روائع الفسيفساء البيزنطية في تل البيعة (توتول): قراءة في الزخارف والرموز Byzantine Mosaic Masterpieces of Tell Bi’a (Tuttul): An Iconographic Analysis
تُعد لوحات الفسيفساء المكتشفة في مجمع الدير والكنيسة البيزنطية في تل البيعة (توتول) قرب مدينة الرقة السورية من أبرز الشواهد الفنية والدينية التي تعود للقرن السادس الميلادي. تعكس هذه اللوحات غنى الرمزية المسيحية المشرقية وتطور فن الرصيع بالفسيفساء في حوض الفرات.
شرح اللوحات الثلاث:
اللوحة الأولى (طاووسان ونصوص يونانية): تتوسط اللوحة تقابلٌ متناظر لـ طاووسين يتواجهان، وتحيط بهما مجموعة من الطيور الصغيرة المختلفة. يُعتبر الطاووس في الفن البيزنطي رمزاً للخلود والقيامة والحياة الأبدية. تحتوي اللوحة على كتابات إغريقية (يونانية) بالخط البيزنطي تُخلّد أسماء المتبرعين أو الرهبان وتدعو للرحمة والمغفرة، وتأطرها حواشي هندسية دقيقة.
اللوحة الثانية (سرب الطيور والأشكال المائية): تتميز هذه اللوحة بحقل واسع من المكعبات الفسيفسائية التي تعوض عن المياه أو الطبيعة، حيث تظهر طيور ووزّة أو بطات سابحة بأوضاع مختلفة وألوان متعددة (الأزرق، الأصفر، والأخضر). تحيط باللوحة حاشية هندسية عريضة من الشريط الضفيري (Guilloche) المتداخل. ترمز هذه المشاهد إلى الفردوس ورغد الطبيعة والخلود.
اللوحة الثالثة (شجرة النخلة والغزال): لوحة عمودية الشكل تتضمن شجرة نخلة مثمرة بحملها من التمور، أسفلها غزال (أو غزال يُرعى) يأكل من الأعشاب، وفي الأعلى طائران متقابلان مع كتابة يونانية تدل على اسم المتردّد أو الخادم (ΔΙΑΚΩΝ – الشماس). تُجسّد النخلة في الرمزية المسيحية القديمة “شجرة الحياة”، بينما يرمز الغزال إلى التوق للارتواء الروحي والسكينة. تحيط بالمنظر حواشي هندسية معقدة تعتمد على المتاهات (Meander) والمربعات الزخرفية.
الأهمية التاريخية والأيقونية
تكتسب اللوحة أهمية استثنائية لأنها تجسد استمرار التقليد الفني المشرقي/الفراتي؛ حيث أظهرت الدراسات الأثرية تشابهاً أيقونياً مذهلاً بين ترتيب العناصر في هذه اللوحة البيزنطية (النخلة، الحيوانات المجترة، الطيور) وبين التقاليد الفنية الرافدية القديمة المتمثلة في الآثار الآشورية والعمورية في حوض الفرات.
روائع الفسيفساء البيزنطية في تل البيعة (توتول): قراءة في الزخارف والرموز Byzantine Mosaic Masterpieces of Tell Bi’a (Tuttul): An Iconographic Analysis


