




مقدمة: بقلم الفنان..سيد الضوء: جورج عشي
متعة التصوير تتحقق حين يكون المصور والموسوعي: جورج عشي.برحلة تصوير في حارات دمشق القديم برفقة صديق يتمتع بمعرفة وثائقية للأماكن التي تصورها وقد كنت استمتع جدا برفقة الدكتور المصور: قتيبة الشهابي. الذي قدم عدة مؤلفات عن معالم دمشق القديمة، واستمتع اكثر حين اقول له باننا سنفطر الآن مناقيش دمشق القديمة، فيناولني من حقيبته لفافة ورق فيها سندويشة قشقوان ويقول لي هذه ارسلتها لك هاله ( طبعا زوجته الدكتورة: هاله ) فاضحك من قلبي واقول : الله يسلم ايديها ما كانت تنسى عشقي للقشقوان ما اروع الدكتورة هاله .
٧/٥/١٩٩
***&***
حين كانت دمشق تُصوَّر وتُروى…
جورج عشي وقيتيبة الشهابي.. عدسةٌ ترى، وباحثٌ يقرأ ذاكرة المكان
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
في البدء كانت دمشق…
ثمة مدن لا تحتاج إلى أن تبحث عن موضوع للصورة، لأنها هي الموضوع.
وإذا كانت دمشق القديمة قد منحت المصورين على امتداد عقود كنوزاً لا تنضب من الضوء والعمارة والوجوه والحكايات، فإن متعة اكتشافها تصبح أكثر عمقاً حين يلتقي المصور بالفنان، والفنان بالمثقف، والمثقف بالباحث.
وهنا تستعيد الذاكرة واحداً من أجمل اللقاءات التي جمعتني بالأستاذ الفنان والمصور الموسوعي جورج عشي، وبرفقة الدكتور المصور والباحث قتيبة الشهابي؛ ذلك الرجل الذي لم يكن يرى دمشق بعين المصور وحدها، بل بعين الطبيب والمؤرخ والباحث والعاشق.
كانت جولاتنا في حارات دمشق القديمة أشبه برحلة داخل كتاب مفتوح؛ جورج يحمل كاميرته، وأنا ألاحق الضوء والتفاصيل، فيما كان قتيبة الشهابي يمنح المكان صوته وتاريخه، فيشير إلى باب، أو خان، أو مسجد، أو حارة، ثم يفتح أمامنا صفحات من الذاكرة التي تختبئ خلف الحجر.
وهكذا لم تعد الصورة مجرد لقطة فوتوغرافية، بل أصبحت وثيقة وحكاية وذاكرة.
جورج عشي… الفنان الذي لم يرضَ بلون واحد
يصعب اختصار تجربة جورج عشي في صفة واحدة.
فهو مصور فوتوغرافي وفنان تشكيلي وشاعر غنائي وموسيقي، وهو من الأسماء التي أسهمت في ترسيخ حضور التصوير الفوتوغرافي الفني في سورية.
ولد جورج عشي عام 1940 في ضهر صفرا بطرطوس، وتخرج في المدرسة الدولية بلبنان، وحصل على دبلوم في الديكور بامتياز. وقد انعكست دراسته الفنية على نظرته إلى الصورة، فكانت علاقته بالكاميرا امتداداً لعلاقته بالخط واللون والتكوين والضوء.
وتشير المصادر التي تناولت سيرته إلى أنه كان العضو المؤسس رقم 1 لنادي فن التصوير الضوئي في سورية، كما ارتبط بنشاط الحركة التشكيلية والفنية السورية والعربية، إلى جانب نشاطه في مجال كتابة الأغنية.
ولذلك فإن وصفه بـ«المصور» وحده لا يكفي.
إنه فنان موسوعي تتجاور في تجربته الفرشاة والكاميرا والقلم والموسيقى.
وقد عبّر في حوار سابق عن نظرته إلى أدوات التعبير، مؤكداً أن امتلاك الفرشاة أو القلم أو الوتر أو آلة التصوير هو امتلاك لوسيلة تساعد الإنسان على التعبير عن ذاته.
ولعل هذا ما يفسر تلك الطاقة الخاصة التي كانت تظهر في صوره؛ فهو لا يلتقط الأشياء كما هي فقط، وإنما يبحث عما وراءها.
قتيبة الشهابي… طبيبٌ حمل الكاميرا وقرأ دمشق
أما الدكتور قتيبة الشهابي، فكان شخصية استثنائية أخرى في المشهد الثقافي السوري.
ولد في دمشق عام 1934، وتوفي عام 2008، وكان طبيباً وباحثاً ومؤرخاً ومصوراً وفناناً، وحصل على الدكتوراه في طب الأسنان من لندن، كما ارتبط بالتدريس الجامعي والفنون والتصوير الفوتوغرافي.
لكن دمشق كانت بالنسبة إليه أكثر من مدينة.
كانت موضوع حياته وذاكرته ومشروعه البحثي.
وقد ترك مجموعة من المؤلفات المهمة التي أصبحت مراجع في تاريخ دمشق ومعالمها، من بينها:
دمشق: تاريخ وصور
مآذن دمشق: تاريخ وطراز
أبواب دمشق وأحداثها التاريخية
زخارف العمارة الإسلامية في دمشق
معجم دمشق التاريخي
معجم المواقع الأثرية في سورية
ويكتسب مشروعه أهمية خاصة لأن الصورة عنده لم تكن زينة للكتاب، وإنما كانت جزءاً من عملية البحث والتوثيق نفسها.
فكتاب «أبواب دمشق وأحداثها التاريخية»، الصادر عن وزارة الثقافة عام 1996، يقدم بحثاً ميدانياً موثقاً بالصور التي التقطها المؤلف نفسه.
وكذلك جاء كتاب «زخارف العمارة الإسلامية في دمشق» بوصفه بحثاً ميدانياً بعدسة المؤلف، في عمل يقع في نحو 389 صفحة.
أما كتابه «دمشق: تاريخ وصور» فقد أصبح من الأعمال البارزة في توثيق المدينة، وجاءت له طبعات مزيدة ومنقحة، وجمع بين النص التاريخي والصورة والخرائط والمخططات.
وهنا تكمن فرادة قتيبة الشهابي:
كان يصوّر لكي يبحث، ويبحث لكي يفهم، ويفهم لكي يوثّق.
حين اجتمعت العدستان
في إحدى مراحل تلك الرحلات الدمشقية، كان جورج عشي وقيتيبة الشهابي نموذجاً نادراً لاجتماع الفنان بالباحث.
جورج ينظر إلى المشهد بعين الفنان.
وقتيبة يقرأه بعين المؤرخ.
أما الكاميرا فكانت الجسر بين الاثنين.
وهذه العلاقة لم تكن عابرة في تاريخ الحركة الفوتوغرافية السورية؛ فقد كان عشي قد ذكر أن أول معرض شارك فيه في دمشق خلال أوائل الثمانينيات جمعه مع أسماء من بينها صباح قباني، ومروان مسلماني، وطارق الشريف، والدكتور قتيبة الشهابي.
وهكذا كانت دمشق القديمة حاضرة في مشروعهما، ولكن من زاويتين متكاملتين:
جورج كان يكتشف جمال الصورة، وقيتيبة كان يكشف تاريخ المكان.
رحلة في حارات دمشق القديمة
ولعل أجمل ما في الحكاية أن الصورة لم تكن منفصلة عن الحياة.
في إحدى رحلات التصوير في حارات دمشق القديمة، كنت أستمتع برفقة جورج عشي، وبوجود الدكتور قتيبة الشهابي، الذي كان يعرف المكان معرفة وثائقية عميقة.
كل زاوية كانت تثير سؤالاً.
وكل باب كان وراءه تاريخ.
وكل حجر قد يستدعي حكاية.
كان قتيبة يعرف أسماء الأماكن وتفاصيلها، ويستطيع أن يحوّل الحارة من مشهد بصري إلى صفحة من كتاب تاريخ.
أما جورج، فكان يلتقط ما لا تقوله الكتب دائماً:
ضوءاً يتسلل من بين البيوت القديمة،
ظلّاً على جدار،
وجهاً دمشقياً عابراً،
نافذة خشبية،
بائعاً في سوق،
أو تفصيلاً معمارياً يكاد يضيع إذا لم تلتقطه عين المصور.
وهنا تحديداً تكمن متعة التصوير.
أن تمشي في المكان نفسه مرتين: مرة بعين المصور، ومرة بعين الباحث.
وحين تصبح سندويشة القشقوان جزءاً من الذاكرة
لكن أجمل الذكريات ليست دائماً تلك التي تتعلق بالصورة.
أحياناً تكون لقمة صغيرة هي التي تحفظ رحلة كاملة في الذاكرة.
وأذكر جيداً تلك اللحظة التي كنت أقول فيها للدكتور قتيبة الشهابي، ونحن في جولتنا:
سنفطر الآن مناقيش دمشق القديمة.
فإذا به يمد يده إلى حقيبته، ويخرج لفافة ورق فيها سندويشة قشقوان، ويقول لي:
هذه أرسلتها لك هالة.
كانت الدكتورة هالة، زوجته، تعرف عشقي للقشقوان، ولم تنسَ ذلك.
فضحكت من قلبي وقلت:
الله يسلم إيديها… ما كانت تنسى عشقي للقشقوان. ما أروع الدكتورة هالة!
قد تبدو هذه الحكاية صغيرة أمام تاريخ رجلين كبيرين، لكنها في الحقيقة تختصر شيئاً عظيماً:
الإنسانية التي كانت وراء الصورة.
فالفنان ليس كاميرا فقط، والباحث ليس كتاباً فقط.
وراء كل عدسة إنسان، ووراء كل رحلة تصوير صداقة، ووراء كل صورة لحظة قد لا يستطيع التاريخ أن يوثقها، لكن القلب يحتفظ بها إلى الأبد.
7 / 5 / 1993
تاريخ صغير في دفتر الذاكرة، لكنه بالنسبة إليّ يحمل مشهداً كاملاً من دمشق؛ جورج عشي، قتيبة الشهابي، حارات الشام القديمة، الكاميرات، الضوء، الحكايات… وسندويشة قشقوان جاءت من حقيبة قتيبة محمّلة بمحبة هالة.
الصورة التي تجمع الفن بالتاريخ
حين ننظر اليوم إلى صور دمشق التي التقطها جورج عشي، وإلى الكتب التي وثق بها قتيبة الشهابي المدينة، ندرك أن كليهما كان يعمل، بطريقته، ضد النسيان.
فالفوتوغرافيا تحفظ ملامح اللحظة.
والبحث التاريخي يحفظ معنى اللحظة.
وعندما يلتقي الاثنان، تتحول الصورة إلى وثيقة، ويتحول الكتاب إلى معرض، ويتحول المكان إلى ذاكرة بصرية.
لقد كان قتيبة الشهابي يكتب عن دمشق بعدسة المصور، بينما كان جورج عشي يصور دمشق بروح الفنان.
ومن هنا تأتي أهمية تجربتهما معاً في تاريخ الصورة السورية؛ فهما يمثلان نموذجاً نادراً للتكامل بين الفن والتوثيق والبحث والمعرفة.
دمشق التي بقيت في الصور
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الرحلة في 7 أيار 1993، تبدو التفاصيل أكثر قيمة.
فالأماكن تتغير.
والوجوه تغيب.
والحارات تتبدل.
لكن الصورة تستطيع أن تقول لنا:
هنا كانت نافذة… وهنا كان باب… وهنا مرّ رجل… وهنا جلس أصدقاء يتحدثون عن دمشق… وهنا كانت الكاميرا شاهدة على كل شيء.
ولعل هذا هو الدور الأعمق للمصور الحقيقي؛ أن يمنح الزمن فرصة أخرى لكي يتذكر نفسه.
خاتمة: حين تصير الذاكرة صورة
لم تكن رحلة جورج عشي وقيتيبة الشهابي في حارات دمشق القديمة مجرد جولة تصوير.
كانت لقاءً بين عين ترى، وعقل يفسر، وقلب يحب المكان.
جورج عشي، الفنان الموسوعي، حمل الكاميرا كما يحمل التشكيلي فرشاته والموسيقي آلته والشاعر كلمته.
وقتيبة الشهابي، الطبيب والباحث والمؤرخ والمصور، حمل دمشق في ذاكرته، ثم أعاد تقديمها للناس في الكتب والصور والخرائط والتوثيق الميداني.
وبينهما بقيت دمشق؛ المدينة التي لا تنتهي صورها، ولا تنفد حكاياتها.
أما أنا، فبقيت في ذاكرتي صورة أخرى لا علاقة لها بالعمارة ولا بالأبواب ولا بالأسواق…
صورة رجلين من زمن جميل، وكاميرا، وحارة دمشقية، ولفافة ورق صغيرة خرجت من حقيبة قتيبة الشهابي، تحمل سندويشة قشقوان أرسلتها الدكتورة هالة.
وربما كانت تلك السندويشة الصغيرة، أكثر من أي صورة أخرى، تختصر معنى الصداقة.
فبعض الصور تُلتقط بالكاميرا…
وبعضها يلتقطها القلب.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
اعتمدتُ في الجانب التوثيقي على مصادر ببليوغرافية ومؤسساتية، وعلى مادة توثق تجربة جورج عشي وعلاقته المبكرة بقتيبة الشهابي، مع إبقاء حكاية 7/5/1993 بصياغة أدبية وفية لذكرتك الشخصية. �
ci.nii.ac.jp +٢
إذا رغبت، أستطيع أيضاً تحويل المقال إلى صيغة أقوى وأكثر حنيناً، كأنها صفحة من “ذاكرة مجلة فن التصوير” في التسعينيات، مع إبراز شخصية جورج عشي وقيتيبة الشهابي بصورة أكبر.


