نهاد سيريس: حلب.. سيرة المكان والزمان
في قلب حلب، حيث تتعانق أزقة التاريخ مع ضجيج الحاضر، وُلد نهاد سيريس عام 1950، كأنما اختارته المدينة ليكون راويتَها الأمين، والمُدافع عن روحها. ليس غريباً أن يحمل هذا الرجل في جعبته هندسة المكان، إذ درس الهندسة المدنية في بلغاريا حتى نال الماجستير عام 1976، وعاد ليمارسها في حلب، وكأنه كان يُعدُّ العدة سراً لمشروعه الأعظم: تشييد عمارةٍ سردية لا تُنسى، أساساتها حكايات البشر، وأعمدتها لهجتهم الحلوة، ونوافذها المشرعة على تاريخٍ سوريٍّ يفيض بالتفاصيل.
لم يكن سيريس مجرد كاتبٍ يستلهم البيئة، بل هو مبتكرها الدرامي الأول؛ إذ ينسب إليه بجدارةٍ فضل إشاعة اللهجة الحلبية في التلفزيون السوري، واضعاً إياها في مواجهة الجمهور العربي بأسره. فعل ذلك لا كمجرّد لونٍ محلي، بل كحاملٍ لهويةٍ كاملة، وصوتٍ للحكايا المهملة، وأداةٍ لسبر أغوار النفس البشرية في أكثر تجلياتها حلبية، وبالتالي في أعمق صورها الإنسانية. في ملحمته التلفزيونية “خان الحرير” (بجزأيه الأول 1996 والثاني 1998)، حوّل حقبةَ الخمسينيات والوحدة والانفصال إلى نسيجٍ حيّ من العلاقات السياسية والتجارية والغرامية، وفي “الثريا” (1997)، ذهب أبعد إلى أواخر العهد العثماني، ليكتب سيرةَ مجتمعٍ على أعتاب التحول. ولا ننسى الملاك الثائر عن جبران خليل جبران.
بين دفة الكتب، تكتمل ملامح مشروعه الفكري والأدبي. روايته الأولى “السرطان” (1987) الصادرة في تونس، كانت إيذاناً بميلاد روائيّ من طراز خاص، تتلوها “ثلاثية رياح الشمال” التي تستعرض الأحداث التاريخية في بلاد الشام مطلع القرن العشرين. غير أن روايته “حالة شغف” (1998)، هي شهادة حبٍ نادرة لتلك المدينة، إذ يغوص في عوالم الطرب الحلبي القديم، والفن، والعلاقات المتشابكة التي لا تقل تعقيداً عن ألحان القدود. أما ذروة حضوره العالمي فكانت مع رواية “الصمت والصخب” (2004) الصادرة عن دار الآداب، وهي روايةٌ سياسيةٌ جريئة، تُرجمت إلى الإنكليزية والألمانية ولغات أخرى، لتجعل من صوته السوري الحلبي صوتاً كونياً يُنصت له.
جاءت نقطة التحول في مسيرته الحياتية مع اندلاع الثورة السورية، حيث غادر الوطن عام 2012، بعد أن عاين بنفسه استهداف المثقفين والاغتيالات المتكررة، ليستقر في برلين منذ عام 2013، حاملاً هموم وطنه في منفاه. هناك، تحولت كتابته إلى ضربٍ من التأمل النقدي العميق في مأساة السوريين، مُتوجاً مسيرته بالحصول على جائزة “فريدريش روكيرت” الألمانية عام 2013، متفوقاً على قائمة مرشحين ضمت أسماء سورية لامعة مكافأةً وتكريماً لـروايته السياسية الشهيرة “الصمت والصخب” بعد ترجمتها إلى اللغة الألمانية. واليوم نراه في مقاله “رواية الاستشراف في زمن الدم”، وغيره من النصوص، يسائل سيريس قدرة الأدب على استيعاب الآثار الكارثية للعنف، مقدما إرثاً إبداعياً يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن حلب لم تكن مجرد مسقط رأس له، بل كانت وما زالت، مشروعه الأدبي الأكبر وسيرته الخالدة.
سوريات_souriat
سمر عزيز


