المبدعة الحمصية: سيلفا كورية: صحفية سورية في قلب التحولات.- مشاركة: تركي المصطفى.

سيلفا كورية: صحفية سورية في قلب التحولات
تركي المصطفى
تمهيد: الحكاية قبل البطلة
ليست سير الصحفيين تُكتب من أخبارهم وحدها، بل من الزمن الذي يعملون فيه. وفي سوريا، منذ عام 2011، كان الزمن يغلي بالأسئلة: كيف يُروى ما يحدث؟ من يملك الحق في الكلام؟ وما معنى أن تكون صحفياً حين تصبح الحقيقة نفسها موضع خلاف؟ وفي هذا المشهد، لا تظهر سيلفا كورية كحالة استثنائية، بل كواحدة من جيل كامل من الصحفيين السوريين الذين وجدوا أنفسهم أمام اختبار صعب: إما أن يكتبوا ما يُطلب منهم، وإما أن يختاروا طريقاً آخر. وهي اختارت الطريق الآخر.
أولاً: من حمص… حيث يتشكل الوعي
وُلدت سيلفا كورية في محافظة حمص، وتحديداً في قرية زيدل، وهي من أبناء تلك المنطقة التي عرفت بتنوعها الطائفي والاجتماعي. تلقت تعليمها في جامعة دمشق، حيث حصلت على إجازة في الإعلام عام 2001، ثم على ماجستير في العلوم الإدارية عام 2007. هذا المزيج بين الإعلام والإدارة لم يكن مصادفة، بل كان تعبيراً عن فهم مبكر بأن الصحافة ليست فقط كتابة، بل صناعة وإدارة وعمل مؤسسي.
ثانياً: في الصحافة… من الورق إلى الشاشة
عملت سيلفا كورية في الصحافة المكتوبة في عدة مجلات داخل سوريا، ثم انتقلت إلى الصحافة الإلكترونية، وفيما بعد إلى الإعلام التلفزيوني. هذا التنقل بين المنصات لم يكن مجرد تغيير في الوسيلة، بل كان انعكاساً لتحولات أوسع في المشهد الإعلامي السوري. وفي عام 2013، انضمت إلى أسرة كتاب “زمان الوصل”، حيث نشرت زاويتها الأسبوعية بعنوان “خبز وملح” كل يوم سبت. وقد وصفتها المنصة حينها بأنها “الناشطة البارزة في الثورة السورية”.
ثالثاً: في الثورة… الصحفي كشاهد
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وجدت سيلفا كورية نفسها في قلب الحدث. كانت من المجموعة التي أطلقت بياناً في أيلول 2011 بعنوان “مسيحيون سوريون مناصرون للثورة”. ولم تقتصر مشاركتها على الكتابة، بل عملت على توثيق الأحداث عبر التحقيقات الميدانية. فقد أنجزت تحقيقاً عن “خيمة الفرسان” في بلدة كفرنبل، ووثّقت دور جامعة حلب في الثورة السورية. وإلى جانب نشاطها الإعلامي، عملت في المجال الإنساني، خاصة فيما يتعلق بقضايا الطفولة والمرأة، وقامت بتدريب نشطاء آخرين لتطوير مهاراتهم الإعلامية.
رابعاً: بين الميدان والكتابة… أصوات من الداخل
لم تكن سيلفا كورية صحفية تكتب من بعيد. في آذار 2025، ومع ما رافق محاولة الانقلاب وما أعقبها من أحداث في الساحل السوري، كانت في حمص. وفي اليوم الثالث، نزلت إلى الأحياء ذات الغالبية العلوية، وكتبت عن “اختبار الخوف ومسؤولية النجاة”. وفي فبراير 2025، حين تداولت صفحات على مواقع التواصل مقاطع مصورة تزعم اعتداء على مقبرة مسيحية في ريف حمص، نشرت تسجيلاً مصوراً توضح فيه حقيقة ما جرى، مؤكدة أن من قام بتحطيم الصلبان هم أطفال من أبناء القرية، وأن ما حدث كان بتحريض من جهات خارجية تهدف إلى زرع الفتنة.
خامساً: في صحيفة الثورة… مساحة جديدة
بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، وجدت سيلفا كورية مساحة جديدة للكتابة في صحيفة “الثورة” السورية، حيث تنشر مقالات رأي تعالج قضايا سياسية واجتماعية. من بين مقالاتها: “الامتحان خارج القاعة” (مايو 2026)، و”المشكلة ليست في الشارع” (أبريل 2026)، و”عدالة ولكن” (أبريل 2026)، و”السقيلبية والألغام غير المفككة” (مارس 2026)، و”سوري عادي جداً” (فبراير 2026). وفي يونيو 2025، كتبت مقالاً عن “لقاءات الرئيس مع الطوائف المسيحية”، انتقدت فيه استمرار تمثيل المسيحيين برجال الدين وتغييب المدنيين، ورأت أن هذا التمثيل “غير حقيقي ولا يعكس الحالة التي تسود في المجتمع المسيحي”.
سادساً: ما تكتبه… وما تعنيه
تشكل كتابات سيلفا كورية بعد 2025 وثيقة مهمة على مرحلة انتقالية معقدة. فهي تكتب من موقعها كصحفية مسيحية من حمص، وتعرف جيداً أن الحديث عن “المكونات” و”الأقليات” ليس مجرد نقاش لغوي، بل صراع على الهوية والتمثيل. وهي لا تخفي قلقها من “ترويج خطاب” يصور المسيحيين كـ”وطنيين مؤيدين للعهد الجديد على خلاف الدروز والعلويين”، وترى في ذلك “خطاباً غير صحي وغير صحيح”، لأن “الأغلبية المسيحية صامتة اليوم لا دليل عافية بل دليل ابتعاد وانكماش عن الشأن العام”.
خاتمة: لماذا نقرأ سيلفا كورية؟
سيلفا كورية ليست مجرد صحفية كتبت في صحف ومجلات، بل هي شاهد على زمن التحولات السورية. سيرتها تختصر مسار جيل كامل من الصحفيين الذين بدأوا في مؤسسات النظام، ثم وجدوا أنفسهم في قلب ثورة، ثم في منافي الاختيار أو الاضطرار، ثم عادوا للكتابة في مؤسسات جديدة. وهي اليوم من القلائل الذين يحاولون الكتابة من داخل سوريا، لا من الخارج، عن قضايا حساسة تتعلق بالطوائف والتمثيل والهوية. وهذا وحده يجعلها جديرة بالقراءة والدراسة. ففي كتاباتها، لا نجد فقط رأياً، بل نجد سوريا وهي تبحث عن نفسها.
#سوريات-souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم