تعلموا ما هي: قــدرة الاســتــبــصــار- مشاركة: منير محمد.

قــدرة الاســتــبــصــار

الاستبصار هو المصطلح الرائج عن انواع الادراك الحسي العليا: القدرة على مشاهدة الواقع الموضوعي لعالم غير مرئي بالنسبة للفرد العادي، وهذا يعني معظم الناس.

ان العقل هو وعي ذاتي، اما الادراك الحسي فهو وعي موضوعي. الوعي الذاتي هو إدراك ما يدور داخل الانسان، الوعي الموضوعي هو إدراك ما يدور في عالم الانسان.

ان الادراك الحسي المادي هو القدرة على الادراك الموضوعي للواقع المادي الموضوعي في العالم المادي المرئي. يعيش الإنسان خلال حياته المادية في خمسة عوالم مختلفة، فهو يمتلك خمسة اجساد، جسد في كل عالم. من مهمات الانسان، ضمن مسار التطور خلال آلاف التجسدات، اكتساب الوعي الموضوعي في الاجساد الخمسة، وهكذا عليه ان يكتسب، بالإضافة الى الادراك الحسي المادي، الادراك الحسي الاثيري، النفسي، الفكري، والسببي.

هناك اذن اربعة انواع من الادراك الحسي ما بعد المادي. يتكون كل عالم من سلسلة من سبع طبقات مختلفة. كل طبقة تمتلك نوعها المميز من الوعي، والذي يمكن ادراكه بواسطة اعضاء خاصة للإدراك في اجساد الانسان، تسمى مراكز وعي وإدراك، شاكرات. ان اعضاء الادراك الحسي المادي لها مثيلاتها في مراكز إدراك ونشاط في اجساد الانسان الاخرى؛ وهي الشاكرات التي تتكون من ذرات خاصة.

ان الانسان قادر، بواسطة الشاكرات، على الادراك الذاتي في جسده العضوي للذبذبات الحاصلة في اجساده العليا ( الجسد النفسي والفكري )، وبذلك يشعر بعواطفه ويدرك افكاره. ومن اجل اكتساب القدرة على الوعي الموضوعي للعالمين النفسي والفكري بواسطة شاكرات هذين الجسدين لا بد من ممارسة مناهج تدريب خاصة لتفعيل هذه الشاكرات. وبعض هذه المناهج معروفة.

يستطيع الراجا يوغي اكتساب الوعي الموضوعي، عن طريق تدريبات الراجا يوغا، في جسده الاثيري والنفسي، ولكن ليس في جسده الفكري ولا السببي. وقد فشل رودولف شتاينر ( 1861-1925 ) في ذلك ايضا. اكتسب شتاينر الوعي الموضوعي في أدنى طبقات العالم الاثيري ( الطبقة 4 ) وفي الطبقات الدنيا الاربعة ( الطبقات 7-4 ) من العالم النفسي 48.

هناك مناهج تدريب متنوعة لتنشيط الشاكرات واكتساب الوعي الموضوعي، بعضها يناسب الهنود، وبعضها يناسب الغربيين. لكن التعاليم العامة لا بد ان تُعدّل فرديا، حتى يحصل كل مستبصر على الطريقة التي تناسبه. غير ان طرق التدريب العرفانية، التي تقود بسرعة ودون مخاطر لاكتساب الوعي السببي الموضوعي، تبقى محفوظة لدى هيئة حكماء الكوكب.

قبل عام 1925 كانت هذه الطرق تعطى فحسب للذين اكتسبوا بجهودهم الشخصية الوعي السببي الذاتي، وبذلك يكونون قد بلغوا اقصى ما يستطيع البشر تحقيقه بجهدهم الذاتي. لذلك تتدخل هيئة الحكماء لمساعدتهم. بعد عام 1925 اخذت الهيئة تعطي طرق التدريب السرية للذين اكتسبوا الوعي الحدسي الذاتي، في العالم الحدسي 46.

بعد ان يكتسب المريدون الإدراك الموضوعي السببي ( وكذلك الحدسي ) سيفهمون ان الادراك الحسي للعالمين النفسي والفكري لم يكن يقدم معرفة حقيقية، بل كان يعزز الاوهام النفسية والخرافات الفكرية الموجودة سلفا. ان المرء لا يحصل في عوالم الانسان ( المادي والنفسي والفكري ) على المعرفة الخاصة بعوالم هيئة الحكماء، ولا يحصل على المعرفة المتوفرة في الطبقات الذرية لكل عالم، كما انه لا يحصل على تلك المفاهيم الحقيقية التي تمكنه من فهم عوالم المجموعة الشمسية.

لفهم الصعوبات التي يواجهها الفلاسفة والصوفية لا بد للمرء على الاقل من معرفة الارتباط الوثيق والاعتماد المتبادل بين الجسدين النفسي ( العاطفي ) والفكري، والعلاقات بين وعي كل واحدة من الطبقات الستة للعالم النفسي والطبقات الاربعة للعالم الفكري.

خلال التجسد يلتحم الجسدان النفسي والفكري، ليس بالمعنى الحرفي، ليكونا جسدا واحدا من وجهة نظر وظيفية. ولما كانت العاطفة ( الجسد النفسي ) أكثر تطورا بكثير فإنها تسيطر على الفكر ( الجسد الفكري ) سيطرة تامة. ان شرط تحرير الفكر ( الجسد الفكري ) من الاعتماد على العاطفة ( الجسد النفسي ) هو تفكيك حالة الاندماج بينهما. كما ينتج عن ذلك ايضا وعي فكري موضوعي؛ وهي حالة انسجام بين الفكر والواقع، يرى فيها الفكر الواقع كما هو – على حقيقته، دون خرافات ولا اوهام.

ان طريقة تحقيق ذلك ستبقى سرية، الى ان يصل الجنس البشري الى مرتبة الانسانية. حتى ذلك الحين، أفضل ما يستطيعه أدنى انواع الوعي الفكري – الوعي الفكري الاستدلالي ( في الطبقة 7 من العالم العقلي 47 ) هو السيطرة على أدنى نوعين من الوعي العاطفي ( في الطبقتين 7 و6 من العالم النفسي 48 )، وكذلك سيطرة أدنى نوعين من الوعي الفكري – الاستدلالي والمبدئي ( في الطبقتين 7 و6 من العالم العقلي ) على أدنى اربعة انواع من الوعي العاطفي ( في الطبقات 7-4 من العالم النفسي ).

في المرحلة الحالية من تطور الجنس البشري لم يبلغ أعظم الفلاسفة اعلى نوع من الوعي الفكري: الوعي النظامي، بل بلغوا النوع الثالث من الوعي الفكري، ألا وهو الوعي المقارن ( في الطبقة 5 من العالم العقلي 47 )؛ وهذا النوع يساهم في اضفاء النسبية على الوعي الفكري الأدنى منه – الوعي الفكري المبدئي. من ناحية اخرى، يكتسب الصوفي، في التجسد الذي يبلغ خلاله مرحلة القديس، اعلى وعي عاطفي ( في الطبقتين 3 و2 من العالم النفسي 48 ).

ينتج عن هذا ان اعلى وعي عاطفي لا يتأثر بالوعي الفكري نهائيا، وهنا تكون السيادة للمخيلة البعيدة عن منطق الادراك السليم. ان هذا الوضع بائس بشكل عام، لان شطحات المخيلة المنفلتة تبدأ هنا. من دون معرفة الحقيقة والواقع يتصور المرء انه فهيم وعليم بكل شيء، وقادر على فعل كل ما يريد. يتخيل الصوفي انه مستغرق في الكون، الاله، المطلق، وغير ذلك، او مستغرق في النيرفانا، براهما، الخ.، ويظن انه يصاحب الالهة، الملائكة، وكائنات عليا من كل نوع. ان الاعتقاد بمثل هذه الامور يتعمق عندما ينجح الصوفي، اثناء حالات النشوة الروحية، في تحقيق اتصال عابر مع ( وليس دخول ) العالم الحدسي 46، مما يمنحه إدراك مؤقت لغبطة هذه العالم مع إحساس خادع بانه امتلك الحقيقة المطلقة.

يتضح مما يلي ان شتاينر كان فيلسوفا وصوفيا على حد سواء؛ وانه كان يتمتع بوعي موضوعي في العالمين المادي والنفسي، لكنه وعيه كان ذاتيا فيما يخص العوالم العليا الاخرى.

الوعي النفسي الموضوعي الذي اكتسبه شتاينر لم يقدم له اية معرفة عن الواقع والحياة، ولم يقدم اية معرفة حتى عن طبيعة العالم النفسي. ما الذي يجب قوله في حق أي شخص يعبر عن آرائه حول التركيب الكيمياوي لكوكبنا دون ان يكون لديه اية معرفة بالكيمياء، الفيزياء، علم طبقات الارض، الخ.؟ ان البحث في العالم النفسي يتطلب معرفة لم يكن شتاينر يملكها، ولم يكن يعلم حتى بوجودها. بل انه لم يكن يدرك بان العالم النفسي عالم مادي، وان مادة كل طبقة فيه تتمتع بتركيبها الخاص.

ان الانسان غير المتعلم يرى الكائنات العضوية والاجسام المادية، لكنه لا يعلم بسبب جهله ان الكائنات العضوية تتكون من خلايا والمعادن من جزيئات. لا يكفي اذن ان ترى جسم المادة لكي تفهم مما تتكون تلك المادة.

من غير المجدي تحذير بقية المستبصرين، كما فعل شتاينر، بألا يثقوا ’’ بإلهامهم ‘‘. لان جميع المستبصرين، الذين لم يدركوا ان ما يرونه مستحيل واقعيا، يفعلون ذلك. يمكن ان ندرك من التصريح التالي مدى فهم شتاينر لموضوع النفس: ’’ أستطيع ان ارى ان النفس، التي هي روح، تعيش في عالم من الارواح. ‘‘ ان شتاينر يُطلق على وعي النفس في الجسد النفسي ضمن العالم النفسي عبارة : ’’ النفس بوصفها روح في العالم الروحي ‘‘.

توجد عدة طرق لاكتساب القدرة على الاستبصار. وكل شخص يستطيع تطوير طريقته الخاصة إذا توفرت الشروط المطلوبة. اعتبر شتاينر، كما هو حال الجميع، ان طريقته هي الوحيدة الصحيحة. كانت الطريقة التي استخدمها شتاينر واحدة من أقدم الطرق. يراقب المرء، مثلا، زهرة الى ان يستطيع تصورها في مخيلته بوضوح كما لو انه يراها. فاذا ما استمرت هذه التمارين بشكل منهجي متواصل فقد يحدث ان يصبح المرء مدركا في البداية لجسد الزهرة الاثيري، وفيما بعد لجسدها النفسي كذلك.

تعتبر طريقة تنشيط الوعي في شاكرات الجسدين الاثيري والنفسي أسهل بكثير، لكنها أخطر ايضا. ان الطريقة الصحيحة للقيام بذلك لا يتم تعليمها إلا لفئة مختارة، ومحاولات الجهلة لممارستها ينتج عنها عادة تكوّن اورام في الجسد العضوي. التحذيرات، كالعادة، لا تجدي نفعا: ’’ فالحمقى يندفعون في مسارات تخشى الملائكة الاقتراب منها.‘‘

شتاينر هو واحد من امثلة كثيرة ( سويدنبيرغ هو مثال آخر مشهور ) على صدق المقولة العرفانية، ’’ الرائي الذي درب نفسه بنفسه لا يمكن ان يرى بشكل دقيق‘‘. لقد كان شتاينر مدرب نفسه. فهل من الضروري القول بان المدرب لا بد ان يكون من هيئة الحكماء؟

الدرس الاول في كيمياء العالم النفسي هو ان يتعلم المريد التمييز بين مادتين، مختلفتين تمام الاختلاف، في هذا العالم. المادة الاولى هي المادية الاساسية، والمادة الثانية هي المادة الثانوية. المادة الاساسية هي نتاج عملية دمج وتركيب الذرات الاولية، وهذه العملية تشمل كل عوالم المجرة. ولا يستطيع احد اتقان عملية التمييز هذه دون معلم كفوء. ما رآه شتاينر في العالم النفسي كان ظواهر تتشكل من المادة الثانوية، وهذه الاشكال ( باستثناء الاجساد النفسية للكائنات الحية ) هي من انتاج الوعي النفسي للبشر.

المادة النفسية تتخذ شكلا في الحال عندما تتأثر بالوعي، سواء كان وعي انسان او اي كائن آخر. فيظن الانسان غير المدرب ان هذه الاشكال حقيقية ودائمة. ان المادة الثانوية في العالم النفسي يعاد تشكيلها على الدوام حسب امنيات وتخيلات سكانه. وهذا هو مصدر كل اخطاء المستبصرين غير المتدربين، والتي خلقت اساطير جنة المسيحيين وجحيمهم، عالم الموتى ( هاديس ) والجنان الاغريقية، اراضي الصيد السعيدة عند الهنود الحمر، وارض الصيف عند مستحضري الارواح، وغير ذلك من الاساطير المرتبطة بعالم الأموات – العالم النفسي.

                                             ~~~~~~~

مقالات ذات صلة بالموضوع:

1- الاستبصار:

الرابط: https://www.facebook.com/photo/?fbid=3949050072048832&set=a.2133956583558199&__cft__[0]=AZX9gB38LU7kNSeW-b_tAtiO9CdvcMG8T

2- الوعي الذاتي والموضوعي:

الرابط: https://www.facebook.com/photo/?fbid=891539072989349&set=a.460697506073510&__cft__[0]=AZZsai9BneNIybnu8h7gtZGAGyEVtS5NyXlEquAdsJ-sAvY0_FHaD-H1Ymp-klct8MThx2aDJyogT-iVw4L7In4joCmi0yFCLS7m30-vgk-WagbKYVhOWL_teaof9G3fNtO2M6jFiZc_Aqep-z9CgwEKgudUlltiSntFHhEPWTbLqw&__tn__=EH-R

3- الاتحاد مع الاله:

الرابط: https://www.facebook.com/photo/?fbid=1144862244323696&set=a.460697506073510&__cft__[0]=AZVj7Xr5zNiqgJ4VvEqEp7Q2IFSCE-Hqb5QnxAvce88qtxL5bvFj8

4- السجلات الاكاشية:

الرابط: https://www.facebook.com/photo/?fbid=1101712031972051&set=a.460697506073510&__cft__[0]=AZWTuYtQgajOV2PB2gmQxqjQr

5- جذور مدارس اليوغا:

الرابط: https://www.facebook.com/photo/?fbid=4291182381168931&set=a.2133956583558199&__cft__[0]=AZU1jH25fZcc4BE2i8PAGSi94tgb-6GkYHzeENEk1vYvQA-jg3AbCgw9VxL7HlJW_xIzkcs8jf8etqZ

أخر المقالات

منكم وإليكم