً درامية، وجعل الحارة، بما فيها من علاقات وجيرة ومشكلات ومفارقات، مسرحاً مفتوحاً تتجاور فيه الفكاهة والنقد والحنين.
الكوميديا الاجتماعية… الضحك بوصفه مرآةً للنقد
لم يكتفِ حكمت محسن بإنتاج البرامج الترفيهية، بل كتب عدداً كبيراً من التمثيليات والمسلسلات الاجتماعية الناقدة. ومن عناوين أعماله «يا آخد القرد على ماله»، و«الخلف»، و«حظك بختك»، التي أذيعت عام 1954، ثم «الضرة مرة» عام 1957، إلى جانب «الطلعة من ورا والنزلة من قدام»، و«كوم حجار ولا هالجار»، و«العيرة ما بتدفي»، و«الناس اللي تحت»، و«المتسوّل»، و«العصابة»، و«الضيف اللطيف»، و«المايكرفون في العيد».
تكشف عناوين هذه الأعمال عن صلة واضحة بالحكمة الشعبية والأمثال الدارجة والتعبيرات التي تتداولها المجالس والبيوت. لكنّ المثل، في البناء الدرامي، لا يكون مجرد زينة لغوية؛ إذ يستطيع الكاتب أن يجعله مدخلاً إلى صراع، أو سبباً لسوء فهم، أو أداةً لكشف تناقض بين ما يعلنه الإنسان وما يمارسه.
وكانت الكوميديا الاجتماعية، في جانب مهم من أعمال حكمت محسن، تعتمد على المفارقة؛ أي على التناقض بين النية والنتيجة، وبين المظهر والحقيقة، وبين ما يتوقعه الناس وما يحدث لهم فعلاً. ومن هذه المسافة يولد الضحك، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة لفهم المجتمع ونقد بعض عاداته وسلوكياته.
وفي «منزل الأحباب»، الذي قدّم منه نحو مئة وخمسين حلقة وفق ما تذكره سيرته، تتجلى أهمية المسلسل الإذاعي في بناء عالم متكرر، تتطور فيه الشخصيات والعلاقات، ويصبح المستمع جزءاً من حياة مألوفة ينتظر عودتها. وهنا يلتقي فن الحكاية بالتواصل اليومي؛ فالشخصية التي يسمعها الجمهور مراراً تتحول تدريجياً إلى رفيقٍ من رفقاء الذاكرة.
ومن أعماله الاجتماعية أيضاً «أطفالنا أكبادنا»، وهو مسلسل موجّه إلى الأطفال أذيع عام 1957، و«معليش»، و«الخطّابة»، و«صور شعبية»، فضلاً عن «مذكرات حرامي»، الذي انتقل لاحقاً إلى الشاشة التلفزيونية.
من «نهاية سكّير» إلى «مذكرات حرامي»… الحكاية تعبر إلى الشاشة
مع تطور الإنتاج التلفزيوني السوري، بدأت بعض الأعمال التي عُرفت إذاعياً تجد طريقها إلى الشاشة، حيث لم يعد المستمع مضطراً إلى تخيّل الشخصيات والأمكنة من خلال الأصوات وحدها، بل أصبح قادراً على رؤيتها في فضاء بصري متكامل.
ومن الأعمال التي ارتبطت بهذه المرحلة «نهاية سكّير»، وهي تمثيلية اجتماعية أعاد حكمت محسن كتابتها للتلفزيون بعد تقديمها إذاعياً، وعُرضت عام 1961 بإخراج نزار شرابي. كما انتقلت «مذكرات حرامي» من الإذاعة إلى التلفزيون، وعُرضت عام 1968 بإخراج علاء الدين كوكش، وبتقديم فؤاد شحادة أبو نبوت.
ويكشف انتقال النص من الإذاعة إلى التلفزيون عن تحدٍّ فني مهم؛ فالحوار الذي يحمل العبء الأكبر في العمل الإذاعي، يصبح في التلفزيون جزءاً من منظومة أوسع تضم الصورة والأداء والحركة والديكور والإضاءة والمونتاج.
ومن منظور فن التصوير، يمكن النظر إلى هذه النقلة بوصفها انتقالاً من الصورة الذهنية التي يصنعها المستمع في خياله إلى الصورة المرئية التي يشارك في تشكيلها المخرج والممثل والمصور ومصمم الديكور. فالكاميرا لا تنقل النص حرفياً، بل تختار زاوية النظر، وتحدد المسافة بين المتفرج والشخصية، وتمنح التفاصيل البصرية دوراً في بناء المعنى.
وهكذا لم تكن أعمال حكمت محسن مجرد نصوص قابلة للانتقال بين الوسائط، بل كانت تحمل شخصيات ومواقف وحكايات يمكن إعادة تشكيلها وفق طبيعة كل وسيط فني، مع الاحتفاظ بجوهرها الاجتماعي والإنساني.
التراث الشعبي… حين تصبح الحكاية وسيلةً لقراءة الحاضر
إلى جانب أعماله الاجتماعية والكوميدية، اهتم حكمت محسن بالتراث والحكايات الشعبية، مستفيداً من المخزون الحكائي العربي وما يتيحه من شخصيات ورموز ومواقف قابلة للتأويل.
ومن أبرز مشروعاته في هذا المجال «مرايا الشام»، الذي تناول في حلقاته حكايات فنانين سوريين قدماء لم يحظوا بالشهرة الكافية، ضمن إطار درامي غنائي يجمع بين الواقع والسيرة الشعبية. وتكمن أهمية هذه الفكرة في أنها لا تكتفي باستعادة أسماء من الماضي، بل تحاول إعادة منحهم حضوراً في الذاكرة الفنية، من خلال الحكاية والأداء والموسيقى.
كما قدّم «السندباد»، وهو مسلسل من ثلاثين حلقة أذيع عام 1958، استلهم فيه حكايات السندباد ووظّفها في تناول الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في سورية. وتكشف هذه التجربة عن قدرة التراث على تجاوز زمنه الأصلي، ليصبح وسيلةً للتعبير عن أسئلة الحاضر.
فالكاتب الذي يستعير شخصيةً من الحكاية القديمة لا يعيد إنتاج الماضي بالضرورة؛ بل يستطيع أن يجعل المغامرة الرمزية مرآةً للمجتمع المعاصر. وهنا تتداخل الحكاية الشعبية مع النقد الاجتماعي، ويتحول الخيال إلى وسيلة لقول ما قد يصعب قوله بصورة مباشرة.
ومن أعماله التراثية أيضاً «الحكواتي» و«ملحّن قديم»، وهي عناوين تضيء جانباً من اهتمامه بالذاكرة الثقافية وبالعلاقة بين الفن والحكاية والغناء.
المسرح الوطني… من ضحكة الحارة إلى ذاكرة سورية
لم ينفصل اهتمام حكمت محسن بالكوميديا عن اهتمامه بالقضايا الوطنية. فقد كتب أعمالاً تستحضر النضال السوري في مواجهة الاستعمار الفرنسي، من بينها «دموع الفرح»، المرتبطة بعيد الجلاء، و«أبو جلاء»، التي تناولت النضال الوطني.
وفي المسرح، كتب «يا مستعجل وقف لقلك» عام 1954، و«الكرسي المخلوع» عام 1957، وهما من الأعمال الفكاهية التي أخرجها تيسير السعدي، كما كتب «صابر أفندي» عام 1957، بإخراج وبطولة عبد اللطيف فتحي، و«بيت للإيجار» عام 1961.
ومن أعماله أيضاً «يوم من أيام الثورة السورية» عام 1961، التي أخرجها تيسير السعدي وعُرضت في معرض دمشق الدولي، إضافة إلى «سورية في خمسين عاماً»، وهي مسرحية ملحمية قدّمت لوحات من التاريخ النضالي السوري، وأدّتها فرقة أمية للفنون الشعبية.
وتُظهر هذه الأعمال اتساع المجال الذي تحرك فيه الكاتب؛ فلم يحصر موهبته في النكتة والموقف المضحك، بل استخدم المسرح لاستحضار التاريخ، وتقديم الشخصيات الوطنية، وربط الفن بالذاكرة الجماعية.
لقد أدرك أن الجمهور الذي يضحك على مشكلاته اليومية هو نفسه الجمهور الذي يحمل تاريخاً من الآلام والآمال والتضحيات. ومن هنا أمكن للكوميديا والدراما الوطنية أن تلتقيا في مشروع فني واحد، أساسه الإنسان، سواء ظهر في دكان صغير أو على خشبة مسرح أو في مشهد يستعيد لحظةً من تاريخ الوطن.
حكمت محسن بعين المصوّر… الإنسان قبل الشخصية
حين نقرأ تجربة حكمت محسن من زاوية فنية قريبة من فلسفة التصوير، نكتشف أن الكاتب والمصور يلتقيان في مهارة أساسية: القدرة على الملاحظة والاختيار.
فالمصور يراقب حركة الحياة، وينتظر اللحظة التي تكشف شيئاً من حقيقة الإنسان، ثم يختار زاويةً وإطاراً وضوءاً ليمنح المشهد دلالته. أما الكاتب الدرامي فيراقب السلوك الإنساني، وينتقي من تفاصيله حركةً أو كلمةً أو مفارقةً، ثم يضعها في سياق حكائي يكشف ما وراء المظهر.
لم يكن حكمت محسن يحمل كاميرا بالمعنى الحرفي ليصوّر الحارة الدمشقية، لكنه امتلك، في كتابته، ما يشبه العين الوثائقية؛ عيناً تلتقط تفاصيل الناس، وتحفظ مفرداتهم، وترصد طرائقهم في التعامل مع الحياة. وكانت شخصياته أشبه بصور ناطقة، تتشكل ملامحها عبر اللهجة والإيقاع وردود الفعل والعلاقات مع الآخرين.
ومن هنا يمكن النظر إلى أعماله بوصفها سجلاً فنياً للحياة الشعبية في مرحلة من مراحل التاريخ السوري. فهي لا تقدم وثيقةً تاريخية بالمعنى الأرشيفي الدقيق، لكنها تحتفظ بشواهد ثقافية واجتماعية عن اللغة الدارجة، والعلاقات الأسرية، والعادات، وأنماط التفكير، وطريقة الناس في التعبير عن أفراحهم وأزماتهم.
وتزداد قيمة هذا السجل حين نضعه إلى جانب الصورة الفوتوغرافية القديمة، والتسجيلات الإذاعية، والوثائق المسرحية والتلفزيونية. فكل وسيط يحتفظ بجانب مختلف من الماضي: الصورة تحفظ الهيئة والمكان، والتسجيل يحفظ الصوت والنبرة، والنص يحفظ الحوار والبناء الدرامي. وعندما تجتمع هذه العناصر، تصبح الذاكرة الثقافية أكثر ثراءً ووضوحاً.
لهذا فإن أرشفة أعمال حكمت محسن، وجمع تسجيلاته ونصوصه وصوره ووثائقه، ليست مجرد مهمة توثيقية، بل هي ضرورة لحفظ جانب من تاريخ الدراما السورية وتطور اللغة الفنية الشعبية فيها.
الرحيل… وبقاء الصوت في ذاكرة الأجيال
واصل حكمت محسن نشاطه الفني رغم ما مرّ به من صعوبات، لكن المرض أثّر في سنواته الأخيرة. ومن الأعمال التي تُذكر ضمن مرحلته المتأخرة «الأب»، الذي كتبه بعد مرضه عام 1966، وفق المعلومات الواردة في سيرته.
وفي 19 تشرين الثاني عام 1968، رحل حكمت محسن إثر إصابته بجلطة دماغية، تاركاً وراءه تجربةً امتدت بين المسرح والإذاعة والتلفزيون، وبين الكوميديا الاجتماعية والدراما الوطنية والحكاية التراثية.
كان رحيله نهايةً لحياة فنان، لكنه لم يكن نهايةً للشخصيات التي صنعها، ولا للحكايات التي تركها في ذاكرة المستمعين. فالأعمال الفنية التي تنبع من الحياة اليومية تملك قدرةً خاصة على البقاء؛ لأن الناس يجدون فيها شيئاً من أنفسهم، ومن تجاربهم، ومن الكلمات التي سمعوها في بيوتهم وأحيائهم.
وقد لا يعرف الجيل الجديد جميع تفاصيل حياة هذا الكاتب، لكن العودة إلى أعماله تتيح له اكتشاف مرحلة مهمة من تاريخ الفن السوري، حين كانت الإذاعة فضاءً واسعاً للخيال، وكان الميكروفون قادراً على تحويل غرفة صغيرة إلى عالم كامل، وكانت اللهجة الشعبية تمنح الشخصيات أصواتاً لا تخطئها الذاكرة.
خاتمة: الضحكة التي لم تُغلق أبوابها
إن سيرة حكمت محسن ليست حكاية انتقال من الفقر إلى الشهرة فحسب، بل هي حكاية فنان اكتشف في الحياة مادةً لا تنضب للكتابة، وفي الناس شخصياتٍ تستحق أن تُروى حكاياتها. فمن طفولةٍ حاصرتها الظروف، إلى مهنةٍ يدوية أتقنها، ثم إلى المسرح والإذاعة والتلفزيون، شقّ طريقه بإرادةٍ جعلت من التجربة الشخصية جسراً إلى الفن.
لقد منح الحارة الدمشقية مساحةً واسعة في الدراما، وجعل اللهجة الشعبية لغةً فنية قادرة على التعبير والنقد، وفتح للكوميديا باباً يتجاوز التسلية إلى قراءة المجتمع وتناقضاته. ولم يكن الضحك في عالمه هروباً من الواقع، بل كان طريقةً لمواجهته، وتخفيف قسوته، وكشف ما يختبئ خلف تفاصيله اليومية.
ومن منظور مجلة «فن التصوير – إيليت فوتو آرت»، تبقى تجربة حكمت محسن جديرةً بالاستعادة والتوثيق؛ لأنها تذكّرنا بأن الذاكرة الفنية لا تُصنع بالصورة وحدها، بل بالكلمة والصوت والمشهد والحكاية أيضاً.
رحل حكمت محسن، لكن الحكاية التي بدأها لم تنتهِ. فما زالت الضحكة الشامية، حين تستعيد روح البسطاء وتفاصيل حياتهم، تفتح نافذةً على زمنٍ مضى، وتدعونا إلى الإصغاء من جديد إلى صوتٍ آمن بأن الفن الحقيقي يبدأ من الناس، ويعود إليهم.
إعداد: فريد إبراهيم ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم