البروكار الدمشقي.. إرثٌ حضاري وفنٌ نسيجي خالد
بقلم نجوى عبد العزيز محمود
يُعد البروكار الدمشقي واحداً من أشهر الأقمشة الفاخرة في العالم، وهو رمزٌ أصيل للحرفية السورية التي ازدهرت في مدينة دمشق عبر قرون طويلة.
فقد استطاع هذا النسيج الفريد أن يجمع بين الجمال الفني والدقة الصناعية، حتى أصبح مرادفاً للفخامة والرقي، وارتبط اسمه بالقصور الملكية ودور الأزياء الراقية والمتاحف العالمية، ولا يقتصر البروكار على كونه قماشاً فاخراً، بل يمثل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية والتراثية لمدينة دمشق.
تعود كلمة برزكار إلى أصل أوربي مشتق من الكلمة الإيطالية Broccato، إلا أن صناعة البروكار بلغت أوج تطورها في دمشق، حتى أصبح ، يُعرف عالمياً باسم” البروكار الدمشقي”.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذه الصناعة ازدهرت منذ العصور الإسلامية، ولا سيما خلال العهدين الأموي والمملوكي، ثم شهدت تطوراً كبيراً في العصر العثماني.
كانت دمشق مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير، الأمر الذي ساعد في وصول الحرير الطبيعي إليها من الشرق، ثم تحويله إلى أقمشة فاخرة تُصدر إلى أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا. وقد اشتهرت الأسواق الدمشقية، مثل سوق الحميدية و البزورية، بعرض أجود أنواع البروكار التي كانت تُطلب خصيصاً للأمراء والملوك.
تعتمد صناعة البروكار الدمشقي على مهارة يدوية عالية وخبرة متوارثة بين الأجيال. وتبدأ العملية باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي، ثم صباغته بألوان زاهية مستخلصة قديماً من مواد طبيعية مثل قشور الرمان والنيلة والزعفران، بعد ذلك تُثبت خيوط السدى على النول اليدوي، بينما تُنسج الخيوط بطريقة دقيقة لتكوين الزخارف البارزة، وقد تُضاف خيوط من الذهب أو الفضة لإضفاء مظهر فاخر على القماش، وهو ما جعل البروكاريعرف بأنه:” نسيج الملوك”، بالإضافة إلى أنه يحتاج إنتاج متراً واحداً من البروكار إلى ساعات طويلة من العمل، وقد يمتد إلى عدة أيام بحسب تعقيد التصميم وكثافة الزخارف.
يتميز البروكار الدمشقي بزخارفه الغنية المستوحاة من الطبيعة والفنون الإسلامية، كالأزهار الدمشقية كالياسمين وأغصان الكرمة والرمان والطيور والطوواويس والأشكال الهندسية والزخارف الإسلامية المتشابكة، وتتنوع ألوان البروكار بين الأحمر القاني، والأزرق الملكي، والأخضر الزمردي، والعاجي، والذهبي، مما يمنحه طابعاً فنياً راقياً يناسب مختلف.
نال البروكار الدمشقي شهرة عالمية منذ قرون، ووصل إلى بلاطات الملوك والأباطرة في أوروبا، وكانت العائلات الملكية تقتني الملابس والمفروشات المصنوعة منه لما يتمتع به من جودة وجمال، ومن أشهر القصص المرتبطة به أن فستان زفاف الملكة إليزابيث الثانية، ملكة المملكة المتحدة، عام 1947، احتوى على بروكار دمشقي فاخر، مما أسهم في زيادة شهرته عالمياً وإبراز الحرفية السورية أمام العالم.
كما تحتفظ العديد من المتاحف العالمية بقطع من البروكار الدمشقي ضمن مجموعاتها الخاصة بالفنون الإسلامية والمنسوجات التاريخية.
يمثل البروكار الدمشقي أكثر من مجرد صناعة نسيج؛ فهو شاهد على تاريخ طويل من الإبداع والحضارة. كما يشكل مورداً اقتصادياً مهماً للحرفيين، ويسهم في تعزيز الصناعات التقليدية والسياحة الثقافية، ويُعد الحفاظ عليه حفاظاً على جزء من الذاكرة التاريخية لمدينة دمشق، وعلى إحدى أبرز الحرف العربية التي اكتسبت شهرة عالمية،حيث يبقى رمزاً خالداً للإبداع الإنساني، ودليلاً على ما بلغته الحرف التقليدية في دمشق من دقة وإتقان؛ فعلى الرغم من التحديات التي تواجه هذه الصناعة، فإن قيمتها التاريخية والفنية لا تزال تجعلها واحدة من أهم الكنوز التراثية في العالم العربي، إن دعم الحرفيين وتشجيع الصناعات التقليدية، وتعريف الأجيال الجديدة بهذا الإرث، كلها خطوات ضرورية لضمان استمرار البروكار الدمشقي بوصفه عنواناً للأصالة والجمال، وجسراً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
معرض الصور:






