خبز العجين المخمّر .. حين يلتقي تراث الأجداد بعلم الأمعاء

كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة

لم يعد خبز العجين المخمّر مجرد موضة غذائية عابرة أو خيارًا مفضّلًا لعشّاق الطعم الحامضي المميز، بل أصبح محور اهتمام علمي متزايد يكشف عن أسرار صحية لم تكن معروفة من قبل. فبينما ننظر عادة إلى الخبز كغذاء أساسي يومي، تشير الدراسات الحديثة إلى أن طريقة تحضيره قد تُحدث فرقًا حقيقيًا في تأثيره على أجسامنا، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة الجهاز الهضمي.

يعتمد خبز العجين المخمّر على عملية تخمير طبيعية بطيئة، تُنشئ بيئة حمضية داخل العجين. هذه البيئة ليست مجرد تفصيل تقني، بل هي مفتاح التحول الكبير الذي يحدث داخل دقيق القمح. فوفقًا لأبحاث حديثة، تساعد هذه الحموضة على تنشيط إنزيمات كامنة موجودة أصلًا في الدقيق، والتي تظل غير فعالة في طرق الخَبز السريعة التقليدية.

تبدأ هذه الإنزيمات، بمجرد تنشيطها، في تفكيك أنواع معينة من الألياف المعقّدة. والنتيجة؟ تتحول هذه الألياف إلى ما يُعرف بـ”البريبيوتيك“، وهي مواد غذائية تُغذّي البكتيريا النافعة في الأمعاء. وهذا الأمر بالغ الأهمية، لأن توازن البكتيريا في الجهاز الهضمي يرتبط بصحة الجسم بشكل عام، من المناعة إلى المزاج وحتى مستويات الطاقة.

في المقابل، لا يوفر الخبز الأبيض أو حتى خبز القمح الكامل المصنوع بطرق تقليدية هذه الفائدة، لأنه لا يمر بنفس عملية التخمير العميقة التي تُفعّل هذه الإنزيمات. وهنا يظهر الفرق الحقيقي: ليس كل خبز يُصنع من القمح يمنح نفس القيمة الغذائية.

الأمر لا يتوقف عند نوع الخبز فقط، بل يمتد إلى طريقة تحضيره. فمدة التخمير ودرجة الحرارة تلعبان دورًا حاسمًا في تحديد نوع المركبات الصحية التي تتكوّن داخل العجين. على سبيل المثال، التخمير لمدة 24 ساعة ينتج مركبات مختلفة تمامًا عن تلك الناتجة عن تخمير لمدة 12 ساعة. كما أن درجات الحرارة المختلفة تُنشّط إنزيمات متنوعة، ما يعني أن كل رغيف يحمل خصائص فريدة بحسب طريقة إعداده.

هذا يفسّر لماذا لا يمكن اعتبار كل أنواع العجين المخمّر متساوية في الفائدة. فالخبز الأكثر صحة هو ذلك الذي يُحضّر بطريقة تقليدية، مع تخمير طويل وبدرجة حرارة مناسبة. وهي نفس الطريقة التي كان يعتمدها الخبازون منذ آلاف السنين، قبل أن تُسرّع الصناعة الحديثة عمليات الإنتاج على حساب الجودة الغذائية.

المثير للاهتمام أن الخبازين القدماء لم يكونوا على دراية بهذه التفسيرات العلمية المعقدة، لكنهم توصّلوا إلى أفضل النتائج عبر التجربة والملاحظة. كانوا يلاحظون أن العجين يحتاج إلى وقت، وأن الصبر في التخمير يمنح الخبز طعمًا أفضل وقوامًا أخف، وربما دون أن يدركوا قيمة صحية أعلى.

في زمننا الحالي، حيث تزداد المشكلات المرتبطة بالجهاز الهضمي وأنماط التغذية السريعة، قد يكون الرجوع إلى هذه الطرق التقليدية خطوة ذكية نحو تحسين صحتنا. فاختيار خبز مخمّر جيد التحضير ليس مجرد رفاهية غذائية، بل استثمار بسيط في صحة الأمعاء وجودة الحياة.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم