كتابنا لهذا الأسبوع هو “هروبي إلى الحرية” لصاحبه Alija Izetbegovic

أو علي عزت بيغوفيتش حسب النطق العربي، وقد صدر لأول مرة باللغة البوسنية عام 1999م.

بعنوان: moj bijeg u slobodu: bilješke iz zatvora 1983-1988م.

أو “هروبي إلى الحرية: أوراق السجن (1983م-1988م)”.

هروبي إلى الحرية

يتناول هذا الكتاب مجموعة كتابات بيغوفيتش في سجن فوتشا بين عامي 1983 و 1988م،

وهي عبارة عن أفكار وخواطر متفرقة، عبر فيها عن طموحات المسلمين البوشناق وباقي العرقيات في البوسنة،

(خاصة مع الخصوصية المميزة لدولة كالبوسنة والهرسك وربما كل دول البلقان، والتي يرتبط فيها العرق بالدين بشكل وثيق)،

وجمع فيها خلاصة توجهاته وحشداً هائلاً من التأملات والاعتقادات في شتى المواضيع السياسية والفكرية والفلسفية التي ميزت فكره المتفرد والمختلف.

يضم الكتاب فصلا كاملا أضاف فيه بيجوفيتش ملاحظات

وهوامش لكتابه السابق

“الإسلام بين الشرق والغرب” وقد ارتكبت خطأ جسيما باطلاعي على “هروبي إلى الحرية” قبل ذلك الكتاب

فتكلم عن الحياة والناس والحرية، وعن الدين والأخلاق من منظوره الخاص،

وقدم نقدا موضوعيا شاملا (رغم اختصاره) للفكر الشيوعي والنازي

وأيضا لبعض التيارات الفكرية والسياسية الإسلامية، وأضاف هوامش لكتابه المهم “الإسلام بين الشرق والغرب”

الذي يعد واحدا من أهم كتب الفلسفة والفكر الإسلامي الرصين في القرن العشرين،

ثم ختم كتابه بعرض رسائل وصلت إليه من أولاده أثناء سجنه شكلت رمزية عميقة لظروف اعتقاله

وتعامل أسرته مع معاناة سجنه.

لكن من هو أليجا أو علي عزت بيجوفيتش؟

هو ناشط سياسي وفيلسوف ومفكر إسلامي بوسني (1925ك-2003م)،

ورئيس لجمهورية البوسنة والهرسك المستقلة (1992م-1996ك) وأول رئيس للمجلس الرئاسي البوسني (1996م-2000م)

الذي أفرزته حرب البوسنة واتفاقية دايتون (1995م) التي قسمت البلاد على أساس عرقي بين دويلة صربسكا والائتلاف الكرواتي المسلم.

ولد بيجوفيتش في مدينة بوسانا كروبا البوسنية، وتخرج من جامعة سراييفو متخصصا في القانون،

وعملا مستشارا قانونيا لأزيد من ربع قرن قبل أن يتفرغ للبحث والكتابة.

كان معارضا سياسيا بارزا لنظام جوزيف بروز تيتو

الذي حكم الاتحاد اليوغوسلافي بجمهورياته الست

(صربيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، مقدونيا، الجبل الأسود، سلوفينيا)،

الذي منع كل مظاهر التدين في مناطق حكمه، وقد عرضه ذلك للاعتقال والسجن عدة مرات.

أود أن أشير هنا إلى خطأ شائع يرتكبه كثيرون أثناء عرضهم لكتاب “هروبي إلى الحرية”،

قائلين بأنه كتبه أيام حكم تيتو، وهذا مجانب للصواب،

صحيح أن بيجوفيتش سجن عدة مرات أيام حكم جوزيف بروز تيتو للاتحاد اليوغوسلافي،

لكن فترة سجن فوتشا بين 1983م و1988م.

لم تكن إبان حكم تيتو، ببساطة شديدة لأن هذا الأخير توفي عام 1980م

 كما أن الفترة التي كتب فيها “هروبي إلى الحرية” والأفكار الواردة فيه

(خاصة فيما يتعلق بالهوية الإسلامية لشعب البوشناق) تزامنت مع تحولات عميقة شهدتها يوغوسلافيا

(لعل أبرزها تصاعد المد القومي والعرقي)، فضعفت أركانها بعد وفاة تيتو،

قبل انهيارها بشكل تام مع انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية.

غادر بيجوفيتش السجن سنة 1988م

في وقت سمحت فيه السلطات اليوغوسلافية المتهالكة بتعدد الأحزاب،

مع تصاعد المد القومي للعرقيات التي شكلت الاتحاد اليوغوسلافي في السابق،

وكما شكل الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك أحزابا خاصة بهم،

أسس البوشناق المسلمون حزب العمل الديموقراطي، والذي ترأسه بيجوفيتش،

وفاز بأكبر نسبة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية،

ما مهد لوصوله إلى رئاسة جمهورية البوسنة والهرسك أواخر 1990م،

لكن تزامن ذلك مع تعرضه لانتقادات واسعة من الصرب والكروات الذين اتهموه بالعمل على نشر الفكر الأصولي

وإعادة استنساخ تجربة الثورة الإيرانية في البوسنة،

مع أن أول من أظهروا تعصبهم للقومية الدينية كانوا الصرب والكروات أنفسهم،

فمن استخرج رفات القائد العسكري الصربي لازار الذي قتله العثمانيون قبل أزيد من 6 قرون

وطاف بها في شوارع بلغراد لتأليب الصرب ضد المسلمين غير سلوبودان ميلوسوفيتش ؟

ومن أصدر كتابا يؤلب فيه شعوب يوغوسلافيا ضد بعضها ويطالب بحق الكاثوليك الكروات

في الانتقام من المسلمين غير الرئيس الكرواتي تودجمان نفسه؟ ولكن هذه قصة أخرى…

على أية حال، مهدت كل الظروف السابقة لاندلاع حرب البلقان إبان حكم بيجوفيتش للبوسنة،

فقد أعلنت سلوفينيا وكرواتيا عن استقلالهما، فتحركت الدبابات والمدافع الصربية

(التي اعتبرت نفسها وريثة شرعية لحكم يوغوسلافيا، في أفق تحقيق حلم صربيا الكبرى)

لتدمير مدينة فوكوفار الكرواتية عن بكرة أبيها عام 1991م،

قبل أن توجه فوهاتها نحو البوسنة بعد إعلان البوسنيين عن استقلالهم بعد استفتاء مارس 1992م،

لتبدأ واحدة من أعنف وأبشع حروب ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا بين عامي 1992م و 1995م

حتى توقيع اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب (ولو أن الحرب لم تنته فعليا إلا مع مطلع 1996م.

بعد رفع الحصار رسميا عن سراييفو).

(معذرة، أخذني الحديث حول هذه التفاصيل رغم أهميتها الشديدة بعيدا عن موضوعنا الرئيسي ؛

وهو كتاب هروبي إلى الحرية، المهم أن القصة أطول وأعقد بكثير مما ذكرت ولا يتسع المجال لتناولها بكل تفاصيلها هنا)

غادر بيجوفيتش السجن سنة 1988 في وقت سمحت فيه السلطات اليوغوسلافية المتهالكة بتعدد الأحزاب،

مع تصاعد المد القومي للعرقيات التي شكلت الاتحاد اليوغوسلافي في السابق،

وكما شكل الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك أحزابا خاصة بهم

الجميل في هذا الكتاب هو مناسبته لكل شرائح القراء، حتى أولئك الذين لا يتمتعون بنفس طويل في المطالعة،

فالطريقة التي كتب بها على شاكلة خواطر وملاحظات وتعليقات جعلته مفيدا لكل من قرأه،

فهي تجمع في معظمها بين القصر والمباشرة والعمق،

كما أن مقدمة الكتاب التي شرح فيها الرئيس الراحل طريقة كتابته وتقسيمه للفصول وتهريبه لبعض الأوراق في علبة شطرنج

واستبداله لكلمات مثل الإسلام والحرية والشيوعية بكلمات أخرى منعا لسقوط المخطوطات في يد رقابة السجن،

كلها تمنح الكتاب تميزا وتفردا قلما نجده في كتب أخرى.

يضم الكتاب فصلا كاملا أضاف فيه بيجوفيتش ملاحظات وهوامش

لكتابه السابق “الإسلام بين الشرق والغرب”

وقد ارتكبت خطأ جسيما باطلاعي على “هروبي إلى الحرية” قبل ذلك الكتاب،

ما صعب من مهمة فهم ذلك الفصل بشكل كامل رغم تلخيصه لأهم النقاط الواردة فيه.

نقطة أخيرة تتعلق بالترجمة، صدرت الترجمة العربية لكتاب “هروبي إلى الحرية”

عن دار الفكر لأول مرة عام 2002، وتوالت طبعاتها،

مع مترجم واحد هو إسماعيل أبو البندورة، وهي للأمانة ترجمة ضعيفة بعض الشيء.

ولم يكن بمستوى فكره وفلسفته

وقد صعبت من مهمة فهم واستيعاب بعض الأفكار العميقة للراحل رغم تأكيد المترجم بأنه ترجمها عن اللغة البوسنية مباشرة،

لكن صدرت مؤخرا ترجمة جديدة عن مركز مدارات للأبحاث والنشر للمترجم محمد عبد الرؤوف،

وتقول معظم الانطباعات عن هذه الترجمة الجديدة أنها مميزة وأفضل بكثير من سابقتها وتدل على إلمام صاحبها بفكر بيجوفيتش وفلسفته،

لذلك فأنا أنصح بالبحث أولا عن هذه الطبعة الجديدة، قبل اللجوء إلى ترجمة أبو البندورة إذا تعذر الأمر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

 


******

المصادر والمراجع:

الجزيرة – مواقع ومدونات .

fotoartbook

elitephotoart

اترك تعليقاً