بقلم د.علي خليفة
ليس لدي شك في أن أسطورة بجماليون الإغريقية هي أهم أسطورة أثرت في أدب توفيق الحكيم، ولهذا نرى آثارها في بعض مسرحياته وبعض قصصه
فنرى آثارها في قصة الأميرة الغضبى وقصة أمام حوض المرمر اللتين نشرهما في كتابه عهد الشيطان ، وفِي هاتين القصتين يتحاور مع بطلتي مسرحيتين له هما بريسكا بطلة مسرحية أهل الكهف وشهرزاد بطلة مسرحية شهرزاد ،
وتتعاملان معه على اعتبار أنه صانعهما ويكنان له كل التقدير ولكنهما لا يمكن لهما أن تتواصلا به كما يتواصل البشر بعضهم ببعض ، وتشكو هاتان البطلتان للحكيم بعض الأوضاع التي لم تعجبهما في مسرحيتيه عنهما ويخبرهما بأنه غير قادر على التعديل في هاتين المسرحيتين استجابة لرغبتيهما وإلا لانفرط عقد المسرحيتين واختل الناموس فيهما
وفي رواية الرباط المقدس نرى أيضا أثر أسطورة بجماليون فراهب الفكر فيها عزف عن صحبة النساء كما عزف بجماليون في الأسطورة عن النساء ولكنه حن لهن بعد ذلك كما حدث لبجماليون ، ولكن بجماليون طلب إلى الإلهة الوثنية أفروديت أن تنفخ الروح في تمثاله العجيب لامرأة فاتنة واستجابت له أفروديت وصار التمثال الذي صنعه امرأة وتزوجها وأنجب منها أما راهب الفكر في الرباط المقدس فقرأت امرأة كتبه وأعجبت بها ، وذهبت إليه في صومعته لتفتنه وتمكنت من هذا حينا ثم ما لبث أن تركها وعاد لصومعة فكره وفي بعض مسرحيات توفيق الحكيم نرى آثار أسطورة بجماليون بشكل واضح ، لا سيما في مسرحية بجماليون التي فيها عاد للأسطورة في هيكلها القديم وبث من خلالها فكره في بعض القضايا لا سيما عن علاقة المبدع بإبداعه وعلاقة المبدع بالمرأة ، وفِي هذه المسرحية – كما هو الشأن في كل الأعمال التي استوحى فيها الحكيم أسطورة بجماليون – لا يمكن للمخلوق أن يتواصل مع من أبدعه تواصل البشر مع بعضهم البعض ولهذا لم تستطع جالاتيا في هذه المسرحية أن تفهم بجماليون وشعرت أنه يبعدها عنه حجب كثيفة ومالت للشاب الوسيم نرسيس
وفي مسرحية شهرزاد تقوم شهرزاد بإعادة تكوين شهريار لقد حولته بقصصها من شخص غرائزي يستمتع بقتل عذراء كل فجر لشخص محب للمعرفة ، وكان يخاطبها أحيانا مستشعرا عظمتها وأنها أعظم من أن يستطيع فهمها والتواصل معها
وفي مسرحية شمس النهار نرى قمر الزمان ابن الشعب البسيط قد أعاد تشكيل عقل الأميرة شمس النهار وسلوكها حتى لقد بدت جزءا منه وكانت تخاطبه أحيانا على أنه صانعها ، وتنتهي المسرحية في نسختها الأولى بعدم زواجهما فلا يمكن في فكر الحكيم أن يكون هناك حب بشري بين المبدع ومن أثر فيه ، ولكن الحكيم غير هذه النهاية لنهاية أخرى يتزوج فيها الحبيبان بتوجيه من المخرج فتوح نشاطي عند إخراجه لهذه المسرحية
وفي مسرحية الخروج من الجنة تعيد عنان تشكيل مختار من خلال هجرها له فقد أحبته وتزوجته وأدركت أنه مبدع كبير ولكنه يحتاج ليخرج إبداعه لجرعة من الألم فهجرته وتألم وأبدع
أما مسرحيته القصيرة بين الحلم والواقع فكانت أول عمل أدبي له يتأثر فيه بأسطورة بجماليون ، وفيها نرى مثالا يناجي تمثالا لامرأة صنعه بعبارات الحب وتغضب زوجته من تصرفه هذا وتحاول أن تجعله ينصرف عن تمثاله ويتغزل فيها كما كان يصنع قبيل صنعه لهذا التمثال ولكنه لا يستجيب لها إلا بعد أن تحطم تمثاله وهنا ينسى ذلك التمثال ويتغزل في امرأته من جديد بالعبارات التي خلعها على التمثال من قبل ومن الواضح هنا أن الحكيم يرى أن المرأة والإبداع قطبان لا يلتقيان وأن الفنان لا بد له أن يضحي بأحدهما


