
ينظر مازن المنصور إلى الفن بوصفه رسالة إنسانية وجمالية، لا تنفصل عن التأمل، ولا عن البحث الدائم في المشاعر العميقة التي تسكن الوجوه والأمكنة والتفاصيل اليومية.
بين الانطباعية، والاشتغال على الضوء، ونقاء اللون، وحضور الإنسان، يحاول منصور أن يصنع لغته الخاصة داخل الفن التشكيلي السوري، بعيداً عن التكرار والأنماط الجاهزة، التقت إيليت فوتو آرت-مع الرسام الشاب مازن منصور ، وأجرت معه هذا حوار شيق:
ـ عرفنا عن نفسك بعيداً عن التعريف المباشر، كفنان يرى العالم من خلال اللون والضوء والذاكرة؟
*أنا إنسان دائم التفكير، قليل الكلام، كثير الشرود، ومحبّ للآخرين.
أقضي معظم وقتي في العمل، وأرى أن الفن تضحية قبل أن يكون متعة أو مهنة.
فالعمل الفني يحتاج إلى جهد كبير في التحضير والبناء، كي يكون فريداً في موضوعه وأسلوبه وألوانه.
أشعر أنني متمرد على الأفكار الموروثة، وعلى بعض الأنماط الاجتماعية والحياتية السائدة.
أقدّم نفسي من خلال الفن كرسول للإنسانية، يحمل رسالة تقوم على الرقي والثقافة والجمال، وبرأيي من أهم الأسس التي تُبنى عليها الحضارات.

ما الذي يميز لوحاتك عند النظرة الأولى؟ هل الاختلاف في اللون، أم الموضوع، أم الإحساس، أم في طريقة التقاط اللحظة البصرية؟
*أعتقد أن الاختلاف في لوحتي يكمن أولاً في الأسلوب.
لدي طريقتي الخاصة في ضربة الريشة والسكين، وفي إبراز التباين بين الظل والنور، إضافة إلى الانتقال السلس بين الأطياف اللونية، خصوصاً في مناطق الظلال، وصولاً إلى أدق التفاصيل في اللون والخط.
كما أحرص دائماً على أن يكون موضوع اللوحة فريداً وغير مكرر، لأنني لا أبحث عن إعادة إنتاج المألوف، بل عن تقديم رؤية خاصة تحمل بصمتي وتجربتي.

-كيف تظهر الانطباعية في أعمالك؟ هل تنبع من اهتمامك بالضوء واللحظة وتأثير اللون والإحساس العابر أكثر من التفاصيل الجامدة؟
*تظهر الانطباعية في أعمالي من خلال انعكاس الضوء وتأثيره اللحظي على المشاعر.
فشروق الشمس على مكان ما اليوم لا يشبه شروقها عليه في الأمس أو الغد، ليس فقط بسبب تغير الضوء، بل بسبب تغير المزاج والشعور.
المشاعر وليدة اللحظة، وما يثيرها. تلك الحركة المتولدة عن انعكاس الضوء.
وإذا لم نشعر بهذه الحركة، فإن الأشياء من حولنا تتحول إلى جمادات بلا حياة.
لذلك أحاول أن ألتقط في اللوحة الإحساس العابر، لا الشكل الثابت فقط.

-ما العلاقة بين المكان ولوحاتك؟ وهل تحضر البيئة السورية، المدينة، الطبيعة، الوجوه، أو تفاصيل الحياة اليومية في أعمالك؟
*للمكان أثر كبير في تكوين العمل الفني، لأن الفنان يغذّي أفكاره وذاكرته من المحيط المباشر.
لأنه يتأثر بالألوان والخطوط والأشكال من حوله، فالعناصر مجتمعة تولّد حالة شعورية تخدم الفكرة التي يريد إيصالها عبر اللوحة.
المكان بالنسبة لي ليس خلفية صامتة، بل عنصر حيّ يشارك في بناء المعنى.
سواء كان طبيعة، مدينة، وجهاً، أو تفصيلاً يوميا بسيطًا، فإنه يتحول داخل اللوحة إلى ذاكرة بصرية وشعورية.

كيف تستخدم اللون للتعبير عن المشاعر؟ وهل تبدو ألوانك هادئة، دافئة، مضيئة، صاخبة، حزينة، أو حالمة؟ وما أثر ذلك في المتلقي؟
أحرص على نظافة اللون ونصاعته، وعلى خلق حالة من التآلف بين الألوان بعيدًا عن الصخب. أتعامل مع اللون كما لو أنه جزء من سمفونية موسيقية هادئة، تبعث في المتلقي مشاعر السرور والانجذاب والراحة والهدوء النفسي.
أحيانًا أخلق نوعًا من التناقض المقصود؛ فقد يكون موضوع اللوحة حزينًا، لكنه مفعم بألوان دافئة ومفرحة، فينشأ حوار بين المعنى واللون. وفي لوحات الطبيعة، مثلًا، تتكامل الألوان مع البعد الجمالي للمشهد، لتمنح المتلقي إحساسًا بالانسجام والتأمل.

ما حضور الإنسان في تجربتك الفنية؟ وإذا ظهرت الوجوه أو الشخصيات في أعمالك، فهل تظهر كأفراد أم كرموز للحياة والذاكرة والوجدان؟
للإنسان حضور كبير في أعمالي. فأنا، كأي فنان، أبحث دائماً عن حالات الشعور الإنساني، وأحاول التعبير عنها بأسلوبي وتجربتي الخاصة، كي أصل إلى فكرة شخصية ومتفردة بعيداً عن أفكار وتجارب الآخرين.
من خلال رسم الوجوه والأجساد، أسعى إلى إيصال حالة إنسانية محددة، لا تكتفي بالشكل الخارجي، بل تنقل العمل الفني إلى بُعد آخر من التعمق والتفكير.
الإنسان في لوحتي قد يكون فرداً، لكنه في الوقت نفسه رمز للذاكرة والوجدان والحياة.

كيف يتحول المشهد العادي في لوحاتك إلى حالة شعرية؟ وهل تستطيع أن تجعل الطبيعة أو المكان أو التفاصيل اليومية أكثر عمقًا وحميمية؟
أعتمد على الألوان وضربات الريشة القصيرة والسريعة لتحويل المشاهد الجامدة إلى ما يشبه القصيدة الشعرية أو النغمة الموسيقية.
فاللون يمتلك قدرة كبيرة على تحريك المشاعر الإنسانية.
ما يعجز اللسان عن البوح به تستطيع الفرشاة أن تكشفه، أحيانًا تفضح اللوحة ما يخفيه الفنان في داخله، وتكشف شيئاً من عالمه الخاص أمام المتلقي، خاصة إذا كان هذا المتلقي قادراً على التقاط الإشارات اللونية والحركية داخل العمل.

ـ ما أثر دراستك وخبرتك الفنية في تكوين أسلوبك؟ وكيف انعكست دراستك للفن التشكيلي في المركز الثقافي الروسي، إلى جانب خلفيتك الأكاديمية في الحقوق، على تجربتك ورؤيتك؟
*للدراسة أثر كبير في بناء اللوحة الفنية، مهما كان موضوعها أو أسلوب الفنان الذي يعمل عليها.
لا يمكن تقديم عمل فني متكامل من دون معرفة مسبقة بأسس بناء اللوحة، والتكوين، ومزج الألوان، والأبعاد، والدراسات التشريحية للأشكال والأجسام.
هذا كله يحتاج إلى اجتهاد الفنان في تحصيل المعرفة، سواء عبر الأكاديميات المتخصصة أو من خلال أساتذة يمتلكون الخبرة. لكن الدراسة وحدها لا تكفي، فالخبرة والتجربة لا تُدرّسان بشكل مباشر، بل هما نتيجة عمل الفنان واجتهاده وبحثه المستمر.
كانت دراستي في المركز الثقافي الروسي ذات أثر كبير في توضيح الطريق أمامي واختصار مسافات كثيرة.
هناك وجدت هويتي الفنية، وتعلمت طرق بناء اللوحة وإنهائها، وكيف أنظر إلى العمل الفني بصورة أشمل. كما تعرفت إلى عدة أساليب وأنماط فنية، والتقيت بعدد من كبار الفنانين السوريين والروس، واستفدت كثيراً من تجاربهم ونصائحهم.
أما دراستي الجامعية في كلية الحقوق، فقد أضافت إلى تجربتي بعدًا آخر.
فالحقوق مجال واسع يمس الإنسان في مختلف جوانب حياته. ومعرفة الحقوق، وفهم علاقة الإنسان بالعدالة والرضا والسلوك، أضافت إلى ذخيرتي الفنية والعلمية طرقاً جديدة في التفكير، وفتحت أمامي أسئلة كثيرة تتعلق بمشاعر الناس وتصرفاتهم، أحاول دراستها وتقديمها من خلال أعمالي.

أين يمكن وضع تجربتك ضمن الفن التشكيلي السوري؟ هل تنتمي إلى تيار واضح، أم أنها تجربة شخصية تحاول إيجاد لغتها الخاصة؟
أرى أن تجربتي شخصية في الموضوع والأسلوب.
أحاول من خلالها أن أجد شخصيتي الفنية المتفردة، وأن أقدم أعمالاً إبداعية ومبتكرة، تقوم على تبسيط الموضوع من جهة، وإغنائه بالتفاصيل من جهة أخرى.
لا أسعى إلى الانتماء المباشر إلى تيار محدد بقدر ما أسعى إلى بناء لغة خاصة، تحمل ملامحي رؤيتي وتجربتي.

ـما الرسالة الجمالية أو الإنسانية التي تحملها أعمالك؟ وهل يدعو فنك إلى التأمل، أم استعادة الجمال، أم التمسك بالذاكرة، أم رؤية العالم بعين أكثر حساسية؟
*أدعو من خلال عملي إلى التأمل والغوص في التفاصيل، أؤمن أن الفن ينعش الذاكرة، ويضيء على مواطن الجمال حتى في الأماكن الأكثر قبحاً أو قسوة.
أحاول أن أجعل المتلقي يرى العالم بعين أكثر حساسية، وأن يكتشف أن الجمال ليس دائماً ظاهراً أو مباشراً، بل يحتاج أحياناً إلى تأمل عميق، وإلى قدرة على الإصغاء للون والضوء والذاكرة.
ختاماً: أن مازن منصور في تجربته الفنية يبحث عن لحظة ضوء لا تتكرر، وعن معنى إنساني يتخفى خلف اللون والحركة.
لوحته لا توثق مشهد، إنما تحاول إعادة اكتشافه، وإضاءة ما فيه من جمال كامن.
وبين التمرد على المألوف والوفاء للإنسان، يواصل بناء عالمه التشكيلي الخاص، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى ذاكرة، واللون إلى لغة، واللوحة إلى مساحة للتأمل والرقي والجمال.

