
شاعرة الضوء سهير صابور.. بين البحر والجبل…تكتب مجد سورية بالصور..
– بقلم: فريد ظفور
في البدء كانت الكلمة بالمقدمة:
يبرز التصوير الفوتوغرافي بوصفه أحد أكثر الفنون قدرة على مقاومة النسيان،في زمن تتسارع فيه موجة مواقع التواصل الإجتماعي والتطورات و التحولات وتغيب الكثير من ملامح المكان تحت وطأة الزمن . فالصورة ليست مجرد لحظة مجمدة، بل وثيقة جمالية وإنسانية تحفظ الذاكرة وتعيد إنتاجها للأجيال القادمة. ومن بين التجارب السورية التي كرست هذا المفهوم، تبرز تجربة المصورة سهير صابور، التي جعلت من عدستها مشروعاً ثقافياً وفنياً لتوثيق جمال الطبيعة السورية، وعراقة تراثها، وثراء عمارتها التقليدية، لتصبح واحدة من أبرز الأسماء التي استطاعت أن تمنح الصورة بعداً يتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الإبداع.
ليست الصورة الفوتوغرافية مجرد انعكاسٍ للضوء على سطحٍ حساس، بل هي سيرةٌ مكتوبة بلغة الصمت، تخطّها المصورة بعد سنواتٍ طويلة من التأمل والتعب، حتى أصبحت الكاميرا امتدادًا لعينها، وغدى الضوء جزءًا من روحها.
ومن بين الأسماء التي تركت بصمتها في المشهد الفوتوغرافي السوري، تبرز المصورة سهير صابور بوصفها تجربةً إنسانية وفنية صنعتها الأيام قبل أن تصنعها الكاميرا. فكل صورة التقطتها تحمل شيئًا من رحلاتها في السهل والجبل والبحر والنهر وبين أوابد التاريخ والحضارات في بلاد الشام، وكذلك كل إطار يروي حكاية امرأة آمنت بأن الفن لا يولد من المصادفة، وإنما من الصبر والعمل والإصرار.
فالنجاح، كما تؤمن سهير، لا يأتي دفعةً واحدة، بل ينمو كما تنمو الشجرة؛ تبدأ بذرةً صغيرة في أعماق الأرض، ثم تسقيها الأيام بالتجربة، ويغذيها الشغف والعشق، حتى تمتد أغصانها نحو الضوء. وما الصورة الجميلة إلا ثمرةٌ نضجت بعد سنوات من التعلم والمراقبة، وإكتشاف أسرار اللون والظل، والإنسان والمكان.
وربما تشبه رحلتها الفوتوغرافية رحلة الفلاح الذي يخرج مع بشائر الفجر، لا يملّ من حراثة الأرض، لأنه يعرف أن الحصاد لا يأتي إلا لمن يزرع. وكذلك المصور الحقيقي؛ يغرس وقته في تفاصيل الحياة، ويمنحها صبره، حتى يعود بصورةٍ تحمل نبض الزمن، وتحفظ للأمكنة ذاكرتها.
بيد أن رحلتها مع الفن لم تكن معبّدةً بالورود، فكل تجربة أصيلة لا بد أن تمر بمحطاتٍ من التعب والانتظار والتحديات. غير أن الإيمان عندها بالرسالة الفنية كان دائمًا أقوى من العثرات، حيث واصلت المسير بثقة، مؤمنةً بأن العدسة ليست أداةً لتسجيل الواقع فحسب، بل وسيلةٌ لاكتشاف الجمال الكامن فيه.
لقد أدركت صابور أن الثقافة رفيقة الفنانة، وأن العين لا ترى وحدها، بل ترى بما يختزنه العقل من معرفة، وما يحمله القلب من إحساس. لذلك ظلّت القراءة والثقافة الذاتية، والانفتاح على الآخرين وعلى الفنون، ومتابعة الاخبار و التجارب المحلية و العالمية، جزءًا من رحلتها الإبداعية، لأن الصورة العظيمة تبدأ دائمًا بفكرةٍ عظيمة.
وحين نتأمل أعمالها، ندرك أن الضوء عندها ليس عنصرًا تقنيًا فحسب، بل لغةٌ كاملة. وأن الظل ليس غيابًا للنور، وإنما حضورٌ للمعنى ،للون،للفكرة،للتكوين والتشكيل الفني. وأن الإنسان، في صورها، ليس مجرد موضوع للتصوير، بل حكايةٌ تستحق أن تُروى، وذاكرةٌ ينبغي أن تُصان.
إن الفن الحقيقي لا يقاس بعدد الصور، بل بقدرتها على البقاء في الذاكرة. وهذا ما حققته سهير صابور عبر مسيرتها؛ إذ استطاعت أن تمنح الصورة فلسفة بصرية و بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود (الزمكان) المكان والزمان، وأن تجعل من عدستها نافذةً تطل منها الروح على العالم.
ولعل أجمل ما في التجارب الفنية الصادقة أنها تشبه الأعوام الجديدة؛ تحمل دائمًا بشائر النور ،ووعدًا بالأمل، وتفتح بابًا لحلمٍ جديد، وتؤكد أن الإبداع لا يعرف نهاية، وأن الفنان الحقيقي يظل يتعلم ما دام يرى في الضوء بدايةً جديدة لكل صورة.
سهير صابور ليست مجرد مصورة توثق اللحظة، بل فنانة تؤمن بأن الصورة حياةٌ أخرى، وأن الجمال فلسفة الألوان الطيفية السبعة وتدرجات الرمادي الأحادي بين الابيض والأسود، وايضا رسالة، وأن كل لقطة ناجحة هي ثمرة سنواتٍ من الشغف والصبر والإخلاص للفن.
فالفن، كما الحياة، لا يمنح أجمل ثماره إلا لمن عرف معنى الإنتظار، وآمن بأن النور يولد دائمًا بعد رحلةٍ طويلة مع الظل.
سهير صابور… حين تصبح الصورة مرآةً للذاكرة السورية:
نقدم قراءة في التجربة الفوتوغرافية بين جماليات الضوء وسؤال المكان..
“الفوتوغرافيا عندها ليست ما تراه العين، بل ما يبقى في الذاكرة بعد أن يغيب المشهد.”
ليس من السهل أن تتحول الصورة الفوتوغرافية من وسيط بصري عابر إلى خطاب ثقافي يمتلك القدرة على مساءلة الزمن، واستحضار المكان، وإعادة بناء الذاكرة. فبين الصورة بوصفها وثيقة، والصورة بوصفها عملاً فنياً، مساحة دقيقة لا يعبرها إلا أولئك الذين يدركون أن الضوء ليس مجرد عنصر تقني، وإنما لغة كاملة لها نحوها وبلاغتها وشعريتها.
ضمن هذا الأفق يمكننا قراءة تجربة المصورة السورية سهير صابور؛ فهي لا تنتمي إلى ذلك النمط من المصورين الذين يلاحقون المشهد بحثاً عن لقطة جميلة فحسب، بل إلى جيل من الفنانين الذين تعاملوا مع التصوير بوصفه فعلاً ثقافياً، ومسؤولية جمالية، وأرشفةً وجدانية لذاكرة المكان في الساحل السوري وغيره.
فمنذ بداياتها، لم تكن الكاميرا بالنسبة إليها أداة تسجيل بقدر ما كانت وسيلة لإكتشاف العالم. وربما لهذا السبب لم تستسلم عدستها لإغراء المشاهد الصاخبة أو اللقطات الاستعراضية، بل اختارت الطريق الأصعب؛ طريق الإصغاء إلى التفاصيل الصغيرة، إلى الحجر الذي حمل قروناً من التاريخ في مملكة اوغاريت، وإلى الشجرة التي تعرف أسرار الفصول، وإلى البحر الذي يكتب كل صباح بامواجه قصيدة جديدة على شواطئ ساحل البحر المتوسط السوري.
ولدت سهير صابور في مدينة حماة عام 1962م، لكنها وجدت في اللاذقية فضاءها البصري الأكثر رحابة. وبين المدينتين تشكلت علاقتها الأولى بالمكان، علاقة غذّتها بيئة أسرية مهتمة بالثقافة والفنون، قبل أن تمنحها كاميرا روسية من طراز Zenit في سنوات الدراسة الأولى مفتاح الدخول إلى عالم الصورة، ذلك العالم الذي ظل ينمو بصمت حتى تحول، بعد عقود من العمل في تدريس اللغة الإنكليزية، إلى مشروع فني متكامل انطلق بصورة احترافية عام 2014م.
ولعل الخلفية الأدبية التي اكتسبتها من دراستها للأدب الإنكليزي ليست تفصيلاً عابراً في تجربتها؛ إذ تبدو صورها وكأنها نصوص بصرية تكتب بالمجاز مثلما تكتب بالعدسة. فهي لا تبحث عن المشهد المكتمل، بل عن الإيقاع الكامن داخله، وعن العلاقة الخفية بين الضوء والظل، والتدرجات الرمادية واللونية وبين الفراغ والكتلة، وبين الصمت الذي يحيط بالأماكن والذاكرة التي تسكنها.
إن المتأمل في أعمالها يلاحظ أن الطبيعة ليست موضوعاً خارجياً، بل كائن حي يتحاور مع الإنسان. الجبال في صورها لا تؤدي وظيفة الخلفية، بل تتحول إلى شخصية سردية، والأشجار ليست عناصر تشكيلية، وإنما علامات زمنية، فيما يبدو البحر امتداداً لأسئلة الإنسان أكثر من كونه مساحة زرقاء تحتل الأفق.
ومن هنا يمكن القول إن مشروع سهير صابور ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ «جماليات المكان»؛ حيث لا يُنظر إلى المكان باعتباره إطاراً للأحداث، بل بوصفه بطلاً للصورة. لذلك جاءت أعمالها أشبه بسيرة بصرية للطبيعة السورية، وخصوصاً بيئة الساحل بما تحمله من تنوع تضاريسي وإنساني وثقافي.
غير أن خصوصية هذه التجربة لا تكمن في تصوير الطبيعة وحدها، وإنما في إعادة اكتشاف التراث السوري بوصفه ذاكرة حيّة. فالبيوت القديمة، والكنائس والمساجد ودور العبادة والأزقة الحجرية، والقلاع، والنوافذ، والأبواب العتيقة، لا تظهر في صورها بوصفها بقايا معمارية، وإنما بوصفها نصوصاً مفتوحة على التاريخ. إنها لا تصور الحجر، بل ما اختزنه من حكايات البشر.
وفي أعمالها الخاصة بالأبيض والأسود تبلغ التجربة ذروة نضجها الفني؛ إذ تتخلى الصورة عن غواية اللون لتكشف بنيتها الداخلية. هنا يصبح الضوء بطلاً مطلقاً، وتتحول الظلال إلى مفردات لغوية، بينما تتجسد الكتل والخطوط والإيقاعات الهندسية في بناء بصري شديد الاقتصاد، لكنه غني بالدلالات. وليس من قبيل المصادفة أن تحصد في هذا المحور عدداً من الجوائز والتكريمات؛ لأن الأبيض والأسود، في تجربتها، ليس خياراً جمالياً فحسب، بل موقفاً فنياً يعيد الأشياء إلى جوهرها الأول.
أما في تجربتها التجريدية، فإنها تنقل المتلقي من قراءة الأشياء إلى قراءة العلاقات بينها. فتغدو الانعكاسات، والملامس، والخطوط، والظلال، موضوعاً مستقلاً للصورة، وكأن الفنانة تدعو المشاهد إلى تجاوز ما يراه مباشرة، بل للبحث عن الجانب المعنوي وعن التراث اللامادي وكذلك البحث عن المعنى المختبئ خلف المرئي.
ولعل أكثر ما يلفت في تجربة سهير صابور أنها لم تكتفِ بإنتاج الصورة، بل أسهمت في صناعة بيئة فوتوغرافية سورية نشطة. فمن خلال تأسيسها وإدارتها لعدد من التجمعات والملتقيات والصفحات المتخصصة، وقيادتها رحلات تصوير ميدانية، ودعمها للمواهب الشابة، انتقلت من دور الفنانة الفرد إلى دور الفاعل الثقافي الذي يؤمن بأن الفن لا يكتمل إلا بالمشاركة، وأن الخبرة تزداد قيمة حين تتحول إلى معرفة متاحة للآخرين.
وقد انعكس هذا الحضور في مشاركاتها العربية والدولية، وفي المعارض التي ضمت أعمالها، كما تجسد في الجوائز والأوسمة التي نالتها، وفي اختيار صورها لتتصدر أغلفة مجلات ومواقع ومنشورات ثقافية، فضلاً عن الاهتمام الإعلامي الذي حظيت به تجربتها بوصفها واحدة من الأصوات البصرية النسائية التي أسهمت في توثيق جمال الساحل السوري وثرائه الحضاري.
لكن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تُقاس بعدد المعارض أو الجوائز، بل بما تتركه الصور من أثر في وعي المتلقي. فالفن، في نهاية المطاف، لا يعيش بالشهادات، وإنما بقدرته على البقاء في الذاكرة، وعلى إعادة تشكيل علاقتنا بالعالم.
إن تجربة سهير صابور تذكرنا بأن الفوتوغرافيا ليست فناً للعين وحدها، بل فن للزمن أيضاً. فالعدسة هنا لا توقف اللحظة، بل تنقذها من الفناء؛ ولا تكتفي بتسجيل الواقع، بل تمنحه حياة أخرى أكثر عمقاً وأكثر شاعرية.
ولذلك يمكن النظر إلى مشروعها بوصفه واحداً من المشاريع البصرية السورية التي جمعت بين الحس الجمالي والوعي التوثيقي، وبين الرؤية الفنية والالتزام الثقافي، لتؤكد أن الصورة، حين تقع بين يدي فنان حقيقي، تتحول إلى وثيقة حضارية، وإلى قصيدة من الضوء، وإلى ذاكرة لا يطالها النسيان.
وفي زمن تتعرض فيه الأمكنة لتبدلات متسارعة، تبدو أعمالها أشبه بأرشيف بصري مفتوح للأجيال المقبلة؛ أرشيف لا يحفظ شكل المكان فحسب، بل يحفظ روحه أيضاً. وهذا، في جوهره، هو الدور الأسمى للفن: أن يمنح الزمن فرصة ثانية للبقاء، وأن يجعل الجمال أكثر قدرة على مقاومة النسيان.
*فيلسوفة الضوء ام شاعرة الضوء التي تنحت بالذاكرة:
لا تتعامل سهير مع التصوير باعتباره ممارسة تقنية فحسب، بل تنظر إليه بوصفه لغة بصرية قادرة على سرد الحكايات. لذلك جاءت أعمالها مزيجاً بين الحس الوثائقي للتراث المادي واللامادي والرؤية الفنية، حيث تحافظ الصورة على مصداقيتها التاريخية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقدرتها على إثارة التأمل والانفعال.
حيث تنوعت اهتماماتها بين تصوير الطبيعة، والمناظر الطبيعية، والتراث العمراني، والآثار السورية، إضافة إلى التصوير التجريدي، والتصوير بالأبيض والأسود، وتوثيق البيئة البحرية والساحلية. ويبدو هذا التنوع امتداداً لرغبتها الدائمة في استكشاف الجمال بأشكاله المختلفة، سواء في اتساع المشهد الطبيعي أو في أصغر تفاصيل الحجر القديم.
*حضور ثقافي عالمي يتجاوز حدود الصورة:
لم تقتصر مساهمة سهير صابور على إنتاج الصور، بل امتدت إلى بناء بيئة داعمة للحركة الفوتوغرافية السورية. فمنذ عام 2016م. أسست وأشرفت على تجمعات تصوير فوتوغرافي، وقادت العديد من الرحلات الميدانية الهادفة إلى توثيق الطبيعة والتراث السوري.
كما أدارت عدداً من الصفحات والمجموعات الفنية العربية والدولية، من بينها “Peaks and Valleys”، و”Diaporama”، و”عشاق الضوء” الذي أصبح لاحقاً “أصدقاء الضوء”، و”لغة التصوير السورية”، إضافة إلى تأسيس صفحة “ضوء الناشئين” التي هدفت إلى اكتشاف المواهب الفوتوغرافية الشابة وتشجيعها.
ويعكس هذا النشاط إيمانها بأن الصورة رسالة جماعية، وأن نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة لا يقل أهمية عن إنتاج الأعمال الفنية نفسها.
*معارض وجوائز تؤكد التألق:
شاركت سهير صابور في العديد من المعارض الجماعية داخل سورية وخارجها، وكان من أبرزها المعرض الفوتوغرافي الأول، ومعرض “Candelabra” في اللاذقية عام 2017م، إضافة إلى مشاركات عربية ودولية متعددة، من بينها مشاركتها في الحدث العالمي “2nd World of Photographers 2017” ضمن نخبة من المصورين السوريين.
وحصدت خلال مسيرتها عدداً كبيراً من الجوائز وشهادات التقدير، من أبرزها وسام الإبداع من الأكاديمية الأمريكية الدولية للتعليم العالي والتدريب في محور التصوير بالأبيض والأسود، ودرع التميز في تصوير المرأة، والجائزة الأولى في ورشة “الأبواب والشبابيك”، والمركز الثاني في محور التجريد ضمن ملتقى أطلانتس الدولي، فضلاً عن شهادات تكريم ودكتوراه فخرية تقديراً لإسهاماتها الفنية.
*الصورة حين تصبح سفيرة للمكان:
وصلت أعمال سهير صابور إلى جمهور واسع عبر المجلات والمنصات الرقمية الفوتوغرافية المحلية والعربية والعالمية، واختيرت بعض صورها لتزين أغلفة مجلات متخصصة، من بينها مجلة “البنفسج”، كما شاركت في مشاريع تحريرية وفنية متنوعة.
وحظيت تجربتها باهتمام إعلامي لافت، فأجرت لقاءات تلفزيونية وصحفية عدة، وكان من أبرزها الحوار الذي نشرته وكالة الأنباء العربية السورية (سانا) تحت عنوان: “سهير صابور… عدسة تؤرشف جمال الساحل السوري”، وهو عنوان يلخص إلى حد بعيد جوهر مشروعها الفني.
*بين التعليم والإبداع:
تجمع سهير صابور بين شخصيتين تبدوان متباعدتين ظاهرياً؛ فهي معلمة كرست سنوات طويلة من عمرها لبناء الإنسان عبر التعليم، وفنانة كرست عدستها لبناء ذاكرة بصرية تحفظ جمال المكان. وفي الحالتين ظل الإيمان بالمعرفة والجمال هو الرابط المشترك بين رسالتها التربوية ورسالتها الفنية.
لقد استطاعت أن تجعل من التصوير وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية، وأن تقدم صورة مختلفة عن سورية، صورة تحتفي بالحياة والطبيعة والإنسان، وتكشف عن كنوز معمارية وتاريخية تستحق أن تبقى حاضرة في الوعي الجمعي.
*بين حماة واللاذقية… رحلة الضوء الأولى بدأت بشغف الطفولة:
في مدينة حماة الوادعة، حيث تغتسل النواعير بالماء وتشدو الحجارة بأغاني التاريخ، ولدت سهير موريس صابور عام 1962م. ولم تكن تعلم حينها أن قدرها ستكون ممسكةً بكاميرا، تُعيد تشكيل العالم من حولها عبر عدسةٍ تمزج بين الحس الأدبي والرؤية التكوينية و التشكيلية. نشأت في أسرةٍ تتنفس ثقافةً وفناً، فكانت البذرة التي ستنمو لتصبح واحدة من أبرز الأصوات الفوتوغرافية في سورية المعاصرة.
لم تكن البداية اعتباطية؛ ففي مراحل دراستها الإعدادية، وقفت للمرة الأولى خلف كاميرا “زينيت Zenit ” الروسية، تلك الآلة الصامتة التي حملت في طياتها وعداً بمستقبلٍ بصري.كانت الشرارة الأولى لعلاقة طويلة مع الضوء والصورة، علاقة لم تتوقف عن النمو حتى تحولت إلى مشروع إبداعي متكامل. كانت تلك اللحظة نقطة تحولٍ حقيقية، حيث تفتحت عيناها على عالمٍ لا يُرى إلا بالصبر والانتظار، عالمٍ من الظل والنور، من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الدهشة.
غير أن شغفها الحقيقي بالفن ولد في سنوات الطفولة داخل أسرة أولت الثقافة والفنون اهتماماً كبيراً.
*من الهواية إلى مشروع بصري:
رغم ارتباطها المبكر بالتصوير، حين قررت أن تمنح هذا الشغف مساحة أكبر في حياتها. ومنذ ذلك الوقت، أخذت تبني مشروعها الفني القائم على توثيق الهوية البصرية السورية، مستفيدة من حسها الجمالي وخبرتها الثقافية في قراءة المكان.
تنقلت عدستها بين الغابات والجبال والأنهار والسواحل، كما أولت اهتماماً خاصاً بالبشر والحجر والشجر وبالقلاع الأثرية، والمساجد والكنائس والمدن القديمة، والقرى التراثية المنسية، والبيوت التقليدية التي تختزن ذاكرة المجتمع السوري. ولم يكن هدفها تسجيل المشهد كما هو، بل إعادة اكتشافه بصرياً، عبر معالجة الضوء والظل، والبحث عن التفاصيل التي تمنح الصورة بعدها الإنساني والجمالي.
*ثنائية الرؤية بين الأدب والعدسة:
انتهجت سهير طريقاً مزدوجاً، فدرست الأدب الإنكليزي في جامعة تشرين باللاذقية، وتخرّجت عام 1985م، لتقضي أكثر من ثلاثة عقود في مهنة التدريس. لكن الروح الفنية كانت تبحث عن متنفّس، فوجدت في التصوير الفوتوغرافي مساحتها الخاصة التي لا تعترف بحدود الزمان أو المكان.
ثم انطلقت احترافياً عام 2014م، لتكرس عدستها لرحلة توثيقية شاملة، لا تقتصر على جماليات الطبيعة الساحلية، بل تمتد إلى أعماق التراث والعمارة التقليدية. هي ليست مجرد مصورة، بل حارسة للذاكرة البصرية، تنحت بالضوء على جدران القلاع والأسواق القديمة، وتُعيد إحياء الحكايات التي كادت أن تُنسى.
*رحلة في عوالم الصورة:
في أعمال صابور، يتجلى التنوع بوصفه سمةً أسلوبيةً مميزة. فهي تجيد تصوير الطبيعة بأبعادها الشاعرية، وتقف مبهورة أمام مناظر الساحل السوري حيث يلتقي الجبل بالنهر و بالبحر في تناغمٍ أخّاذ. كما تأسرها القلاع والحصون الأثرية، فتلتقطها بزوايا تبرز عظمتها وتكشف عن صمودها التاريخي.
لا تغفل عدستها عن تفاصيل البيوت القديمة، تلك الأبواب الخشبية المزخرفة والنوافذ المقوسة التي تحكي عن عصورٍ مضت. وفي فضاء التصوير التجريدي، تجد سهير متنفساً آخر، حيث تتحول الأشكال إلى لوحاتٍ سريالية تنبض بالحركة والإحساس. ولا تخلو محفظتها الفنية من صور الأبيض والأسود، التي تمنح الواقع عمقاً درامياً وملمساً روحانياً.
*توثيق الهوية… مشروع وجودي:
ما يميز تجربة سهير صابور هو إدراكها العميق لدور المصور كحافظٍ للهوية. في زمنٍ غيرت فيه الظروف ملامح سورية، اتخذت من التوثيق البصري مهمةً إنسانيةً ووطنية. قادت رحلات تصويرية ميدانية، ونظّمت تجمعاتٍ فنية، وأسست صفحات ومجموعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “عشاق الضوء” و”لغة التصوير السورية”، ولم تكتفِ بالعطاء الفردي، بل آمنت بضرورة نقل الخبرة، فأسست صفحة “ضوء الناشئين” التي خصصتها لدعم المواهب الفوتوغرافية الشابة، مانحةً إياهم فرصة النمو تحت مظلة تجربةٍ غنيةٍ تمتد لسنوات.وبذلك تحولت إلى منصات حاضنة للمواهب الشبابة من الجنسين ومن عشاق الفوتوغرافيا.
*حضور عالمي واعترافات محلية:
لم تمر أعمال سهير صابور دون أن تترك بصمتها في المحافل الدولية. ففي عام 2017، كانت ضمن نخبة المصورين السوريين المشاركين في العرض الدولي “2nd World of Photographers”، إضافةً إلى معارض جماعية في اللاذقية، كمعرض “Candelabra” ومعرض “الشمعدان الفني”، التي شكلت محطات بارزة في مسيرتها.
وحصدت العديد من الجوائز والتكريمات، من وسام الإبداع من الأكاديمية الأمريكية الدولية للتعليم العالي، إلى درع التميز في تصوير المرأة، والمركز الثاني في محور التجريد ضمن ملتقى أطلانتس الدولي. كما نالت شهادة دكتوراه فخرية تقديراً لإنجازها الفني المستمر، وهكذا دواليك لتترسخ مكانتها كإحدى الشخصيات المؤثرة في المشهد الثقافي البصري السوري.
كما اختيرت صورها لتزيين أغلفة مجلات ومنشورات محلية ودولية، فكان غلاف مجلة “البنفسج” واحداً من تلك المحطات التي جعلت من عدستها نافذةً على جماليات سورية.
*إعلامٌ يحتفي وتلفزيونٌ يروي:
حظيت سهير صابور باهتمام إعلامي لافت، فاستضافها التلفزيون السوري المحلي في اللاذقية عام 2018م، ويكرّمها المخرج السوري إلياس الحاج برعاية لقاءات فنية سلطت الضوء على تجربتها. كما أجرت وكالة الأنباء العربية السورية “سانا” لقاءً مطولاً معها تحت عنوان: “سهير صابور… عدسة تؤرشف جمال الساحل السوري”، ليكون ذلك شهادةً إعلامية على قيمة ما تقدمه من عمل توثيقي وإبداعي.
* وخاتمها مسك وعنبر:
تمثل تجربة سهير صابور نموذجاً للفنانة التي تدرك بأن الصورة ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها. فمن خلال آلاف اللقطات التي وثقت الطبيعة والبحر والآثار والقرى القديمة، أسهمت في بناء أرشيف بصري يحمل قيمة فنية ووطنية في آن واحد. وبين حساسية الفنان، ودقة الموثق، وشغف الباحث عن الجمال، تواصل كتابة سيرتها بعدسة تعرف جيداً كيف تجعل الضوء شاهداً على التاريخ، وكيف تحول اللحظة العابرة إلى ذاكرة خالدة.وحين تصبح العدسة صوتاً..في زمن تتزاحم فيه الصور وتتلاشى الذاكرة، تظل سهير وفيةً لرسالتها: أن تكون مرآةً تعكس جمال ما تبقى، وسنداً لما يوشك على الاندثار. هي ليست مصورةً فقط، بل شاعرة وراويةٌ بالضوء، تحول التفاصيل الصغيرة إلى حكاياتٍ كبرى، وتجعل من كل إطار لوحةً تحمل روح المكان وتاريخه.
ومع ماينيف عن خمسة وثلاثين عاماً في التدريس، وما يقارب العقد من الاحتراف الفوتوغرافي، تمكنت الفنانة سهير من نسج علاقة عضوية بين الكلمة والصورة، بين الأدب والعدسة. لتظل أعمالها شاهداً على أن الفن قادرٌ على تجاوز كل الظروف، وأن الجمال، مهما كانت قسوة الزمن، يجد دائماً من يلتقطه ويخلّده.
– بقلم : فريد ظفور
2026-7-13م
***&**
معرض الصور:




















































