«تدخينُ «الشَّبَك».. حين كان الدخانُ طقسًا من طقوس الوجاهة فى مصر القديمة
قبل أن تحتل السجائرُ جيوبَ الناس، وقبل أن تصبح الشيشةُ سيّدة المقاهى الشعبية، عرف المصريون أداة تدخينٍ مهيبةً وفاخرةً عُرفت باسم «الشَّبَك» أو «الشِّبُوق»؛ ذلك الغليون الطويل الذى لم يكن مجرد وسيلةٍ لاستهلاك التبغ، بل رمزًا اجتماعيًا يعكس الثراء والذوق والمكانة، حتى أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية فى مصر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وقد ارتبط الشبك بتاريخ التبغ فى الدولة العثمانية، إذ تشير الدراسات التاريخية، ومنها ما عرضته مكتبة الإسكندرية، إلى أن هذا النوع من الغلايين الطويلة ظهر فى الأناضول وأقاليم الدولة العثمانية فى أوائل القرن السابع عشر، قبل أن ينتقل إلى مصر وبلاد الشام والبلقان، ثم يصل إلى بعض المدن الأوروبية بوصفه أداة تدخين راقية تتميز بقصبتها الطويلة التى تعمل على تبريد الدخان وتنقيته قبل وصوله إلى فم المدخن.
وكان الاسم نفسه يحمل جذوره التركية فكلمة «Çubuk» العثمانية تعنى الغليون الطويل أو العصا الرفيعة، ثم تحوّلت على الألسنة المصرية إلى «شبك» أو «شِبُوق». ومن هذه الكلمة وُلدت ألقاب ومهن كاملة، مثل «الشبكشى» أى صانع الشبك أو بائعه، و«المُسَلِّكاتى» الذى كان يتولى تنظيف القصبات وتسليكها من رواسب التبغ والدخان.
ولم يكن الشبك أداةً بسيطةً كما قد يتخيل البعض، بل كان قطعةً فنيةً متكاملة الصنع. فقد تكوّن من ثلاثة أجزاء رئيسية:
رأس من الفخار أو الخزف يُوضع فيه التبغ، وقصبة طويلة تُصنع غالبًا من الخشب الخفيف أو أعواد الغاب، ثم مبسم فاخر من الكهرمان أو العاج أو المعادن النفيسة. وكانت بعض القصبات تُغطّى بالحرير الملون أو تُطعَّم بأسلاك الفضة والزخارف الشرقية، بينما يُزيَّن المبسم بالذهب والأحجار، فيتحول الغليون إلى علامة من علامات الثراء والأبهة.
وقد وصف الرحالة والمؤرخ الإنجليزى إدوارد لين فى كتابه الشهير المصريون المحدثون هذه العادة وصفًا دقيقًا، فذكر أن بعض أنواع الشبك كان يصل طولها إلى أربع أو خمس أذرع، وأن المصريين اعتادوا الجلوس فى المقاهى والساحات العامة وهم يحتسون القهوة ويتبادلون الأحاديث بينما تتصاعد سحب الدخان الهادئة من تلك القصبات الطويلة.
ويضيف لين أن بعض الأثرياء لم يكونوا يتحركون فى الأسواق أو المجالس إلا ويتبعهم خادم خاص يحمل أكثر من شبك وكيسًا للتبغ، فإذا رغب سيده فى التدخين، أو أراد إكرام ضيفٍ وصديق، قدّم له الشبك المشتعل كما تُقدَّم القهوة الفاخرة. وكان منظر الخادم وهو يسير خلف سيده حاملًا الغليون الطويل من المشاهد المألوفة فى شوارع القاهرة القديمة، خاصة فى أحياء الطبقات الثرية.
أما فى المقاهى الشعبية، فقد كان الشبك جزءًا من المشهد اليومى رجال يجلسون فى حلقات طويلة، يتبادلون الأخبار والحكايات، بينما تتدلى القصبات الرفيعة بين الأيدى، ويتصاعد الدخان ببطء فى أجواء تختلط فيها رائحة التبغ بصوت الحكّائين والمنشدين وروائح القهوة المحوجة.
ولم يقتصر تدخين الشبك على الرجال وحدهم، بل تشير دراسات اجتماعية عن المجتمع المصرى فى القرن التاسع عشر إلى أن بعض النساء، خصوصًا من الطبقات الوسطى والعليا، عرفن هذه العادة أيضًا. وكانت شبكات النساء أكثر رشاقةً وزخرفة، تُزيَّن بالحرير والألوان الزاهية، وقد أثار انتشارها آنذاك جدلًا اجتماعيًا واسعًا بين من اعتبرها مظهرًا من مظاهر التمدّن والترف، ومن رآها خروجًا على تقاليد المجتمع المحافظ.
ومع انتشار الشبك، ظهرت حوله صناعاتٌ ومهنٌ صغيرة شكّلت عالمًا اقتصاديًا خاصًا به. فقد انتشر «الشبكشية» فى الأسواق، وهم الحرفيون المتخصصون فى صناعة الغلايين وبيعها، بينما كان «المسلكاتية» يجوبون المقاهى والأحياء الشعبية حاملين أسلاكًا رفيعة وأليافًا من القنب لتنظيف القصبات وإزالة الرواسب المتراكمة داخلها. وكانت هذه المهنة تُعد متواضعة اجتماعيًا، حتى إن كلمة « مسلكاتى» استُخدمت أحيانًا على سبيل التهكم أو السباب فى بعض البيئات الشعبية.
ويذكر المؤرخ علي مبارك فى كتابه الخطط التوفيقية وجود عشرات من هؤلاء العمال فى القاهرة، ما يكشف كيف تحوّل الشبك إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية متكاملة، لها صناعتها وتجارها وخدمها وحرفيوها.
ومع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت مكانة الشبك تتراجع تدريجيًا مع ظهور السجائر الأوروبية الجاهزة وانتشار النارجيلة الحديثة، فقد أصبحت السجائر أكثر سهولةً وخفةً وأقل تكلفة، بينما احتاج الشبك إلى تجهيز دائم وعناية مستمرة وخادم أحيانًا، مما جعله رمزًا لعصرٍ بدأ يختفى أمام إيقاع الحياة الحديثة السريع.
وهكذا، انزوى الشبك شيئًا فشيئًا من المقاهى والبيوت، وانتقل من أيدى المدخنين إلى خزائن التراث والمتاحف. واليوم لا نراه إلا فى الصور القديمة، أو معروضًا داخل قاعات الآثار بوصفه شاهدًا على زمنٍ كان التدخين فيه طقسًا اجتماعيًا كاملًا، تختلط فيه الأناقة بالهيبة، والدخان بالحكايات، والمقهى بروح القاهرة القديمة.
ومن أبرز النماذج الباقية اليوم غليون شبك محفوظ فى متحف آثار مكتبة الإسكندرية يعود إلى عصر محمد علي باشا، يتكوّن من قصبة خشبية طويلة مغطاة بالحرير، ورأس فخارى، ومبسم من الكهرمان، بطول يقارب 160 سنتيمترًا، ليبقى أثرًا صامتًا يروى حكاية زمنٍ كان للدخان فيه هيبة، وللغليون الطويل مكانة تقترب من الفن.
(( منقول من جريدة اليوم السابع و معجم فرج للعامية المصرية مهندس سامح فرج بتصرف وتوسعات كبيرة و كثير من الاضافات و التعديلات ))


