مروان غريبة آخر حرّاس النغمة الأصيلة القادم من زمنٍ الأوتار العتيقة
في مدينة حمص التي اعتادت أن تنجب المبدعين كما تنبت أشجارها العتيقة ظلالها على الذاكرة، خرج مروان غريبة حاملاً كمانه لا كآلة موسيقية فحسب، بل كرفيق عمرٍ وحكاية وطن. منذ سبعينيات القرن الماضي بدأ رحلته مع الأوتار، يوم كانت الموسيقى تُصنع بالشغف لا بالضجيج، وبالاجتهاد لا بالشهرة العابرة. كبر الفتى وكبرت معه أحلامه، حتى حمله الكمان إلى الإذاعة الليبية ثم إلى أهم المسارح العربية والعالمية، حيث تعلّم أن الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود. وعندما وقف إلى جانب صباح فخري سبع سنوات كاملة، لم يكن مجرد عازف في فرقة، بل كان شريكاً في صناعة لحظات ستبقى محفورة في ذاكرة الطرب العربي. ثم جاء وديع الصافي ليمنحه لقب “المايسترو”، في شهادة لا تُمنح إلا لمن استطاع أن يجعل الخشب والأوتار تنطق بما تعجز الكلمات عن قوله. وبين فيروز وجورج وسوف وعازار حبيب ونصري شمس الدين وغيرهم، ظل اسم مروان غريبة حاضراً بوصفه واحداً من أبناء الجيل الذي آمن بأن الموسيقى رسالة قبل أن تكون مهنة. واليوم، وبينما تتبدل الأذواق وتتراجع مساحة الفن الجاد أمام موجات الاستهلاك السريع، تبدو سيرة هذا العازف أشبه بوقفة نقدية هادئة أمام زمنٍ كان يحترم النغمة والكلمة والموهبة. إنها حكاية فنان لم يطارد الأضواء بقدر ما جعل الأضواء تتبعه، فبقي الكمان بين يديه شاهداً على مرحلة ذهبية من تاريخ الموسيقى العربية، وعلى رجلٍ اختار أن يكون وفياً للفن الأصيل حتى آخر وتر.
……………………………….
تحرير #سوريات_Souriat — حسان سعد


