حين كانت هوليوود تصنع الأساطير… وكانت النساء يصنعن هوليوود…ميريام هوبكنزسيدة الكوميديا الجسورة

لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»
— عن نجمات الزمن الجميل

ميريام هوبكنز
سيدة الكوميديا الجسورة في زمن هوليوود الذهبي
وُلدت إيلين ميريام هوبكنز في الثامن عشر من أكتوبر عام 1902، في مدينة سافانا بولاية جورجيا الأمريكية، في بيتٍ ينعم بالثراء والوجاهة الاجتماعية. كان والدها هومر هوبكنز، ووالدتها إيلين كاتلر، وقد تربّت في مدينة بينبريدج القريبة من حدود ألاباما، حيث كان جدّها الأكبر لأمها mayor الرابع للمدينة، ممن ساهموا في تأسيس كنيسة القديس يوحنا الأسقفية. تلقّت تعليمها في أرقى المؤسسات، من بينها مدرسة غودارد في بلينفيلد بولاية فيرمونت، ثم جامعة سيراكيوز في نيويورك. وكأن القدر كان يهمس لها منذ البداية بأن حياة الرفاهية ليست غايتها، إذ انكسر كاحلها في شبابها، فلجأت إلى دراسة الرقص لتقوية عضلات ساقها، فإذا بها تُفتن بعالم المسرح.
في العشرين من عمرها، انطلقت هوبكنز فتاةً في جوقة الكورس بمدينة نيويورك، ثم ما لبثت أن رسّخت حضورها على خشبة برودواي طوال عشرينيات القرن الماضي. وفي عام 1930، وقّعت عقدها مع استوديوهات باراماونت، لتظهر أول مرة على الشاشة في فيلم «فاست آند لوس» (Fast and Loose).
لم يتأخر صعودها كثيرًا. ففي عام 1931، أدّت دور آيفي بيرسون في «دكتور جيكل ومستر هايد»، وهو الأداء الذي حصد إشادة النقاد، إذ كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» أنها جسّدت الشخصية «بروعة». ثم جاء عام 1932 ليكون عام اختراقها الحقيقي، حين أدّت دور النشّالة السارقة في كوميديا إرنست لوبيتش الرومانسية «مشكلة في الجنة» (Trouble in Paradise)، فأثبتت سحرها وذكاءها الحادّ.
وفي الفترة التي سبقت التطبيق الصارم لقانون الإنتاج السينمائي عام 1934، خاضت هوبكنز أدوارًا جسورة اعتُبرت جنسية الصبغة آنذاك. فقد ظهرت في «الملازم المبتسم» (The Smiling Lieutenant)، و«قصة تمبل دريك» (The Story of Temple Drake)، و«تصميم للعيش» (Design for Living) الذي جمعها بفريدريك مارش وغاري كوبر، وتضمّن علاقة ثلاثية كانت ستُحرَّم لاحقًا بصرامة.
وفي عام 1935، قدّمت دور «بيكي شارب» في أول فيلم طويل بالألوان الكاملة (تكنيكولور)، فنالت ترشيحًا لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، لتصبح أول ممثلة تُرشَّح عن فيلم ملوّن في تاريخ الجائزة. وقد رُشّحت أيضًا لجائزة غولدن غلوب عن دورها في «الوارثة» (The Heiress) عام 1949.
تميّزت هوبكنز بقدرة نادرة على التنقّل بين الأدوار الكوميدية الجسورة والدرامية العميقة، فكانت ممثلة «متعددة الاستخدامات» بامتياز. وقد لعبت دور البطولة في خمسة أفلام إلى جانب جويل مكّري، وتعاونت مرارًا مع المخرج ويليام وايلر في أربعة أفلام.
غير أن سمعتها في هوليوود ارتبطت أيضًا بوصفها واحدة من «أصعب الممثلات» في العصر الذهبي. وكان خصامها الشهير مع بيت ديفيس حديث المجالس. فقد كانت هوبكنز قد تألقت على خشبة برودواي في مسرحية «جيزابيل» (Jezebel) عام 1933، ولكن عندما حُوّلت المسرحية إلى فيلم عام 1938، حصلت ديفيس على الدور، فانفجرت مرارة هوبكنز، وبدأ عداء امتد سنوات. وقيل إن ديفيس أقامت علاقة مع المخرج أناتول ليتفاك، الذي كان زوجًا لهوبكنز آنذاك، مما زاد النار اشتعالًا. وقد اشتركتا في فيلمين هما «العانس العجوز» (The Old Maid) عام 1939 و«صديق قديم» (Old Acquaintance) عام 1943، وكانت أجواء التصوير بينهما مشحونة بالتوتر. وفي مقابلات لاحقة، وصفت ديفيس منافستها بأنها «ممثلة جيدة جدًا» لكنها
تزوّجت هوبكنز أربع مرات: أولًا من الممثل براندون بيترز، ثم من الطيار وكاتب السيناريو أوستن باركر، ثم من المخرج أناتول ليتفاك، وأخيرًا من مراسل الحرب رايموند بروك. وفي عام 1932، تبنّت طفلًا اسمته مايكل، الذي خدم لاحقًا في القوات الجوية الأمريكية. وقد عُرفت هوبكنز بأنها مضيفة أنيقة تستقطب النخبة الفكرية والثقافية في هوليوود، وكان من ضيوفها الكتّاب تيودور درايزر ودوروثي باركر وتينيسي ويليامز. وكانت من أنصار الحزب الديمقراطي بشدة، وداعمة قوية لرئاسة فرانكلين روزفلت.
على مدى خمسة عقود، ظهرت هوبكنز في ستة وثلاثين فيلمًا وأربعين مسرحية وبرامج إذاعية لا تُحصى. وكانت رائدة حقيقية في الدراما التلفزيونية، إذ أدّت في المسرحيات التلفزيونية من أواخر الأربعينيات حتى أواخر الستينيات، في برامج مثل «مسرح شيفروليه التلفزيوني» و«مسرح لاكس فيديو». ولها نجمان على ممر الشهرة في هوليوود: أحدهما للسينما والآخر للتلفزيون
في التاسع من أكتوبر عام 1972، رحلت ميريام هوبكنز عن عالمنا بنوبة قلبية في مدينة نيويورك، قبل تسعة أيام فقط من عيد ميلادها السبعين، لتُدفن في مسقط رأسها بينبريدج بولاية جورجيا.
كانت هوبكنز امرأة سبقت عصرها؛ جسورة في اختياراتها، حادّة في ذكائها، عصيّة على الانصياع. عاشت في زمن أراد للمرأة أن تبتسم وتُطاع، فاختارت أن تتحدّى وتغضب. ولم يكن عداؤها الشهير مع بيت ديفيس سوى وجه آخر لامرأة رفضت أن تُختصر في دور الضحية. مضت عن سبعين عامًا، وما زال ضحكها الساخر يتردد في أروقة استوديوهات باراماونت، وكأنها لم تغادر بعد.

اعداد سمر محفوض

خاص مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم