ما هي التربة التكريتيّة في روايات المؤرّخين.وتَقَعُ تماماً مقابل دار الحديث الأشرفيّة التي تتوسّط الأتابكيّة والمرشديّة.

التربة التكريتيّة في روايات المؤرّخين

تطلُّ التربةُ التكريتيّة على شارع المدارس من طَرَفِهِ الشمالي، وتَقَعُ تماماً مقابل دار الحديث الأشرفيّة التي تتوسّط الأتابكيّة والمرشديّة. ليس في التكريتيّة نقوش كتابيّة عن هويّتِها، وبالتالي آلت هذه المهمّة إلى الكتابات التاريخيّة التي حدَّدَت الموقع بدقّة ولكنّها تركت عدداً من إشارات الاستفهام عن المدفون فيها. يكمنُ الإشكالُ هنا في أسلوب التأريخ في القرون الوسطى الذي كثيراً ما اكتفى بالنقل والإسناد والتكرار دون أي محاولة جديّة لتحليل المعطيات وتحقيقها لرسم صورة معقولة لما حَدَثَ فعلاً. فيما يلي اقتباس لعددٍ من النصوص التاريخيّة المتعلّقة بالتربة التكريتيّة:

  • النعيمي (١): “قال الذهبي في العبر في سنة ثمان وتسعين وستمائة … الصاحب الكبير أبو البقاء توبة بن علي بن مهاجر التكريتي، توفّي في جمادى الآخرة ودُفِنَ بتربته بسفح قاسيون، … عاش ثماني وسبعين سنة وكان مولِدُهُ بعرفة انتهى. وقال الصفدي في كتابِهِ الوافي بالوفيّات في المحمدين: محمّد ابن علي بن مهاجر الصاحب كمال الدين أبو الكرم الموصلي قَدِمَ دمشق وسكَنَها وسَمِعَ وروى. قال نجم الدين ابن السابق سَكَنَ في دار ابن البانياسي وشرع في الصدقات وشراء الأملاك لوقْفِها … فلما أصبح بَعَثَ إليه الأشرف جرزة بنفسج وقال: هذه بركة السنة، فأخذها وشمّها فكانت القاضية فأصبح ميتاً فورثه السلطان، وأعطوا من تركَتِهِ ألف درهم فاشتروا له تربةً في سوق الصالحية. قال الشيخ شمس الدين: فلما كان بعد ذلك، بنى الصاحب تقّي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي في حيطان التربة خمس دكاكين وادّعى أنه ابن عمِّهِ. قال أبو المظفّر بن الجوزي: بلغ قيمة ما خلف الصاحب كمال الدين التكريتي ثلاثمائة ألف دينار وأراني الأشرف مسبحةً فيها مائة حبة مثل بيض الحمام يعني من التركة، وكانت وفاتُهُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في سنة أربع وثلاثين وستمائة انتهى.”
  • ابن طولون (٢): كرّرَ نصّ النعيمي كما هو.
  • بدران (٣): نَقَلَ عن النعيمي مع بعض الاختزال.
    نصّ النعيمي مشوّشٌ إلى درجةٍ لابأسَ بها، لدينا من جهة محمّد بن علي بن مهاجر الصاحب كمال الدين الذي سمّمَهُ السلطان الأشرف حسب زَعْم الراوي ومات عام ٦٣٤ (١٢٣٧ للميلاد)، ومن جهةٍ ثانية “ابن عمّهُ” تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي وفيّات جمادى الآخرة ٦٩٨ (١٢٩٩ للميلاد).
    استخلصَ Herzfeld (عام ١٩٤٦) من هذه المعطيات النتائج الآتية:
  • دُفِنَ شخصان بكنية “ابن المهاجر” في التربة التكريتيّة: الأوّل في العهد الأيّوبي وهو الوزير كمال الدين مات عام ٦٣٤ (الموافق ١٢٣٧) وتتضارب الروايات المتعلّقة بكيفيّة وفاته بين حدوثها أثناء تأدية فرض الصلاة وبين قيام الملك الأشرف بتسميمه، والثاني في زمن المماليك وهو تقيّ الدين الذي مات ١٢٩٩ للميلاد عن عمر ٧٨ سنة بعد أن تقلّبَ بين منصب الوزير والسجن كما كان مألوفاً وقتها.
  • السلطان المذكور، سواءً سمّمهُ التكريتي أم لا، هو الأشرف موسى. والضحيّة على الأرجح كمال الدين إذ يصعب تقبّل فكرة اغتيال شخص عمره ٧٨ سنة.
  • ابن الجوزي من وفيّات ١٢٥٦ للميلاد، وهذا يستقيم مع تاريخ وفاة كمال الدين.
  • كمال الدين دُفِنَ في تربةٍ “اشتروها له”، ولم تُبْنَ خصّيصاً لأجْلِهِ. لِمَن بُنِيَت إذاً؟
  • لا يُعْقَل أن يكون الأوّل ابن عمّ الثاني نظراً لفارق زمني بَلَغَ ستّين عاماً ونيّف بين وفاتِهِما.

أضافَ الصقّاعي (٤) أنّ التربة احترقت إبّان احتلال المغول دمشق عام ١٢٩٩؛ الإشارة طبعاً إلى قازان أو غازان.

الصورة المُلْحَقَة عن Oppenheim من نهاية القرن التاسع عشر، تظهر فيها بوّابة التربة التكريتيّة على يمين الناظر ودار الحديث الأشرفيّة البرّانيّة على اليسار. المئذنة في العمق للمدرسة المرشديّة. المنظور من الشرق إلى الغرب.

١. الدارس في تاريخ المدارس، الجزء الثاني صفحة ١٨٥.
٢. القلائد الجوهريّة صفحة ٣١٣.
٣. منادمة الأطلال صفحة ٣٢٩.
٤. Sauvaire صفحة ٢٧٨.

Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture III. Ars Islamica
XI-XII 1946 (p. 1-71)

أخر المقالات

منكم وإليكم