رحلة الجزائري: محمد بن الشريف.. رائدٌ سبق عصره.

محمد بن الشريف: رائدٌ سبق عصره

رحالة استثنائي يوثق الحج بعدسته

تكتسي رحلة محمد بن الشريف إلى الحج سنة 1913 أهمية استثنائية في تاريخ الرحلات الجزائرية. ففي تلك السنة، كان قطار الحجاز قد دخل مرحلة جديدة من نشاطه، وأصبح الحجاج القادمون من الشام يستفيدون من هذا المشروع الحديث الذي اختصر المسافات بين دمشق والمدينة المنورة.
وتشير الرحلة التوثيقية إلى أنه حمل معه آلة تصوير فوتوغرافية، وهو أمر نادر جدا بالنسبة لحاج جزائري في ذلك الزمن. وإذا صحت المعطيات المتداولة، فإنه يعد من أوائل الجزائريين، وربما أولهم، الذين سعوا إلى توثيق رحلة الحج بالصورة الفوتوغرافية، في وقت كانت فيه الكاميرا لا تزال أداة محدودة الانتشار، خاصة في الأوساط العربية والإسلامية، خصوصا في البيئة المحافظة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على بعدها التقني، بل تكشف عن وعي مبكر بقيمة التوثيق البصري، وإدراك أن الصورة يمكن أن تكون وثيقة تاريخية موازية للنص المكتوب. ومن المؤسف أن هذه الصور لم يُعثر عليها حتى اليوم، أو لم تُجمع في أرشيف معروف، وهو ما يجعل البحث عنها مهمة علمية وثقافية تستحق الاهتمام.

الطبيب الشعبي والإنسان

عرف محمد بن الشريف أيضا باهتمامه بالتداوي بالأعشاب والطب التقليدي، وهو اهتمام كان شائعا بين مثقفي الصحراء الجزائرية آنذاك، حيث لم يكن الطب الحديث متاحا إلا في نطاق محدود جدا. ولم يكن هذا الاهتمام نظريا، بل تحول إلى ممارسة إنسانية أثناء انتشار وباء التيفوس في منطقة الجلفة وما جاورها. فقد سخر جهده لرعاية المرضى ومساعدتهم، مستعينا بما توفر لديه من معرفة طبية وخبرة ميدانية، غير آبه بالمخاطر التي كانت تحيط به. وفي النهاية، أصيب بالمرض نفسه، ليفارق الحياة سنة 1921 وهو في الثانية والأربعين من عمره تقريبا، بعد أن دفع حياته ثمنا لالتزامه الإنساني تجاه أبناء منطقته. وهكذا تحولت سيرته إلى مثال للمثقف الذي لم يكتف بالكتابة، بل جعل من المعرفة خدمة للمجتمع.

لماذا طواه النسيان؟

يثير الغياب النسبي لمحمد بن الشريف- مثقف ورحالة -عن الذاكرة الثقافية الجزائرية سؤالا مشروعا: كيف يمكن لرجل كان رائدا في الرواية والرحلة أن يظل مجهولا لدى جمهور القراء؟
يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل. أولها أن وفاته المبكرة حالت دون تطوير مشروعه الأدبي والفني. وثانيها أن كتاباته كانت باللغة الفرنسية، في مرحلة لاحقة طغت فيها الكتابة الوطنية المناهضة للاستعمار، فأصبح الاهتمام منصبا على أسماء مثل مولود فرعون، ومحمد ديب، وكاتب ياسين. كما أن موقعه داخل الإدارة الاستعمارية جعل صورته محل نقاش بين الباحثين، رغم أن قراءة نصوصه تكشف تمسكا واضحا بهويته الإسلامية والجزائرية، وهو ما يدعو إلى تجاوز الأحكام المبسطة، وقراءة أعماله في سياقها التاريخي. ومن أسباب النسيان أيضا ضياع جزء من إرثه الفني، وعدم إعادة طباعة معظم مؤلفاته لعقود طويلة، الأمر الذي حال دون وصولها إلى أجيال جديدة من القراء.

إحياء الإرث… خطوة نحو العدالة الثقافية

بدأ الاهتمام بمحمد بن الشريف يتجدد خلال السنوات الأخيرة، مع عودة الباحثين إلى دراسة البدايات الأولى للرواية الجزائرية، وإعادة نشر بعض أعماله.
وكانت ترجمة كتاب رحلته إلى العربية بعنوان «إلى الأراضي المقدسة» خطوة مهمة في هذا المسار، إذ أتاحت للقارئ العربي التعرف على واحد من أهم نصوص الرحلة الجزائرية في مطلع القرن العشرين، وأعادت إدماجه في النقاش الثقافي حول نشأة الأدب الجزائري الحديث.
لكن هذا الجهد ينبغي أن يتواصل عبر جمع مخطوطاته ورسوماته، والبحث عن صوره الفوتوغرافية إن كانت لا تزال محفوظة في أرشيفات خاصة أو عامة، وإخضاع إنتاجه الأدبي والفني لدراسات أكاديمية متخصصة، لأنه يمثل شاهدا فريدا على مرحلة انتقالية في تاريخ الجزائر.
لم يكن محمد بن الشريف مجرد روائي كتب نصا مبكرا باللغة الفرنسية، ولا مجرد رحالة وصف طريقه إلى مكة، بل كان مشروعا ثقافيا متكاملا جمع بين الأدب والفن والبحث الميداني والاهتمام بالإنسان. لقد سبق زمنه في نظرته إلى التوثيق، وفي انفتاحه على المعرفة، وفي إيمانه بأن الكاتب لا ينفصل عن مجتمعه.
ورغم أن النسيان غيّب اسمه لعقود طويلة، فإن إرثه بدأ يستعيد مكانته تدريجيا، بفضل إعادة نشر أعماله وترجمتها إلى العربية، ومواصلة البحث في آثاره الأدبية والفنية. ولعل الإنصاف الحقيقي لهذا الرائد لا يتحقق بمجرد استذكار اسمه، بل بجعل مؤلفاته موضوعا للقراءة والدراسة، وإدراجها ضمن تاريخ الأدب الجزائري بوصفها إحدى اللبنات الأولى التي أسست لهذا الصرح الثقافي الكبير.

كاتب جزائري

ذات مرة كان هناك كاتب … سيرة ورحلة حج الكاتب القبطان الحاج محمد بن شريف 1879- 1921

image

ذات مرة كان هناك كاتب …

(سيرة ورحلة حج الكاتب القبطان الحاج محمد بن شريف 1879- 1921)

أ. أحمد خير الدين، ترجمة: أ. نايل حانطي

     في إطار الندوة الثالثة لتوثيق التراث بمنطقة الجلفة، والتي تتناول في هذه الطبعة الرحلة والرحالة والمرحول، دعاني صديقي الصحفي بن سالم المسعود لكتابة مقال حول كتاب محمد بن شريف “إلى مدن الاسلام المقدسة”. الكتاب الذي يوثق رحلة القبطان محمد بن شريف الى الحج “مكة المكرمة”.

      هذه الدعوة تمثل تعد اعترافا لمجهوداتي وعملي على شخصية هذا الكاتب وأعماله. كما أن هذا الاهتمام يشرفني ويسعدني، ويلزمني بتلبية الدعوة بكل سرور، خاصةً وأن الموضوع تزامن مع حدث ثقافي خاص حدث مؤخرًا.

      كما هو الحال والى جانب العديد من الشخصيات المحلية، دُعيت إلى مقر الولاية بقاعة المحاضرات في إطار زيارة عمل وزيرة الثقافة الى مدينتنا خلال شهر يناير 2024. زيارة كانت بالنسبة لي تبدو تفتيشًا روتينيًا أو شكليا كسابقاتها، حتى لحظة خطاب السيدة الوزيرة، والتي مع بداية كلمتها قدمت تحية حارة لمحمد بن شريف، أول روائي جزائري باللغة الفرنسية. ذكْر القبطان محمد بن شريف ابن الجلفة بصفته الأدبية والثقافية “الكاتب”، كان التفاتة دبلوماسية طيبة وُجهت لمواطني هذه المدينة. وهذا ما جعلني أشعر حينها بموجة من الرضا الجميل وشكرتُ الله على منحي الفرصة لتحقيق هدفي الأول ألا وهو ازالة الغبار عن هذا الكاتب المنسي للجمهور في كتابي “حجر الملح” الصادر في 2006 لدى دار النشر الهرماتان في باريس.

الآن، وقد أصبح هذا الشخص معروفًا على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، وموضع اهتمام فكري وعدة أبحاث جامعية. من خلال مبادرتي الأدبية، التقدير الرسمي الذي يستحقه، شعرتُ حقًا بالسعادة لأنني ساهمت في إثراء تراث الثقافة الجزائرية. وبعد هذه السيرة الروائية التي تطلبت مني عدة سنوات من البحث، ولتسليط الضوء على تميز هذا الكاتب وتأصيله في الفضاء الثقافي الوطني، بذلتُ جهدًا كبيرا لإعادة نشر أعماله الخاصة في عام 2014 لدى دار إديليفر، بباريس، لتعريف الناس به بشكل أفضل، مع إضافة ملاحظات هامة حول حياته القصيرة نسبيًا:

      ـــــ قصة سفر “إلى مدن الاسلام المقدسة ” دار هاشيت، باريس، 1919

      ـــــ أول رواية روائية جزائرية باللغة الفرنسية “أحمد بن مصطفى، الخيال ” بايو، باريس، 1920

كما ذكرت، بفضل روايته يتم اليوم الإشارة إلى محمد بن شريف بشكل وافر على أنه “أول روائي جزائري باللغة الفرنسية” مع الكتاب الثاني في مؤلفاته لأن رحلته “إلى مدن الاسلام المقدسة” والتي كُتبت بطريقة رائعة تمامًا، نُشرت قبل عام واحد فقط (1919) من روايته.

كان محمد بن شريف متعدد المواهب ويستمتع بالكتابة حيث كانت لديه مراسلات عديدة وكثيفة غنية بمعانيها مع العديد من الأصدقاء في جميع أنحاء العالم. بفضل لغة خطابه وأسلوبه الجذاب وهذا ما جعله يكتشف ملكته في الكتابة مبكرا.

ولكن الوقت الذي قضاه في تكوينه الدراسي والعسكري واحتكاكه بالنبلاء الفرنسيين في الأوساط الأريستوقراطية  وتجاربه المهنية، أبعده عن بيئته الأصلية  لفترة طويلة وكذلك عن التفرغ للكتابة. وعند عودته إلى أهله “عرشه” في عام 1908، واستقراره مرة أخرى في حياة ريفية بسيطة في جو من السكينة، ساعده ذلك في الكتابة بشكل منتظم فبدأ في تدوين الملاحظات والأفكار لتشكيل مواد مفيدة لمؤلفاته الأدبية المستقبلية. 

بالإضافة إلى ذلك، في بلده وبين بين أقرانه وسط مجتمع محافظ، أصبحت حياته مليئة بالالتزام والتدين فكام ملهَما ومتأثرا بشدة بالتصوف وبدأ في الشعور بالراحة بشكل متزايد من خلال التدين الجاد، مما دفعه الى أداء فريضة الحج في عام 1913 بصحبة والده السيد أحمد وأخيه المختار. كان ذلك فرصة استثنائية له لنقل الفائدة بالكتابة عن هذه الرحلة الرائعة ونقلها في مؤلّف يمكن نشره أو سلسلة من المقالات في الصحافة، ليجعل الجمهور الفرنسي الغير مطلع على أهمية وعمق فريضة الحج، يشعر بها. وكان هذا بالنسبة له شكلًا من أشكال التوعية لصالح العالم الإسلامي، نوعًا من التبشير العكسي “الدعوة” أو ربما كان يأمل في المشي على خطى أشهر كتاب الرحلة الرحالة مثل ابن بطوطة أو ماركو بولو، لما لا، مادام الحلم ممكنًا.

بدأ القبطان محمد بن شريف رحلته على متن السفينة، حيث كان الحجاج يتأملون عن بعد مدينة جدة ويشهدون رسو السفن ونزول المتوافدين على الأرض المقدسة. 

حدد هدفًا لنفسه، تجميع مجموعة من الملاحظات خلال كامل رحلته بشكل يسمح له بسرد تفاصيلها مراحلها ولتجنب التفكير في النشر، أبعد عن ذهنه ذلك، وفكر فقط في الكتابة.

وكما هو معروف فإن القبطان بن شريف كان أيضا متخصصًا في فن التصوير الفوتوغرافي وفي وقت مبكر جدًا، فقد فكر أيضًا في تصوير رحلته وإبرز الأماكن المقدسة، وتطلع بفرح إلى إنجاز كتاب مصور لم يسبق لأحد القيام به ولكن لسوء الحظ، جرى عرقلة مشروعه بعد مصادرة معداته وآلة تصويره لدى وصوله وبطريقة عنيفة حيث كان التصوير ممنوعًا تمامًا في المدينة المقدسة.

لتعويض هذا الإحباط، وظف بن شريف كل طاقته وموهبته في الكتابة فقط، وسعى لوصف الحج بأقصى دقة ممكنة، دون اللجوء إلى التوضيح. 

من جدة إلى مكة المكرمة، جرت الرحلة في ظروف غير مريحة نسبيًا خاصة من ناحية ظروف الإقامة، والمواصلات المرهقة، والتغذية البسيطة مع قلة المياه الصالحة للشرب، اضافة الى الفوضى العامة والازدحام والتعب مما أثّر عليه صحيا. ورغم كل هذه العوائق، كانت الفريضة الدينية تُؤدّى من قبل جميع الحجاج بحماس عميق. وكان هذا الخشوع والتركيز في الإيمان يطرد كل الآلام والمصاعب التي عانوا منها، ويمنح لكل شخص سعادة هائلة.

بمجرد الانتهاء من أداء مناسك الحج بمكة المكرمة وزيارة المدينة المنورة والصلاة بالمسجد النبوي وزيارة قبر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومختلف المواقع التاريخية كمقابر الشهداء الأوائل الذين سقطوا في مختلف غزوات فجر الاسلام كبدر وأحد، تصبح بقية الرحلة رحلة تسلية وسياحة … يعود الحجاج إلى تبوك ثم يستأنفون الطريق في اتجاه فلسطين لأداء صلاة الجمعة في القدس “التقديس بعد الحج”، ثم يمرّون بدمشق بسوريا لزيارة قبري الأمير عبد القادر ومعلّمه في التصوف محي الدين ابن العربي. (في كتابه، لم يذكر الكاتب هذا التفاصيل التي جمعتها عن طريق الرواية الشفوية من الأسرة عندما بدأت كتابة سيرته الذاتية).

وتستمر الرحلة بالقطا إلى إسطنبول، البوابة السامية، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، ثم عاصمة العالم الإسلامي، لبضعة أيام. هناك زار محمد بن الشريف الميادين الحربية للحروب البلقانية، ومن خلال الصحافة الإنجليزية المحلية، أدرك أن هناك بعض التوترات في المجتمع وعلم باحتجاج ضباط حركة سياسية وعسكرية تسمى “الشباب الترك”. كان بالفعل من الممكن التنبؤ بانهيار الإمبراطورية العثمانية. 

من اسطنبول تتواصل رحلة الحجاج من الشرق الأوسط عبر “القطار الشرقي” لعبور أوروبا الوسطى والتمتع بعجائب الامبراطورية النمساوية المجرية “امبراطورية الهابسبورغ”، والمرور بعدة عواصم كبودابست وفيينا الساحرة.

في سرده للرحلة، قدم محمد بن الشريف من خلال وصفه الدقيق والواقعي، الملامح التي كانت تشكل التوتر الدولي الشديد السائد عشية نزاع محتمل، قنبلة موقوتة، كما كان يعتبر، لكنه لم يتمكن في ذلك الوقت من قياس حجمه أو التنبؤ بنتائجه.

مثل السينما، تغمسنا سردية هذه الرحلة في جو من الروحانية الرائعة من خلال الشعائر والصلاة الجماعية للمسلمين على أرض الرسالة. كما تقدم لنا شهادة اجتماعية وسياسية مثيرة للاهتمام عن بداية القرن العشرين التي شهدت تنامي الصراعات الجيواستراتيجية بين الدول.

عند عودته، شعر بن شريف بالسعادة والسكينة لأنه أدّى فريضته الدينية، وبدأ في تنظيم ملاحظاته والتفكير في تحرير كتابه. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وبصفته ضابطًا، اُستُدعي على الفور إلى فرقته وشارك في معركة “ليل” التي أسر فيها مع بداية المواجهات “لتواجد فيلقه في الصفوف الامامية”. 

وفي خلال فترة اعتقاله بميرسبورغ بألمانيا، وبعدها وأثناء فترة تعافيه بجنيف بسويسرا، استطاع أن ينهي تحرير كتابيه بشكل متزامن وتمكن من نشر رحلته الى مكة عام 1919 مباشرة بعد وقف النار.

في ظروف غير مواتية نشأت بسبب الإقصاء والتهميش الاستعماري، ونتيجة لوفاة المؤلف في سن مبكر بسبب وباء حل بالمنطقة، وبعدها الأحداث السياسية التي تلت بشكل متتالي بعد الحرب العالمية العالمية الأولى (الحركة الوطنية والحرب العالمية الثانية والثورة الجزائرية) فإن الكاتب القبطان بن شريف اختفى من الساحة الثقافية ونُسي تمامًا (قبل أن يُرد إليه الاعتبار في العقدين الأخيرين من طرف ثلة من أبناء المنطقة).

لذلك، فانه من الضروري بالنسبة لي، تذكير القراء بهذا الشخصية العظيمة وإعادتها إلى مكانتها الحقيقية في التراث والتاريخ والأدب الجزائريين.

أحمد خير الدين

24 فيفري 

أخر المقالات

منكم وإليكم