ماكسيماليزم الصحوة
د. عصام عسيري
ليست كثافة العناصر في العمل الفني دليلاً كافياً على الماكسيماليزم، كما أن امتلاء سطح اللوحة لا يعني بالضرورة غياب النظام أو وقوع الفنان في فخ الازدحام. فثمة فرق كبير بين لوحة مزدحمة بالعناصر، ولوحة تجعل من حشود العناصر المزدحمة لغةً جمالية وفكرية.
ومن هذا المنطلق تبدو تجربة العم دانيال Daniel Salmo في مشروع (الصحوة) جديرة بقراءة مختلفة؛ فالشخصيات المتكررة في أعماله لا تبدو مجرد حشود بشرية، وإنما تتحول، مع التكرار والتراكم، إلى وحدات تشكيلية تتجاوز وظيفتها التمثيلية لتصبح علامات، وإيقاعات، وكتلاً، ورموزاً، ودلالات وذاكرة بصرية.
هنا تحديداً يمكن أن نقترب من أعمال الصحوة من مفهوم الماكسيماليزم؛ ليس باعتباره نزعة إلى الإكثار والامتلاء، وإنما باعتباره موقفاً جمالياً يقوم على أن المعنى يمكن أن يولد من الوفرة، وأن الكثرة قد تكون أداة للتعبير عن فكرة لا تستطيع المفردة أن تقولها وحدها.
من الإنسان إلى العلامة:
في الأعمال الأخيرة من الصحوة يواجه المشاهد مئات الشخصيات الصغيرة التي تتجاور وتتكرر في صفوف وإيقاعات متفاوتة. للوهلة الأولى يبدو الإنسان هو الموضوع، لكن استمرار النظر يكشف شيئاً آخر: لقد بدأ الإنسان يفقد فرديته. الشخصية الواحدة لا تعود هي الموضوع، التكرار هو الموضوع.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة المشروع؛ فالفنان يأخذ المفردة البشرية ويعيد إنتاجها حتى تنتقل من مستوى الشخص إلى مستوى الجماعة، ومن الجماعة إلى مستوى الكتلة، ومن الكتلة إلى مستوى الإيقاع. وهكذا تتحول الأجساد الصغيرة إلى ما يشبه الحروف في نص بصري طويل؛ لا تكمن قوة النص في حرف منفرد، وإنما في العلاقة بين الحروف وتتابعها وتكرارها واختلافها. إنها عملية تفكيك وإعادة بناء للإنسان في آن واحد.
الماكسيماليزم يصبح الكثير قليل:
يقف الحد الأقصى، في أحد وجوهه، على الطرف المقابل لفكرة الاختزال التي ارتبطت بالمينيماليزم “الحد الأدنى” أو التبسيطية. فإذا كان المينيماليزم يبحث عن أقصى التعبير بأقل العناصر، فإن الماكسيماليزم يبحث عن إمكانات التعبير التي يمكن أن تنتج من التعدد والتراكم والتداخل والوفرة. لكن الماكسيماليزم الناضج لا يقول: ارسم المزيد، بل يسأل: ماذا يمكن أن يقول المزيد؟
وهنا تكمن أهمية الصحوة، فلو كانت الشخصيات مجرد عناصر كثيرة موزعة على سطح أبيض، لتحولت الأعمال إلى تمرين زخرفي في التكرار. إلا أن الاختلاف في الأحجام، والاتجاهات، والمسافات، والتجمعات، ومناطق الكثافة والفراغ، ثم دخول اللون ليثري معاني بعض الأعمال، يجعل الوفرة نفسها جزءاً من البناء الدرامي.
إن العين لا تقرأ كل الشخصيات بالطريقة نفسها؛ تارة ترى الفرد، وتارة ترى الصف، وتارة ترى الحشد، وتارة تنجذب إلى كتلة خارجة عن النسق. وهنا يتحول الماكسيماليزم من كمّ مرئي إلى إيقاع بصري.
بين النظام والفوضى:
أحد أكثر عناصر المشروع إثارة هو التوتر بين النظام والفوضى. هناك صفوف وتكرارات وانتظامات واضحة، لكن هذا الانتظام لا يبقى ثابتاً. تنحرف بعض الشخصيات، تتقارب أخرى، تتضخم كتل، تتشكل تجمعات، وتنفتح مساحات داخل هذا النسيج البشري. كأن اللوحة تقف دائماً بين حالتين، جماعة منظمة، وجماعة تتحرك نحو الانفلات، وهذا التوتر يمكن أن يكون جوهر الصحوة. فالصحوة، في معناها الرمزي، ليست مجرد انتقال من النوم إلى اليقظة؛ إنها انتقال من القبول إلى السؤال، ومن التماثل إلى الاختلاف، ومن السكون إلى الحركة. ولهذا فإن الاختلاف الصغير بين شخصية وأخرى يصبح مهماً. قد يبدو للعين أن الشخصيات متشابهة، لكنها ليست نسخاً ميكانيكية. لكل واحدة انحرافها، وثقلها، واتجاهها، ومساحتها. بهذا يضع الفنان الفرد داخل الجماعة دون أن يلغي إمكان اختلافه.
الحشد بوصفه بطلاً:
في كثير من فنون التاريخ كان الإنسان الفرد هو البطل: الملك، القائد، الشهيد، العاشق، الفلاح، العامل، أما في الصحوة، فإن البطولة تنتقل من الفرد إلى الحشد. وهذا التحول ليس بسيطاً، فالحشد هنا ليس خلفية للأحداث؛ الحشد هو الحدث نفسه.
عندما تتراكم مئات الشخصيات على السطح، يصبح وجودها الجمعي أقوى من وجود كل شخصية بمفردها. يتحول الإنسان إلى صوت جماعي، ويصبح تكراره نوعاً من التأكيد: أنا موجود لأنني لست وحدي. لذلك يمكن قراءة الصحوة بوصفها بحثاً بصرياً في علاقة الفرد بالجماعة والآلة والحيوان.
هل الجماعة تحمي الفرد أم تبتلعه؟
هل التشابه بين الناس وحدةٌ أم فقدان للهوية؟
هل كثرة الأصوات تؤدي إلى وعي جماعي، أم إلى ضجيج؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى أن تكون مكتوبة داخل اللوحة؛ يكفي أن تستدعيها بنية العمل.
من التكرار إلى المعنى:
التكرار في الفن ليس دائماً تكراراً،
فأحياناً يكون التكرار وسيلة لإحداث الإيقاع، وأحياناً وسيلة للتأكيد، وأحياناً وسيلة لخلق الزمن داخل السطح. في الصحوة يؤدي التكرار وظيفة إضافية، وهي إنه يجعل المشاهد يشعر بأن الشخصيات لا تنتهي وان حدث الصحوة سرمدي. العين تبدأ من شخصية، ثم تنتقل إلى أخرى، ثم إلى صف كامل، ثم إلى صفوف متراكمة، حتى تدرك أنها أمام عدد لا يمكن الإحاطة به دفعة واحدة. وهنا يدخل الزمن إلى اللوحة، المشاهد لا يرى العمل مرة واحدة؛ بل يقرأه ويغوص فيه ويدخل بين أفراده وينضم للجماعة. تتقدم العين داخله كما لو كانت تسير بين الحشود، وبهذا المعنى يصبح الماكسيماليزم نوعاً من الفن الزمني داخل وسيط مكاني.
اللون لحظة الانقلاب:
في الأعمال التي دخل فيها اللون، حدث تحول واضح في لغة المشروع، فبعد أن كانت الشخصيات السوداء تفرض إيقاعاً صارماً على البياض، يبدأ اللون في تفكيك هذا الصرامة. الأحمر، والأصفر، والأخضر، والبنفسجي، والأزرق وغيرها لا تعمل فقط بوصفها ألواناً تزيينية، وإنما تدخل في تكوين مستويات جديدة من الحضور، يصبح اللون أشبه بـحدث داخل الحشد. ويمكن القول هنا إن الصحوة تنتقل من سؤال: كيف يتجمع الناس؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما يبدأ هذا التجمع في اكتشاف ذاته؟
فاللون يفتح المجال أمام الانفعال، والاختلاف، والحركة، وربما الصراع. إنه لا يضيف إلى اللوحة فقط؛ بل يغير طريقة قراءتها.
الماكسيماليزم ضد الاستهلاك السريع للصورة:
نعيش اليوم في عصر الصورة السريعة؛ صورة تُرى خلال ثوانٍ ثم تستبدل بصورة أخرى. أما أعمال الصحوة فتقاوم هذه السرعة بطريقة ذكية. إن كثافتها تجبر العين على التمهل، فلا يمكن مشاهدة مئات الشخصيات في لحظة واحدة، كما لا يمكن إدراك جميع العلاقات بينها من النظرة الأولى. ولذلك يصبح المشاهد شريكاً في بناء العمل والشعور بتأثيراته وتفسير دلالاته.
كلما طال النظر ظهرت تفاصيل جديدة، وهذه خاصية مهمة في الماكسيماليزم: أن الوفرة قد تكون وسيلة لمقاومة القراءة السطحية؛ فاللوحة لا تمنح معناها دفعة واحدة، بل توزع معناها على طبقات.
من الازدحام إلى الامتلاء:
هنا أعتقد أن علينا أن نكون أكثر دقة في استخدام المصطلح؛ فليس كل عمل مكتظ ماكسيماليستياً، والازدحام يمكن أن يكون نتيجة عجز الفنان عن الاختيار، بينما الامتلاء الماكسيماليستي هو اختيار واعٍ لعدم الاختزال. والفرق بينهما هو التنظيم الداخلي، في الصحوة نجد هذا التنظيم في تكرار الوحدة البشرية، وفي اختلاف أحجامها، وفي توزيع الكتل، وفي التفاوت بين الكثافة والخفة، وفي العلاقة بين الأبيض والأسود، ثم في التحول اللوني في الأعمال الأكثر تطوراً. لذلك لا تكمن قيمة التجربة في أنها تحوي شخصيات كثيرة، وإنما في أن الكثرة نفسها أصبحت مادةً للتشكيل والتفكير.
الصحوة بوصفها مشروعاً لا لوحة:
ومن أجمل ما يمكن أن يقرأ في هذه الأعمال أنها لا تبدو كأنها لوحة واحدة تتكرر، وإنما كأن الفنان يختبر الفكرة عبر مراحل. هناك مرحلة يغلب عليها التماثل والتكرار، ثم مرحلة يصبح فيها الحشد أكثر حركة واضطراباً، ثم مرحلة تدخل فيها الألوان والكتل المختلفة، فيتغير المشهد من مجرد نظام بشري متكرر إلى فضاء أكثر درامية. وبذلك يمكن قراءة المشروع كمسار معقد وطويل: من الفرد، إلى الجماعة، إلى الحشد، إلى الحركة، إلى الاختلاف، إلى الوعي. وهذا المسار هو الذي يمنح عنوان الصحوة قوته؛ فالصحوة ليست نقطة وصول، بل عملية تشكل.
هل العم دانيال ماكسيماليست؟
ربما يكون من الأفضل نقدياً ألّا نحصر تجربته داخل تصنيف جاهز فمذهب الفنان وتوجهه الفني عموماً يدور في فلك التعبيرية والرمزية والتجريدية، كما صرّح في معرضه الأخير أنه يجمع أسلوب حدود عشرة فنانين تأثر بتجاربهم التشكيلية. لكن يمكن القول أن تجارب الصحوة تتقاطع بقوة مع الحس الماكسيماليستي، لكنها لا تستمد قيمتها من انتمائها إلى الماكسيماليزم كحركة فنية لها فلسفتها وأهداها ورموزها، والتصنيف يأتي بعد التجربة، وليس قبلها بالتأكيد.
الأهم أن العم دانيال استطاع أن يجعل من هيئة الإنسان وحدة بسيطة جداً ومفردةً قابلة لتوليد المعاني بلا نهاية تقريباً. وهنا تكمن المفارقة الجميلة، فكلما كرر الإنسان، أصبح أكثر تجريداً، وكلما ازداد تجريداً، أصبح أكثر قدرة على تعبير وتمثيل الإنسان. وقد يكون هذا هو أحد أسرار المشروع.
ختامًا، قد يكون أجمل ما في الصحوة أن الفنان لا يقدم لنا الإنسان بوصفه كائناً منفرداً، وإنما يضعه داخل شبكة بشرية واسعة في مواضيع متعددة ومختلفة، ثم يتركنا أمام سؤال مفتوح: متى تتحول الكثرة إلى قوة؟ ومتى تتحول إلى قيد؟ من هنا يصبح الماكسيماليزم في أعمال العم دانيال أكثر من كثافة شكلية؛ إنه استراتيجية لبناء المعنى، الشخصية الواحدة نقطة، والنقاط تصبح خطوطاً، والخطوط تصبح صفوفاً، والصفوف تصبح جماعات، والجماعات تصبح حشداً، والحشد يصبح حركة، ثم تبدأ الحركة في إنتاج معانٍ تتجاوز مجموع أفرادها.


