شجيرة الذاكرة والعطر (الحمبلاس)..الآس الذي رافق الإنسان من البرية إلى البستان، ومن طقوس الحياة إلى ذاكرة الرحيل.- إعداد: فريد ظفور.


الحمبلاس… شجيرة الذاكرة والعطر
الآس الذي رافق الإنسان من البرية إلى البستان، ومن طقوس الحياة إلى ذاكرة الرحيل
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تتحول الشجيرة إلى ذاكرة
في عالم النباتات، ثمة أشجار وشجيرات لا تُقاس قيمتها بحجمها، ولا بارتفاعها، ولا بوفرة إنتاجها فحسب، وإنما بما تركته من أثر في ذاكرة الإنسان وثقافته وطقوسه وحياته اليومية.
ومن هذه النباتات تبرز شجيرة الآس، المعروفة في بلاد الشام بأسماء متعددة، من أشهرها الحمبلاس، وهي شجيرة دائمة الخضرة ذات حضور راسخ في البيئات المتوسطية والعربية. أوراقها الخضراء اللامعة، وأزهارها البيضاء الرقيقة، وثمارها الصغيرة، ورائحتها العطرية، جعلت منها نباتاً يجمع بين الجمال والمنفعة والرمزية.
إنها شجيرة تبدو للعين بسيطة، لكنها تختزن حكاية طويلة عن علاقة الإنسان بالطبيعة؛ فقد دخلت البستان، والحديقة، والمطبخ، والعطور، والطب الشعبي، كما دخلت الذاكرة الاجتماعية والطقوس الرمزية.
وحين تقترب مواسم ثمارها، تبدو وكأنها تستعيد موعداً سنوياً مع الإنسان، فتقدم له ثماراً صغيرة داكنة اللون، تحمل في مذاقها شيئاً من البرية، وفي رائحتها شيئاً من الذاكرة.
أولاً: ما هو الحمبلاس؟
الحمبلاس هو الاسم الشعبي المتداول في مناطق من بلاد الشام لنبات الآس، واسمه العلمي:
Myrtus communis L.
وهو من الفصيلة الآسية Myrtaceae، وهي فصيلة نباتية تضم عدداً من النباتات العطرية والمثمرة المهمة.
والآس شجيرة معمرة دائمة الخضرة، تنتشر طبيعياً في مناطق حوض البحر المتوسط، وتتكيف مع البيئات ذات المناخ المعتدل والدافئ، ولذلك نجدها في أجزاء واسعة من جنوب أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا.
وقد يصل الآس، بحسب الظروف البيئية وطريقة نموه، إلى حجم شجيرة كبيرة أو شجرة صغيرة، وله أغصان كثيفة وأوراق جلدية صغيرة نسبياً، خضراء لامعة، تحتوي على زيوت عطرية تمنح النبات رائحته المميزة.
ثانياً: شجيرة بأسماء كثيرة
من المثير للاهتمام أن الآس يحمل أسماء شعبية عديدة في البلدان العربية، وهي ظاهرة تكشف كيف تعاملت المجتمعات المحلية مع النبات بوصفه جزءاً من بيئتها وثقافتها.
في بلاد الشام يُعرف باسم الآس والحمبلاس، بينما ترد له أسماء محلية أخرى في مناطق عربية مختلفة.
وفي بعض مناطق اليمن وجنوب الجزيرة العربية يُعرف باسم الهدس، كما تظهر أسماء شعبية أخرى في البيئات العربية، تختلف باختلاف اللهجات والمناطق.
وفي بعض المصادر التراثية والجغرافية تظهر تسميات مثل الياس والحلموش والهلموش وغيرها.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن تعدد الأسماء الشعبية لا يعني بالضرورة أن جميع الأسماء المذكورة في التراث العربي تشير دائماً إلى النوع النباتي نفسه؛ فالعامية النباتية قد تطلق الاسم ذاته على نباتات مختلفة، أو تستخدم أسماء متقاربة لنباتات من أجناس متباينة.
أما الاسم العلمي Myrtus communis فهو المرجع الأدق عند الحديث العلمي عن الآس.
ثالثاً: نبات يعرفه العطر قبل العين
ربما كانت الرائحة أول ما يلفت الانتباه في الآس.
فعندما تُفرك أوراقه بين الأصابع، تنبعث منها رائحة عطرية واضحة، نتيجة احتوائها على مركبات زيتية طيارة.
وهذه الخاصية جعلت الآس حاضراً في تقاليد استخدام النباتات العطرية، كما جعلته مادة مهمة في بعض تطبيقات الطب الشعبي والعطور والزيوت النباتية.
ولا تقتصر القيمة العطرية على الأوراق وحدها، إذ تحمل أجزاء أخرى من النبات مركبات عطرية مختلفة، وتختلف تراكيب الزيوت العطرية باختلاف الجزء النباتي والبيئة وطريقة الاستخلاص.
ومن هنا يمكن النظر إلى الآس بوصفه واحداً من النباتات التي تجمع بين الجمال البصري والحضور الشمي؛ فهو نبات يمكن للإنسان أن يراه ويشم رائحته ويتذوق ثماره.
رابعاً: أوراق صغيرة… وهوية نباتية واضحة
أوراق الآس صغيرة، متقابلة، بيضوية الشكل، جلدية نسبياً، ولها سطح أخضر لامع.
وهذه الأوراق الكثيفة تمنح الشجيرة مظهراً أخضر طوال العام، ولذلك تصلح أيضاً للزراعة في الحدائق والبساتين بوصفها نباتاً زينة.
وفي التصوير الفوتوغرافي النباتي، تمثل أوراق الآس نموذجاً جميلاً للتصوير التفصيلي؛ فملمس الورقة، انعكاس الضوء على سطحها، وتوزيعها المتقابل على الأغصان يمكن أن تتحول جميعها إلى عناصر تشكيلية في الصورة.
أما أزهاره البيضاء، فتمنح الشجيرة جانباً جمالياً آخر.
خامساً: زهرة بيضاء وسط الأخضر
تظهر أزهار الآس عادة منفردة أو في مواضع متقاربة على الأغصان، وتمتاز بلونها الأبيض ووجود عدد كبير من الأسدية البارزة.
وهذا التركيب يجعل الزهرة لافتة للنظر، خصوصاً عندما تُرى وسط الكتلة الخضراء الكثيفة للأوراق.
والزهور مصدر مهم للرحيق وحبوب اللقاح، ولذلك يمكن أن تستفيد منها الحشرات الملقحة، ومنها النحل.
وهنا يتحول الآس من مجرد شجيرة جميلة إلى عنصر صغير في شبكة الحياة البيئية؛ فالنبات يزهر، والحشرات تزور الأزهار، والتلقيح يؤدي إلى تكوين الثمار، ثم تأتي الكائنات الأخرى لتستفيد من الثمار والبذور.
سادساً: ثمرة صغيرة تحمل طعم البرية
بعد الإزهار تبدأ الثمار بالتشكل.
وثمرة الآس صغيرة، كروية تقريباً، وقد تتحول عند النضج إلى ألوان داكنة مزرقة أو بنفسجية أو سوداء بحسب الصنف والظروف.
وتحمل الثمرة طعماً مميزاً يجمع بين الحلاوة والنكهة العطرية والقليل من القابضية.
وقد عرف الإنسان ثمار الآس منذ عصور قديمة، واستخدمها بطرق مختلفة بحسب البيئة والعادات المحلية.
ومن هنا نجد أن الشجيرة تقدم للإنسان دورة كاملة:
زهرة → تلقيح → ثمرة → بذور → تجدد الحياة.
وهذه الدورة الطبيعية البسيطة تحمل في داخلها فلسفة عميقة عن الاستمرار والتجدد.
سابعاً: من البرية إلى البستان
لم يبق الآس نباتاً برياً بعيداً عن الإنسان.
لقد أدخله الإنسان إلى الحدائق والبساتين وزرعه لأغراض متعددة، منها الزينة والاستفادة من أوراقه العطرية وثمار بعض أشكاله.
وتتميز الشجيرة بقدرتها على تكوين نمو كثيف، ولذلك يمكن استخدامها في بعض البيئات كنبات زينة أو كسياج نباتي.
وقد ساعدت قابلية الآس للزراعة والتشكيل على انتقاله من المشهد البري إلى الحدائق المنزلية والحدائق العامة والبساتين.
وهنا تظهر واحدة من أقدم قصص العلاقة بين الإنسان والنبات:
الإنسان لا يكتفي بجمع النبات من البرية، بل يعيد تشكيل مكانه في الطبيعة.
ثامناً: الآس في الذاكرة والرمزية
من أكثر جوانب الآس إثارة للاهتمام علاقته بالرمزية.
فالنباتات العطرية والخضراء ارتبطت في ثقافات كثيرة بمعاني الطهارة والجمال والاستمرارية والذكرى.
والخضرة الدائمة كانت دائماً رمزاً للحياة والاستمرار، في حين أصبحت الرائحة العطرية جزءاً من طقوس متعددة في مجتمعات مختلفة.
وفي بعض البيئات العربية والشامية، ارتبط الآس بالزينة والمناسبات الاجتماعية والطقوس المرتبطة بالرحيل، حيث استخدمت الأغصان الخضراء والأوراق العطرية في بعض العادات الشعبية.
لكن من المهم التمييز بين الرمزية الشعبية المحلية وبين وجود معنى ديني موحد؛ فالطقوس المرتبطة بالنبات تختلف من مجتمع إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.
تاسعاً: الآس… ذاكرة الرحيل
ربما يكون أكثر ما يمنح الآس بعداً أدبياً هو وجوده في ذاكرة الموت والرحيل في بعض البيئات.
فالإنسان، حين يودع أحباءه، يبحث غالباً عن شيء أخضر، حي، عطري، ليضعه في مواجهة فكرة الفقد.
ومن هنا تظهر المفارقة الجميلة:
الشجيرة التي لا تفقد خضرتها بسهولة، تصبح شاهداً على رحيل الإنسان.
أغصان خضراء توضع، وأوراق عطرية تحمل رائحة الحياة، في لحظة يواجه فيها الإنسان حقيقة الموت.
وهكذا يتحول النبات من مادة طبيعية إلى لغة رمزية.
فالزهرة قد تعني المحبة، والغصن الأخضر قد يعني الاستمرار، والعطر قد يصبح ذاكرة لشخص غائب.
عاشراً: ماذا نستخدم من الآس؟
تُستخدم من الآس، بحسب العادات والتطبيقات، أجزاء مختلفة، أبرزها:
الأوراق.
الثمار.
الأغصان في بعض الاستخدامات الشعبية والزينة.
الزيوت العطرية المستخلصة من أجزاء النبات بطرق مختلفة.
وتحتوي الأوراق والأجزاء العطرية على مركبات طيارة، وقد درست الزيوت الأساسية للآس في الأبحاث النباتية والكيميائية والغذائية.
لكن ينبغي الحذر من تحويل الاستخدامات الشعبية إلى ادعاءات علاجية مؤكدة.
الحادي عشر: الآس والطب الشعبي
دخل الآس في عدد من تقاليد الطب الشعبي في مناطق مختلفة من العالم.
واستخدمت أجزاء منه في وصفات شعبية متعددة، إلا أن الدليل العلمي على الفعالية العلاجية يختلف باختلاف الاستخدام والمستحضر والجرعة.
أما الحديث عن استعمال زيت الآس في التدليك لبعض حالات الشلل، فهو من قبيل الاستخدامات التقليدية التي ينبغي عدم تقديمها كعلاج مثبت للشلل.
فالشلل حالة طبية قد تكون لها أسباب عصبية أو عضلية أو وعائية خطيرة، ولا ينبغي أن يحل الزيت العطري محل التشخيص والعلاج الطبي المتخصص.
كما أن الزيوت العطرية المركزة قد تسبب تهيج الجلد أو الحساسية إذا استخدمت بطريقة غير مناسبة.
ولهذا فإن القاعدة الذهبية هي:
النبات قد يكون ذا قيمة غذائية أو عطرية أو تقليدية، لكن ذلك لا يجعله تلقائياً دواءً.
الثاني عشر: الآس والنحل… علاقة بيئية جميلة
حين يزهر الآس، لا يكون وحده في المشهد.
تأتي الحشرات الملقحة إلى أزهاره، بحثاً عن الرحيق وحبوب اللقاح.
ومن هنا يصبح الآس جزءاً من منظومة بيئية أوسع.
فالنبات يفتح زهوره، والنحل وسائر الملقحات تقوم بدورها، ثم تتشكل الثمار.
وهذه العلاقة يمكن أن تكون موضوعاً رائعاً للتصوير الفوتوغرافي:
زهرة بيضاء + نحلة + ضوء طبيعي + خلفية خضراء = مشهد كامل عن الحياة.
وهنا تلتقي الفوتوغرافيا بالطبيعة؛ فالمصور لا يصور الزهرة فقط، بل يصور العلاقة بين الكائنات.
الثالث عشر: الآس في عين المصور
بالنسبة إلى المصور الفوتوغرافي، الآس ليس مجرد موضوع نباتي.
إنه مختبر صغير للتكوين والضوء واللون والتفاصيل.
يمكن تصويره بعدة أساليب:

  1. التصوير الماكرو
    لتسجيل تفاصيل الزهرة والأسدية والأوراق والثمار.
  2. التصوير البيئي
    لتقديم الشجيرة ضمن موطنها الطبيعي.
  3. التصوير التجريدي
    باستخدام تكرار الأوراق والخطوط والظلال.
  4. التصوير الوثائقي
    لتسجيل علاقته بالإنسان والمزرعة والحديقة والطقوس الشعبية.
  5. التصوير الفوتوغرافي الأدبي
    حيث تصبح الشجيرة رمزاً للذاكرة والرحيل والعودة.
    وقد يستطيع المصور أن يحول شجيرة صغيرة إلى قصة بصرية كاملة، تبدأ من البذرة وتنتهي بالثمرة.
    الرابع عشر: الآس بين الطبيعة والثقافة
    ليست قيمة الآس في خواصه النباتية وحدها.
    فالنبات، عندما يدخل حياة الإنسان، يتحول إلى ثقافة.
    وهذه العملية يمكن تلخيصها في أربع مراحل:
    نبات بري → نبات مزروع → نبات مستخدم → نبات رمزي.
    وهذا ما حدث مع كثير من النباتات التي عرفها الإنسان منذ آلاف السنين.
    فالإنسان لم يرَ في الآس مجرد شجيرة؛ رأى فيه رائحة، وخضرة، وزهرة، وثمرة، وظلاً، وزينة، وذاكرة.
    ومن هنا يمكن فهم سبب بقائه حاضراً في الذاكرة الشعبية حتى اليوم.
    الخامس عشر: هل للحمبلاس أنواع؟
    من الناحية العلمية، الحديث عن الآس الشائع Myrtus communis أدق من تقسيمه شعبياً إلى “بري” و”مواطن” و”مهجن” دون تحديد علمي.
    فالآس له تنوع في الأشكال والصفات، كما توجد أصناف وأشكال زراعية منتخبة، وقد تختلف النباتات في حجم الثمار ولونها وبعض صفاتها تبعاً للوراثة والبيئة والزراعة.
    كما أن النباتات البرية قد تختلف عن النباتات المزروعة من حيث النمو والإنتاج.
    أما التطعيم، فيمكن استخدامه في إكثار بعض النباتات والأصناف، لكن ينبغي عدم تعميم القول بأن كل أشكال الآس المزروعة هي نتيجة تطعيم للآس البري.
    السادس عشر: نبات يحافظ على خضرته
    واحدة من أهم الصفات الجمالية للآس هي كونه دائم الخضرة.
    في عالم يتغير فيه لون الطبيعة مع الفصول، يحتفظ الآس بقدر من الخضرة طوال العام.
    ولهذا اكتسبت النباتات دائمة الخضرة مكانة خاصة في المخيال الإنساني.
    إنها تقول للإنسان، بطريقة نباتية صامتة:
    ليس كل شيء يرحل مع الشتاء.
    وهنا تبدأ اللغة الأدبية.
    فالآس ليس أخضر فقط؛ إنه استعارة للاستمرار.
    السابع عشر: الآس في الموروث القديم
    يعود حضور الآس في ثقافات البحر المتوسط إلى عصور قديمة، وارتبط في بعض الحضارات والآداب القديمة بالحب والجمال والاحتفالات والرمزية.
    وقد ظهر في الموروث اليوناني والروماني بوصفه نباتاً ذا مكانة رمزية، ثم استمرت حضوره الثقافي بأشكال مختلفة في مناطق البحر المتوسط.
    أما نسبة اسم مصري قديم محدد للآس إلى “الخت آوس” فتحتاج إلى توثيق لغوي وأثري متخصص قبل اعتمادها بصيغة جازمة، لأن أسماء النباتات القديمة كثيراً ما تعرضت لاختلافات في النقل والترجمة والتفسير.
    وهنا تأتي أهمية العودة إلى المصادر العلمية واللغوية المتخصصة عند إعداد موسوعة نباتية أو تراثية.
    الثامن عشر: شجيرة صغيرة… وموسوعة كبيرة
    إذا تأملنا الحمبلاس جيداً، نجد أنه يجمع عدداً كبيراً من الحقول المعرفية في نبات واحد:
    علم النبات يدرس تركيبه وتصنيفه.
    علم البيئة يدرس علاقته بالحشرات والموطن الطبيعي.
    علم الزراعة يبحث في إكثاره وزراعته.
    الصيدلة تدرس مركباته النباتية والزيوت العطرية.
    التغذية تهتم بثماره ومكوناتها.
    الأنثروبولوجيا تدرس علاقته بالعادات.
    التاريخ يتتبع حضوره في الحضارات القديمة.
    الأدب يحوله إلى رمز.
    الفن يعيد تشكيله بصرياً.
    والفوتوغرافيا تحفظ لحظته قبل أن تتغير.
    وهكذا يصبح الآس مثالاً حياً على أن النبات يمكن أن يكون في الوقت نفسه علماً وثقافة وذاكرة وفناً.
    التاسع عشر: حين تصبح الشجيرة وثيقة فوتوغرافية
    في زمن تتسارع فيه عمليات التحضر وتتغير فيه البيئات الطبيعية، تصبح صورة النبات وثيقة.
    صورة قديمة لآس بري في قرية، أو شجيرة مزروعة في حديقة بيت قديم، أو ثمرة التقطها طفل من أطراف بستان، يمكن أن تصبح بعد سنوات وثيقة عن المكان والزمن.
    وهنا تتجاوز الفوتوغرافيا جماليات الصورة.
    فالمصور لا يوثق شكل الشجيرة فقط، بل يوثق:
    المكان، والموسم، والإنسان، والذاكرة، والعلاقة بين المجتمع والطبيعة.
    وهذه هي إحدى الوظائف المهمة للتصوير الفوتوغرافي الوثائقي.
    عشرون: الآس… بين عدسة الكاميرا وذاكرة الإنسان
    ربما أجمل طريقة لرؤية الحمبلاس ليست أن نسأل فقط:
    ماذا تفيدنا هذه الشجيرة؟
    بل أن نسأل:
    ماذا تقول لنا؟
    إنها تقول إن الطبيعة لا تحتاج دائماً إلى أشجار عملاقة كي تصنع أثراً عميقاً.
    قد تكون شجيرة صغيرة، بأوراق صغيرة وزهرة بيضاء وثمرة صغيرة، لكنها تحمل تاريخاً طويلاً من العلاقة بين الإنسان والأرض.
    وقد تكون رائحتها كافية لكي تستعيد ذاكرة مكان.
    وقد تكون أغصانها شاهدة على مناسبة.
    وقد تصبح صورتها بعد عقود وثيقة عن قرية أو بستان أو إنسان رحل.
    خاتمة: شجرة صغيرة بحجم الذاكرة
    الحمبلاس، أو الآس، ليس مجرد شجيرة دائمة الخضرة تنمو في البرية والبساتين.
    إنه نبات يقع عند تقاطع الطبيعة والثقافة والذاكرة.
    من زهوره البيضاء التي تجذب الملقحات، إلى أوراقه العطرية، ومن ثماره الصغيرة إلى حضوره في الحدائق والموروث الشعبي، يقدم الآس نموذجاً بديعاً لكيف يمكن لنبات واحد أن يدخل تفاصيل الحياة الإنسانية.
    وحين يأتي موسمه، لا تأتي الثمار وحدها؛ تأتي معها رائحة البرية، وذاكرة البساتين، ودفء القرى، وصور قديمة تختزنها العين قبل الكاميرا.
    وفي عالم تتغير فيه الأشياء بسرعة، تبقى بعض النباتات كأنها علامات زمنية خضراء؛ كلما مررنا بها تذكّرنا أن للطبيعة ذاكرتها أيضاً.
    وربما لهذا السبب يستحق الحمبلاس أن يُرى بعين مختلفة:
    لا كـ”شجيرة” فحسب، بل كصفحة خضراء من كتاب الطبيعة، وكائن صغير يحمل في أوراقه وثماره وأزهاره شيئاً من تاريخ الإنسان.
    إعداد: فريد ظفور
    مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم