ظاهرة الجنون في المسرح

بقلم د.علي خليفة

المجنون شخص مسلوب العقل، ولا يتصرف بالحكمة التي يتصرف بها العقلاء، ولكنه يقوم بتصرفات غريبة، وقد يكون بعضها مؤذيًا للآخرين، كما أنه يخلط في كلامه، وهناك صور مختلفة للجنون.

ونرى في المسرحيات اليونانية القديمة أن الأشخاص المجانين فيها يكون جنونهم عقابًا من بعض الآلهة الوثنية لهم؛ ليرتكبوا أعمالًا غريبة تشينهم، كما نرى في مسرحية “أجاكس” لسوفوكليس، فقد جُنَّ فيها أجاكس بتأثير من أحد الآلهة، وقام بتصرفات غريبة خلال جنونه، ولم يَرَ بعد أن عاد له عقله أنه يستطيع أن يواجه من حوله بعد قيامه بهذه الأفعال خلال جنونه، فقتل نفسه، وكذلك نرى هرقل في مسرحية “هرقل مجنونًا” ليوربيديس يصاب بالجنون من قبل بعض الآلهة الوثنية، ومنهم ربة الجنون، بأوامر من هيرا زوجة زيوس رب الأرباب الوثني عند الإغريق، وخلال جنون هرقل يقتل أولاده الثلاثة وزوجته، وحين يرجع له عقله يتألم بشدة لتلك الجرائم التي فعلها خلال جنونه.

ونرى في بعض تراجيديات شكسبير الكبرى أن بعض الشخصيات فيها تصاب بالجنون، ويكون هذا الجنون منها تكفيرًا عما ارتكبته من أخطاء، كحال الليدي “ماكبث” في مسرحية “ماكبث” لشكسبير، فقد أُصيبت بالجنون، بعد أن استشعرت عظم الجريمة التي ارتكبتها مع زوجها ماكبث في قتل الملك دنكان حين كان ضيفًافي بيتهما.

وكذلك نرى في بعض تراجيديات شكسبير الكبرى أن بعض الأشخاص فيها يصابون بلوثات من الجنون، ويغيب عنهم العقل في فترات نتيجة شدة معاناتهم، كحال لير في مسرحية “الملك لير”، فقد أصيب بنوباتمن الجنون تصيبه من حين لآخر بعدما رأى عقوق ابنتيه الكبيرتين بعد أن تخلى لهما ولزوجيهما عن العرش وعن أكثر ممتلكاته.

وأرانا شكسبير في مسرحية “مأساة هاملت” أن أوفيليا قد جُنَّتْ بسبب معاناتها الشديدة بعد أن قتل حبيبها هاملت والدها، ورأت في الوقت نفسه صدود هاملت عنها، وكان هاملت يتظاهر بذلك الصدود نحوها خلال ادعائه الجنون؛ ليتأكد مما قاله طيف والده له من أن عمه ووالدته قد اشتركا في قتله.

وفي بعض المسرحيات الكلاسيكية نرى بعض الأشخاص يتظاهرون بالجنون، وأيضًا نرى أشخاصًا آخرين يتهمون كذبًا بالجنون؛ من أجل النيل منهم،كما نرىفي بعض مسرحيات موليير، مثل: مسرحية “السيد دي بورسياك”.

وفي العصر الحديث نرى كتاب المسرح يصورون نماذج مختلفة لأشخاص مصابين بالجنون، ومن ذلك أننا نرى منهم من يصور لنا مجانين كان جنونهم؛ لأنهم لم يستطيعوا التكيف مع واقعهم، كحال الابن في مسرحية “حيث وُضِعَتْ علامة الصليب” ليوجين أونيل، فقد صَدَّقَ والده العجوز حين أوهمه أن هناك سفينة له ستعود وعليها بعض البحَّارة بكنز كبير، وكَذَّبَهُ بعد ذلك في ذلك الأمر، واتَّهم والده بالجنون من أجل ذلك، ثم عاد ليصدق ذلك الوهم، وأصيب هو أيضًا بالجنون.

وأيضًا نرى في مسرحية “هروب في ضوء القمر” لكينيث كروتي امرأة فقدت حبيبها الذي كانت على وشك الزواج منه قبيل موته، ولا تستطيع أن تقبل الواقع بعد موته، فتصاب بالجنون، وتسلم نفسها للموت معتقدة أنها بهذا الموت تصل نفسها بهذا الحبيب الذي رحل.وأيضًا نرى في المسرح الحديث مجانين يصابون بالجنون لأسباب تتعلق بمشاكل ذلك العصر، ومنها قلة الموارد الاقتصادية فيه، والفوارق الطبقية به، كما نرى في مسرحية “مجانين العصر” لديمتري بساثاس، وفيها نرى أشخاصًا أصيبوا بالجنون لضَعْفِ مرتباتهم عن قضاء حاجاتهم وحاجات أسرهم الأساسية، ومنهم من أصيب بالجنون نتيجة الحروب العظمى التي تثيرها الدول العظمى، ومنهم من أصيب بالجنون لعجزه عن شراء أطعمة لذيذة،

وكان يكتفي بمشاهدتها فقط عند بائعتها، إلى غير ذلك من نماذج أخرى من مجانين العصر الذين أُصِيبوا بالجنون بسبب أحداث غريبة حدثت في هذا العصر.

ونرى في بعض المسرحيات الحديثة أشخاصًا يَدَّعون الجنون؛ ليتجنبوا مواجهة فظائع هذا العصر، كما نرى في مسرحية “علماء الطبيعة” لفريدريش دورينمات،ففيها يقوم أكبر عالم في الطبيعة في عصره بادعاء الجنون؛حتىلا يُسْتغلّ علمه من قبل إحدى الدول العظمى لعمل قنابل وأسلحة تدمر البشرية.وهكذا نرى في العصر الحديث أن صور الجنون وادعاء الجنون قد تنوعت، وأكثرها كان بسبب الأخطار التي يتعرض لها الإنسان في هذا العصر الحديث.

أخر المقالات

منكم وإليكم