
حافظ عبدالرحمن.. حين يصبح الفلوت صوتاً للروح السودانية
موسيقار سوداني عالمي اختصر وطنه في نَفَسٍ موسيقي، وحوّل الناي والفلوت إلى لغة إنسانية عابرة للحدود
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: موسيقى تأتي من بعيد
ثمة موسيقيون يعزفون الآلة، وثمة موسيقيون يجعلون الآلة تتكلم.
وفي التجربة السودانية يبرز اسم حافظ عبدالرحمن بوصفه واحداً من أولئك الذين استطاعوا أن يحولوا آلة الفلوت من مجرد آلة نفخ موسيقية إلى صوت شخصي يحمل ملامح المكان والذاكرة والشجن والإنسان.
لم يكن مشروع حافظ عبدالرحمن قائماً على كثرة الآلات، ولا على استعراض تقني صاخب، بل على الاختزال؛ آلة واحدة تقريباً، ونَفَس واحد، ومساحة واسعة من الأحاسيس. ومن خلال هذا الاقتصاد الفني استطاع أن يبني عالماً موسيقياً له ملامحه الخاصة، وأن يصل بصوته إلى جمهور خارج السودان، حتى أصبحت أعماله حاضرة في إذاعات دولية، وأصدرت له شركات فرنسية أعمالاً موسيقية، ووصل عزفه إلى مسارح عالمية، من بينها مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن.
ورحل حافظ عبدالرحمن في 21 يوليو/تموز 2023، تاركاً وراءه تجربة موسيقية تتجاوز حدود السيرة الشخصية لتصبح جزءاً من الذاكرة الموسيقية السودانية والعربية والأفريقية.
نيالا.. البدايات الأولى
وُلد حافظ عبدالرحمن في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وهناك بدأت علاقته المبكرة بالموسيقى.
كانت البداية مع الناي، الآلة الشعبية البسيطة التي ارتبطت في الثقافة العربية والأفريقية بالطبيعة والإنسان والبادية والحنين. ومن هذه الآلة الأولى بدأ الطفل يتلمس طريقه نحو عالم الموسيقى.
ثم انتقل إلى الخرطوم سعياً إلى تطوير موهبته، ودرس الموسيقى والدراما في جامعة السودان، وهناك أخذت التجربة الموسيقية منحى أكثر أكاديمية وتنظيماً. وتشير المصادر إلى أنه تعرّف إلى آلة الفلوت عام 1981، وهي اللحظة التي ستصبح لاحقاً نقطة تحول أساسية في مشروعه الفني.
ومن الناحية الموسيقية، فإن الانتقال من الناي إلى الفلوت لم يكن مجرد استبدال آلة بأخرى، وإنما أتاح له توسيع المجال التقني والتعبيري، وفتح أمامه إمكانات جديدة في التحكم بالنبرة والتنفس والطبقات الصوتية والجملة الموسيقية.
من الناي الشعبي إلى الفلوت العالمي
كان حافظ عبدالرحمن ينتمي إلى جيل استطاع أن يضع الموسيقى السودانية في حوار مع الموسيقى العالمية.
وقد استفاد من دراسته وخبراته، ثم من احتكاكه بالمؤسسات والمعاهد الموسيقية الأوروبية، الأمر الذي ساعده على بناء تجربة تجمع بين المرجعيات السودانية واللغة الموسيقية الحديثة.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوته.
فهو لم يتعامل مع الموسيقى الأوروبية باعتبارها بديلاً عن هويته السودانية، كما لم يتعامل مع التراث المحلي باعتباره قيداً يمنعه من الانفتاح على العالم؛ بل حاول أن يجعل الطرفين يتحاوران داخل العمل الموسيقي الواحد. وتشير المصادر إلى حصوله على درجة الماجستير في تخصص الموسيقى الآلية، وإلى استفادته من معاهد موسيقية أوروبية.
وهكذا أصبحت الفلوت عنده مساحة لقاء بين:
التراث السوداني + الدراسة الأكاديمية + الحس الإنساني + التجربة العالمية.
«المرفأ القديم».. حين دخلت الموسيقى إلى التلفزيون
من البدايات المهمة في مسيرة حافظ عبدالرحمن علاقته بالإعلام المرئي والمسموع.
ومن أعماله المبكرة مقطوعة «المرفأ القديم»، التي استُخدمت شعاراً لبرنامج «دينقا بنقا» الذي كان يقدمه محمد سليمان عبر تلفزيون وإذاعة أم درمان.
وهذه المحطة مهمة لأنها تكشف مبكراً عن قدرة موسيقاه على صناعة صورة ذهنية.
فالموسيقى التلفزيونية ليست مجرد خلفية صوتية؛ إنها ذاكرة. وقد ترتبط أحياناً في وجدان المشاهد باسم البرنامج ومقدمه ومرحلة زمنية كاملة.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة حافظ عبدالرحمن باعتبارها تجربة تجمع بين الموسيقى والذاكرة البصرية والسمعية؛ وهي زاوية شديدة الأهمية بالنسبة إلى الباحث في الفنون والوسائط.
موسيقار اختار الاختزال
في زمن تزداد فيه الآلات الموسيقية داخل التوزيع الموسيقي، اختار حافظ عبدالرحمن طريقاً أكثر صعوبة:
أن يجعل آلة واحدة قادرة على حمل عالم كامل.
فالفلوت في يديه لم يكن مجرد آلة تؤدي لحناً، بل أصبح أشبه بصوت بشري آخر.
نَفَس طويل.
صمت.
ثم جملة موسيقية.
ثم مساحة من الحنين.
ثم عودة إلى الصمت.
وهذه العناصر جعلت موسيقاه قريبة من الشعر، حتى عندما لا توجد كلمات.
وقد تناولت كتابات سودانية تجربته بوصفها محاولة لتقديم الموسيقى البحتة بعيداً عن اعتمادها الدائم على الغناء والكلمات، وهي نقطة مهمة في مشروعه الإبداعي.
لقد كان يريد أن يقول إن اللحن قادر على الكلام.
وأن الفلوت يستطيع أن يقول ما تعجز عنه الكلمات.
81 مقطوعة.. ذاكرة موسيقية كاملة
تنسب المصادر إلى حافظ عبدالرحمن تأليف نحو 81 مقطوعة موسيقية، وهو رقم يكشف عن مشروع موسيقي متكامل وليس مجرد تجربة عازف منفرد.
ومن الأعمال التي ارتبط اسمه بها:
الأيام الخالدة
حتى نلتقي
همس الأنامل
بين الذكرى والشجن
إيقاع الجبل
المرفأ القديم
وغيرها من الأعمال التي تكشف عن عالمه الموسيقي.
لكن اللافت في هذه العناوين نفسها أنها تحمل مفردات تنتمي إلى عالم الذاكرة والشعور والطبيعة: الأيام، اللقاء، الهمس، الذكرى، الشجن، الجبل.
وهذا ليس تفصيلاً عابراً.
فحتى حين لا نسمع الكلمات، تبدو عناوين أعماله وكأنها تمنح الموسيقى مفاتيح شعرية للدخول إليها.
«الأيام الخالدة».. العمل الذي عبر الحدود
من أشهر أعمال حافظ عبدالرحمن مقطوعة «الأيام الخالدة»، التي حمل أحد ألبوماته اسمها.
وتوثق سجلات المكتبة الوطنية الفرنسية Bibliothèque nationale de France ألبوم Ever Lasting Days باسم Hafiz Abdelrahman Mukhtar، مع تسجيل يعود إلى إصدار عام 1999 عن شركة Al Sur الفرنسية.
كما يظهر الألبوم في منصات الموسيقى بعنوان Ever Lasting Days، ويضم ثماني مقطوعات، من بينها:
Ever Lasting Days
Till We Meet Again
Ports
Lights of Candels
Features from the Face of the Village
I Love My Sudan
Entre le souvenir et la tristesse
وتشير بيانات التسجيل إلى مشاركة حافظ عبدالرحمن على الفلوت، إلى جانب موسيقيين سودانيين آخرين، مع تسجيلات تمت في الخرطوم.
وهنا تظهر مفارقة جميلة:
موسيقى سودانية تُسجل في الخرطوم، ثم تحملها أسطوانة إلى فرنسا، ومنها إلى العالم.
السودان في نَفَس الفلوت
كان الإنسان السوداني البسيط حاضراً بقوة في عالم حافظ عبدالرحمن.
لم تكن موسيقاه تبحث فقط عن الإبهار التقني، وإنما عن الإنسان: حزنه، ذاكرته، حنينه، جباله، قراه، وجوهه، وأيامه.
وتشير المصادر التي تناولت تجربته إلى أن موسيقاه كانت تحاول نقل الشجن الفطري للإنسان السوداني إلى المستمع.
وهنا يمكن فهم خصوصية موسيقاه:
إنها ليست موسيقى سودانية لأنها تستخدم إيقاعاً أو لحناً سودانياً فحسب؛ بل لأنها تحمل مزاجاً وجدانياً سودانياً.
وهذا فرق كبير.
فالفن الحقيقي لا يكتفي بنقل العلامات الخارجية للهوية، وإنما ينقل روحها.
بين الذاكرة والشجن
من أكثر المفردات التصاقاً بعالم حافظ عبدالرحمن مفردة الشجن.
والشجن في الموسيقى ليس حزناً خالصاً.
إنه خليط من الحزن والحنين والانتظار والذكرى.
ولهذا تبدو موسيقى الفلوت مناسبة جداً لهذا العالم؛ فصوت الفلوت بطبيعته قادر على الاقتراب من الصوت الإنساني، وعلى إنتاج إحساس بالمسافة والهواء والحنين.
وعندما يعزف حافظ، يبدو وكأن الفلوت لا يصرخ، بل يتنفس.
إنه صوت يأتي من مكان بعيد، لكنه لا يبدو غريباً.
وهنا تكمن قوته الإنسانية.
حضور عالمي من دون التخلي عن الجذور
لم تبق تجربة حافظ عبدالرحمن داخل حدود السودان.
فقد عُرفت موسيقاه على المستوى الدولي، واستُخدمت أعماله في إذاعات من بينها:
BBC – هيئة الإذاعة البريطانية
VOA – صوت أمريكا
Monte Carlo – مونت كارلو
كما قدم فواصل موسيقية على مسرح مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن، وكان حضوره هناك من العلامات البارزة في مسيرته الدولية.
وهكذا أصبح الفلوت السوداني حاضراً في فضاء عالمي، من دون أن يفقد صلته بمصدره الأول.
وهذه واحدة من أصعب معادلات الفن:
أن تصبح عالمياً دون أن تصبح بلا هوية.
فرنسا.. نافذة إلى موسيقى العالم
كان لفرنسا حضور مهم في المسيرة التسجيلية لحافظ عبدالرحمن.
فقد صدر ألبومه Ever Lasting Days عن شركة Al Sur الفرنسية، وتؤكد البيانات الببليوغرافية الفرنسية وجود التسجيل ضمن مجموعات المكتبة الوطنية الفرنسية.
وهذا يعكس أهمية المؤسسات الموسيقية العالمية في نقل تجارب الموسيقى المحلية إلى جمهور أوسع.
فالأسطوانة هنا لم تعد مجرد وسيط لحفظ الصوت، وإنما أصبحت وثيقة ثقافية.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ألبومات حافظ عبدالرحمن باعتبارها جزءاً من أرشيف الموسيقى السودانية الحديثة.
شهادة العالم في موهبة سودانية
تناولت الكتابات الصحفية حول حافظ عبدالرحمن حضوره العالمي، ومن بين ما تكرر في المصادر العربية وصف كاتب ألماني له باعتباره موهبة أفريقية فريدة.
ومثل هذه الشهادة تكتسب أهميتها من كونها تأتي من خارج البيئة الثقافية التي نشأ فيها الفنان.
لكن الأهم من وصف الآخرين له هو أن تجربته نفسها استطاعت أن تفرض حضورها.
فالفنان الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول إنه عالمي.
يكفي أن تصل موسيقاه إلى العالم.
حافظ عبدالرحمن.. الموسيقار لا العازف فقط
من المهم التمييز بين العازف والموسيقار.
العازف الماهر يستطيع أن يؤدي موسيقى الآخرين بإتقان.
أما الموسيقار فيمتلك مشروعاً خاصاً، ورؤية، ولغة، وذاكرة، وموقفاً جمالياً.
ولهذا ارتبط اسم حافظ عبدالرحمن بالتأليف الموسيقي إلى جانب العزف.
وتشير المصادر السودانية إلى أنه امتلك رصيداً يصل إلى 81 مؤلفاً موسيقياً، وأن مشروعه لم يكن قائماً على أن يكون مجرد عازف مرافق لمغنٍ، بل على تقديم الموسيقى البحتة بوصفها فناً قائماً بذاته.
وهذا ربما يكون أحد أهم أسباب بقاء تجربته في الذاكرة.
موسيقى تصلح لأن تكون صورة
من منظور بصري، تثير موسيقى حافظ عبدالرحمن فكرة شديدة الأهمية:
هل تستطيع الموسيقى أن تصنع صورة؟
الإجابة: نعم.
فالموسيقى التصويرية، مثلاً، قادرة على بناء المشهد قبل ظهور الصورة.
والموسيقى الحزينة تستطيع أن تجعل اللقطة أكثر عمقاً.
واللحن البطيء يستطيع أن يغير معنى الوجه.
والفلوت يستطيع أن يجعل الصحراء تبدو أكثر اتساعاً، والجبل أكثر عزلة، والقرية أكثر حميمية، والذاكرة أكثر قرباً.
ولهذا تبدو موسيقى حافظ عبدالرحمن قابلة للحوار مع الفوتوغرافيا والسينما.
فكما تقوم الصورة على الضوء والظل والفراغ والزمن، تقوم موسيقاه على النغمة والصمت والنَفَس والزمن.
وفي الحالتين، هناك فن يقوم على ما يظهر وما لا يظهر.
الفلوت بوصفه ذاكرة
ربما يمكن تلخيص تجربة حافظ عبدالرحمن في معادلة بسيطة:
فلوت + نَفَس + ذاكرة + وطن = لغة موسيقية خاصة.
فالآلة عنده ليست مجرد وسيلة.
إنها جزء من الهوية.
والنَفَس ليس مجرد تقنية للعزف.
إنه الزمن الذي يمنح الجملة الموسيقية حياتها.
أما الصمت، فهو ليس فراغاً، بل جزء من الموسيقى.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل موسيقاه قريبة من جمهور واسع، حتى من أولئك الذين لا يعرفون اللغة العربية ولا يعرفون تفاصيل الثقافة السودانية.
فالحزن والحنين والانتظار والفرح مشاعر لا تحتاج إلى ترجمة.
الرحيل.. وبقاء الصوت
في 21 يوليو/تموز 2023، رحل حافظ عبدالرحمن، وأُعلن خبر وفاته بوصفه فقداً كبيراً للموسيقى السودانية.
لكن موت الموسيقار لا يعني موت الموسيقى.
فالعمل الفني يعيش بطريقة مختلفة عن صاحبه.
تظل الأسطوانة.
وتبقى التسجيلات.
وتبقى المقطوعات.
وتبقى ذاكرة المستمعين.
وتبقى الألحان قادرة على العودة كلما احتاج إنسان إلى صوت يترجم حزنه أو حنينه.
وهكذا يصبح الفنان جزءاً من الأرشيف الثقافي للذاكرة الإنسانية.
خاتمة: عندما يصبح الوطن نَفَساً
لم يكن حافظ عبدالرحمن مجرد عازف فلوت سوداني وصل إلى مسارح عالمية.
كان صاحب تجربة تقول إن الفن يستطيع أن يبدأ من مكان صغير، ومن آلة بسيطة، ومن ذاكرة محلية، ثم يسافر بعيداً من دون أن يفقد جذوره.
من نيالا بدأ الطريق.
ومن الناي جاءت البدايات.
وفي الفلوت وجد حافظ صوته.
ومن السودان حمل إلى العالم شيئاً من الشجن والحنين والذاكرة.
لقد جعل من آلة واحدة مساحة كاملة للتعبير، ومن النغمة صورة، ومن الصمت جزءاً من الكلام.
وربما لهذا السبب لا يمكن اختزال إرثه في عدد من الألبومات أو المقطوعات أو المشاركات الدولية؛ فالقيمة الحقيقية لتجربته تكمن في أنه ساهم في تثبيت فكرة أن الموسيقى السودانية تستطيع أن تتحدث إلى العالم بلغتها الخاصة، من دون أن تتنازل عن روحها.
وحين نسمع الفلوت بعد رحيله، فإننا لا نسمع آلة فحسب؛ بل نسمع أثراً من السودان، وشيئاً من الذاكرة، ونَفَساً طويلاً يعبر الزمن.
ذلك هو إرث حافظ عبدالرحمن: أن يظل صوته حياً، كلما وجد في العالم مستمعاً يصغي إلى الموسيقى بقلبه.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
ملاحظة توثيقية: راجعتُ تاريخ الوفاة وبعض التفاصيل الأساسية قبل الصياغة؛ المصادر الصحفية السودانية والعربية تؤكد الرحيل في 21 يوليو 2023، كما تؤكد المصادر الموسيقية والببليوغرافية وجود ألبوم Ever Lasting Days في إصدار فرنسي، وتوثّق بياناته الموسيقية. �
المكتبة الوطنية الفرنسية +٢
إذا رغبت، أستطيع أيضاً تحويل هذه المادة إلى ملف موسوعي أكثر عمقاً عن حافظ عبدالرحمن يتضمن: السيرة الزمنية، الدراسة، أهم المقطوعات، الألبومات، المشاركات الدولية، فلسفته الموسيقية، علاقته بالناي والفلوت، وتحليل فني لموسيقى «الأيام الخالدة».


