. المؤرخ ( إلياس صالح اللاذقي 1839 – 1885 )
بمناسبة مرور 141 عاماً على رحيله 15 أيلول
تستحقّ سيرة إلياس صالح، الذي تمرّ اليوم الثلاثاء 15 أيلول 2026 ذكرى مرور مئة وإحدى وأربعين سنةً على وفاته، الالتفات إليها قبل تناول ما تركه من مؤلّفات معدودة، فهو ابن عائلة غزّية مسيحية اهتمّت بالتعليم باكراً، باعتباره الطريق الآمن للالتحاق بسلك الوظيفة الحكومية، لكن جدّه سمعان الذي شغل موقع رئيس الكتاب في يافا قد قُتل فيها وصودرت أمواله وضُبطت موجوداته، لينتقل ابنه موسى على إثرها إلى اللاذقية .
بعد أن واجه الأخير اليتم باكراً، يضطر الحفيد ( إلياس ) إلى تعلُّم صنعة تمكّنه من الإنفاق على أسرته، فأصبح خطّاطاً معروفاً، وأتقن القراءة بالعربية والإيطالية والفرنسية، قبل أن يلتحق بـ” مدرسة العلوم ” التي أنشأها الإنجيليون الأميركان في اللاذقية، ويتخرّج بشهادة ومعرفة بالإنكليزية أمّنتا له العمل مترجماً في القنصلية الأميركية فيها عام 1866.
بعد ثلاث سنوات، يبدأ إلياس صالح بنظم ” المزامير ” ( من أسفار العهد القديم ) لصالح ” المرسلين الأميركان “، والتي يُنهيها عام 1875، حينها استقال من القنصلية ليباشر عمله في ” المحكمة الابتدائية “، حيث تعلّم التركية وترجم عنها الدستور العثماني وقوانين الدولة آنذاك ، ومنذ ذلك التاريخ واظب على كتابة مذكّراته اليومية حتى رحيله .
يمكن القول إن إلياس صالح كان أحد نماذج كبار المتعلّمين في تلك الفترة، الرجل الذي يعرف عدّة لغات ويبرع في الترجمة منها وإليها، كذلك فإنه نشر قصائده في الصحف ثم جمعها فيما بعد بعنوان : ” مراثي وديوان ” حمل اسمه وتقديم الشاعر اللبناني أسعد داغر، الذي يشير أيضاً إلى كرّاس صغير تحت عنوان ” خطبة في حقيقة التهذيب ” أصدرها الراحل عن ” المطبعة العمومية ” في بيروت عام 1866.
يقسّم الشاعر ديوانه إلى سبعة أبواب، هي : الغزل والنسيب، مراسلات مختلفة، والمدائح والتهاني، والمراثي والتعازي، وأغراض شتى، ومدائح العذراء، والتواريخ، ويدوّن في إحدى قصائده : “
حور العين سطت فأين المهربُ
من فتكها وهي المنى والمطلبُ
تدمي القلوب فيستطاب جراحها
وتتيح للصب العذاب فيعذبُ
نُجلٌ صحاح لا تزال بغزوها
أبداً على معتلّها تتغلّبُ ” .
لكن الأثر البارز والوحيد الذي يضعه في مصافّ الكاتب والباحث المحترف، يتمثّل بكتابه ” آثار الحقب في لاذقية العرب ” ، الذي أمضى في تأليفه قرابة ثمانية أعوام، أسفرت عن مخطوط من ثلاثة مجلّدات، بقي محجوباً إلّا عن القلّة قبل أن يقوم بتحقيقه وتقديمه إلياس جريج، ويصدر عن ” دار الفارابي ” ، عام 2013 .
رغم أن صالح يعود إلى تاريخ مدينته منذ ما قبل التاريخ، إلّا أنه خصّص جلّ مؤلّفه للمرحلة العثمانية، كما أنه حدّد سلفاً حدودها الجغرافية ضمن مساحة تُقدّر بألف وسبعمئة وخمسين ميلاً من طرطوس جنوباً حتى جبل الأقرع شمالاً، وهو بذلك يلتزم المنهج العلمي من خلال التأريخ لمكان معيّن ضمن مدّة زمنية محدّدة، كما تشير المقدّمة .
يوضّح جريج مسائل عديدة تمنح الكتاب قيمة مضافة تتعلّق بالفترة الزمنية التي كُتب خلالها، متمثّلةً بعهد التنظيمات ( الإصلاحات التي تبنّتها الدولة العثمانية في سبعينيات القرن التاسع عشر ) وتحوُّلها من نظام الإيالات إلى نظام الولاية، الذي شارك في تنفيذه بحكْم موقعه الوظيفي في المحكمة، وتنافس عدد من البدان الغربية على النفوذ في المنطقة، ومنها اللاذقية التي يورد الكتاب وجود قناصل فيها لعدد من البلدان؛ منها إنكلترا وفرنسا وألمانيا وأميركا والنمسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا والدنمارك واليونان وإيران وروسيا، والأخيرة كانت تسعى إلى تعظيم نفوذها في بلاد الشام خلال الحرب التي دارت بينها وبين الأستانة .
يقدّم صالح مسحاً دقيقاً عن التركيبة السكانية والطائفية لمدينته التي عاش فيها المسلمون السنّة والعلويون، والإسماعيليون، والمسيحيون الأرثوذكس، والموارنة والبروتستانت، مفصّلاً الأوضاع الاجتماعية والطبقات وأحوال المرأة في كلّ طائفة وطقوسها الدينية وعلاقتها مع السلطة، وتأخّر الزراعة في المنطقة واعتمادها على الطرق التقليدية، وكيف حاول البعض حينها تغييرها عبر الاستعانة بمزارعين ألمان من ذوي الخبرة.
لا يفوت المؤلّف التعقيب على الحوادث والأمور، فكما وصف الواقع الزراعي بالتأخّر، لم يرَ أن الصناعة الحرفية التي امتهنها اللاذقيون، مثل الحياكة والحدادة والنجارة والبناء وعمل الفخار والصابون وعصر الزيتون والسمسم وحلج القطن، قد بلغت جميعها حدّ الاتقان، واستعرض أيضاً التجارة وما تستورده اللاذقية وما تصدّره عبر مرفئها .
يُعدّ الكتاب مرجعاً مهمّاً في فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي لمحافظة اللاذقية خلال العهد العثماني، وفيه يقع القارئ على معلومات غنية وأرقام كثيرة تحيل على اجتهاد إلياس صالح في الرجوع إلى الكتب التاريخية التي تناولت المدينة، وكذلك جمعه للعديد من الروايات الشفهية لعدد من أبنائها، واطلاعه على التركية، ما ساهم في تضمينه نقاطاً عديدة تتعلّق بالنظام الإداري والتغيّرات القانونية في تلك الحقبة .
ويمكن القول أن اسم المؤرخ والمترجم والمعلم ” إلياس صالح ” ، مؤرخ اللاذقية الأشهر، يتردد بين صفحات الكتب والمراجع، ولكن الجيل الجديد يكاد لا يعرف عنه شيئاً رغم أنه كان بشهادات الكثيرين علماً من أعظم أعلام هذه المدينة .
وفي ذلك يتحدث عنه الباحث والمؤرخ ” عيسى أبو علوش” بقوله : « ولد المؤرخ “الياس بن موسى بن سمعان صالح ” كما تذكر روايات عديدة بتاريخ 26/1/1839 للميلاد في مدينة اللاذقية لأب رحل باكراً إلى فلسطين فتولت والدته تربيته والعناية به، فألحقته بالمدرسة الإنجيلية ( مكان المشفى في حي الأمريكان حالياً ) فأتقن العربية والتركية وألم باللغات الفرنسية والإنكليزية والإيطالية واستطاع الاستفادة لاحقاً من هذه اللغات بكثافة » .
يتألف كتابه آثار الحقب في لاذقية الغرب من ثلاثة فصول، يروي الفصل الأول منه تاريخ المدينة من بدء التاريخ حتى الفتح العربي الإسلامي للمدينة، ويتناول الفصل الثاني اللاذقية أثناء الفتح العربي الإسلامي والحروب الصليبية، وعهد المماليك، فيما يبحث الفصل الثالث في المدينة تحت لواء الدولة العثمانية .
تم تعيين إلياس صالح عام 1866 مترجماً بالقنصلية الأميركية في اللاذقية ثم تعاطى التجارة فترة ولم ينجح بها جيداً كما يقول المؤرخ ” أسعد خليل داغر ” في حديثه عن المؤرخ صالح، ويضيف المؤرخ ” داغر ” : « تزوج عام 1872 من فتاة يونانية عن طريق أحد أنسبائها من بيروت وشرع عام 1873 بتأليف كتابه ” آثار الحقب في لاذقية العرب ” ، انتدب إلى مجلس دعاوى القضاء وبقي فيه ردحاً طويلاً من الزمن وتم تجديد انتخابه عدة مرات نظراً لما كان يتمتع به من سمعة طيبة وخدمة للناس » .
ويتحدث المؤرخ والباحث ” عيسى أبو علوش ” عن كتاب ألياس صالح الأشهر فيقول : « هناك مخطوط وحيد من آثاره هو كتاب ” آثار الحقب في لاذقية العرب ” . وهو أهم ما خلفه ” إلياس صالح ” كما أنه أهم ما كتب حتى الآن عن تاريخ اللاذقية، مخطوط في ثلاثة مجلدات يقع في 466 صفحة بخط يده . وبدأ بتأليفه سنة 1873 وتوقف عن متابعة كتابته سنة 1881، « يقسم هذا الكتاب المخطوط إلى قسمين، عنوان القسم الأول ” في جغرافية اللاذقية ووضعها الحالي ” وهو يشكل ربع الكتاب ويقدم دراسة مفصلة ودقيقة موثقة بالإحصاءات والأرقام عن وضع مدينة اللاذقية في عام 1873 أي في الوقت الذي كان يكتب فيه دراسته، ويتألف هذا القسم من عدة فصول يتناول فيها موقع اللاذقية الجغرافي وعدد سكانها ومنازلها والمباني الأثرية الموجودة فيها وتجارتها وصناعتها ووضع سكانها الاجتماعي كما يتناول وضع اللواء التابع إدارياً لمدينة اللاذقية ( أي طرطوس وطرابلس ومصياف ) فيبحث في مدنه ومبانيه التاريخية وسكانه وأحوالهم وأنهاره وثروته الحيوانية ومحاصيله وحالة الزراعة فيه ودخل الدولة في اللواء وخرجها منه » .
أما القسم الثاني فعنوانه : ” تاريخ لاذقية العرب ” كما يقول الباحث أبو علوش و« يتألف بدوره من ثلاثة فصول، ويروي الفصل الأول منه تاريخ المدينة من بدء التاريخ حتى الفتح العربي للمدينة ويتناول الفصل الثاني اللاذقية أثناء الفتح العربي الإسلامي والحروب الصليبية وعهد المماليك ويبحث الفصل الثالث في المدينة تحت لواء الدولة العثمانية » .
توفي المؤرخ ” الياس صالح ” كما يقول العديد من المؤرخين في 15 أيلول سنة 1885، وشيعت جنازته في الساعة الواحدة من بعد ظهر ذاك اليوم واشترك فيها موظفو الدولة ووكلاء القناصل وأعيان المدينة، وصلي على جثمانه في كنيسة مار سابا ودفن في المقبرة التابعة لها، وبعد الصلاة قام بتأبينه بعض الأدباء .
وويتابع الباحث أبو علوش فيقول : « وفي سنة 1946 عندما هدمت الكنيسة المذكورة لتبنى مكانها الثانوية الوطنية نقلت المدافن التي بجوارها إلى مقبرة ” الفاروس ” وعلى ضريحه نقرأ هذه الأبيات التي نظمها “وأسعد خليل داغر ” :
كـريم بهذا اللحد بــــات موسدا
عليه غدا طـــــرف المـكارم نائحا
عماد العلى الياس صالح مذ هوى
على كل قلب خطبه شقَّ فادحا
مضت عـينه عنا وآثار فضله
يظلُّ شذاها في الملا الدهر فائحا
أتـاه مـن المولى الملاك مبشراً
لملقاه أحضان المسرة فاتحا
وناداهُ إذ لله أرختــهُ لجا
لالياس أضحى موطن الخلد صالحا
من أعماله الأخرى كما يقول المرحوم ” جبرائيل سعادة ” مؤلف مطبوع هو ” خطبة في حقيقة التهذيب ” وهو كراس صغير يقع في أربع وعشرين صفحة، وتكمن أهميته في أنه يعبر عن الأفكار التي كانت تجول في خاطر شاب كان في السابعة والعشرين من عمره يعيش في بلدة أصبح عدد سكانها حوالي أحد عشر ألف نسمة ” .
يقول فيه الدكتور ” سليم الجريديني ” : « كان أديباً تفاخر بآدابه الأدباء، عالماً قد جمع من رياض العلوم أطيب الأثمار وشاعراً قد جنى من حدائق الشعر أذكى الأزهار » .
ونقرأ في جريدة الأهرام القاهرية أنه ” كان وديعاً حسن الأخلاق غزير المادة واسع الاطلاع، كاتباً لبيباً وشاعراً متفنناً ” .
وتقول مجلة الجنان عنه إنه ” كان وديعاً متواضعاً محبوباً أديباً، كان على جانب عظيم من الفطنة والذكاء فأصبح بكده وثباته كاتباً وشاعراً بليغاً… وبالجملة كان زهرة اللاذقية ورونقها ” .
- جمعية العاديات – اللاذقية 15 / 9 / 2026 .


