لم يعرف سكان شمال الكرة الأرضية الأصليون لآلاف السنين لا الخضراوات ولا الفواكه، ولا حتى الحبوب أو البقوليات وعلى الرغم من ذلك كانوا أصحاء.وإلى اليوم، يحاول علماء التغذية حول العالم تفسير هذا الأمر؛ لأنه ينافي كل التوصيات والمقترحات التغذوية التي يعرفها العلم الغربي الحديث، بل إنهم أطلقوا على هذه الظاهرة اسم “مفارقة القطب الشمالي”.كيف يعيش شعب مثل “الإينويت” (الإسكيمو) أو سكان “سيبيريا” على نظام غذائي يتكون بنسبة 90% من اللحوم والأسماك والدهون، ودون أي فواكه أو خضراوات، ومع ذلك لا يصابون بمرض الإسقربوط (نقص فيتامين C)، وكانت معدلات أمراض القلب لديهم تاريخياً منخفضة جداً؟فهل السر يكمن في عدم فهمنا للنظام التغذوي من الأساس، أم أننا لا نزال نتعلم المزيد عن الجسد البشري؟دام لسنوات طويلة الاعتقاد بأن فيتامين C يأتي فقط من الحمضيات والنباتات، وأن عدم حصولنا على القدر الكافي منه سيؤدي إلى أمراض خطيرة؛ مثل مرض الإسقربوط (مرض البحارة الشهير). لكن في حقيقة الأمر، فإن طهي الطعام والخضراوات يدمّر الفيتامينات، وأولها فيتامين C.يقول العلماء إن الشعوب الشمالية كانت تأكل جزءاً كبيراً من اللحوم والأسماك والدهون نيئةً أو مطبوخةً بدرجة خفيفة جداً. ولكن،عرفت شعوب الشمال كما عرف باقي سكان العالم الطهي بكل أنواعه على مدار آلاف السنين وكان معظم أكلهم مطهواً بشكل عادي؟يرى العلماء أن الجلد الخارجي لبعض الثدييات البحرية (مثل الحوت والفقمة)، بالإضافة إلى المخ والكبد، يحتوي على نسب عالية جداً من فيتامين C تكفي لمنع مرض الإسقربوط تماماً.ولكن ألم يكن البحارة يأكلون الحوت والفقمة عندما أُصيبوا بهذا المرض في القصة الشهيرة؟وعلى الرغم من انعدام ضوء الشمس لفترات طويلة في الشمال، فإن نظامهم المعتمد على كبد الأسماك ودهون الفقمة يزودهم بجرعات هائلة وطبيعية من فيتاميني D و A.في الهرم الغذائي الغربي التقليدي الذي يُدرَّس على أنه الدليل الأول والأخير للصحة والغذاء، تُعتبر الدهون أي دهون هي العبء الأكبر، لكن نوعية الدهون لدى سكان المناطق الشمالية مختلفة تماماً؛ فالأسماك والحيوانات البحرية في المناطق القطبية تتغذى على طحالب وكائنات غنية جداً بالأحماض الدهنية غير المشبعة (EPA و DHA) الممتلئة بأوميغا 3. هذه الدهون تحمي الجهاز الدوري، وتقلل التهابات الأوعية الدموية، وتحافظ على صحة الدماغ، مما يعوّض غياب الألياف والنباتات.يقول العلماء أنه عبر آلاف السنين، حدثت لديهم ما يسمى بالطفرات جينية جعلت أجسادهم تتعامل مع هذا النظام الفريد؛ فقد أظهرت الدراسات الجينية على سكان جرينلاند وجود طفرات في جين (CPT1A) تتيح لأجسادهم أكسدة الدهون وحرقها كطاقة بكفاءة عالية جداً، دون الدخول في حالة “حُماض كيتوني” ضار (Ketoacidosis). كما أن أجسادهم مجهزة جينياً لمنع ارتفاع الكوليسترول الضار بمعدلات خطيرة رغم كمية الدهون المستهلكة.وكأن أجسادهم أصبحت من كوكب آخر والحل أنه لديهم “الجين” وهكذا أصبحوا مختلفين عن بقية البشر لأن لديهم جين مختلف.إن الهرم الغذائي السائد يُحذر من الدهون أساساً لأن استهلاكها -مصحوباً بالكربوهيدرات والسكر- هو ما يسبب السمنة، مقاومة الإنسولين، وأمراض القلب. لكن سكان القطب الشمالي ورعاة المنغول لم يستهلكوا طوال تاريخهم أي دقيق أبيض، أو زيوت نباتية مهدرجة أو خضروات وفواكه. وغياب هذه “السموم التي لا يعرفونها” حماهم من الأسباب الرئيسية لأمراض العصر (كالسكري من النوع الثاني وتصلب الشرايين وأمراض الضغط والنقرص والأوعية).نظامهم الغذائي كان لا يعرف لا الكربوهيدرات ولا النشويات، وكانوا يعرفون فقط لحم الأسماك والفقمات والدهن.ولكن… ماذا عن بدو المغول؟هؤلاء قوم اعتمد أكلهم تماماً على الرعي والألبان ومخمراتها، وهم أيضاً شعوب لم تعرف لآلاف السنين الفواكه ولا الخضراوات ولا الحبوب ولا البقوليات.وعندما بدأ سكان هذه المناطق في العصر الحديث يعتمدون على النظام الغذائي الغربي (المعلبات، السكريات، الدقيق الأبيض، والنشويات)، بدأت تظهر لديهم الأمراض، وقفزت معدلات السكري والسمنة وأمراض القلب بشكل حاد وغير مسبوق؛ مما يؤكد أن نظامهم القديم كان متوافقاً تماماً مع بيئتهم و طبيعة حياتهم.فهل نحتاج بالفعل إلى الخضراوات والفواكه والبقوليات في أنظمتنا الغذائية بالقدر الذي يوصي به العلم، وأن غيابها يعني حتماً سوء التغذية؟ أم أن في أجسادنا وأسرار الأقدمين ما يثبت أننا لا نزال نجهل الكثير عن الصحة البشرية؟
#قصص الشعوب#مجلة ايليت فوتو ارت.


