كان ذنبه الوحيد أنه كان هادئ الطباع، يرتدي ملابس ريفية بسيطة ويتصرف بطريقة مختلفة عن باقي الأطفال حتى تعرض للسخرية في المدرسة من زملاؤه الذين كانوا يلقبونه بـ Dafty وهي كلمة إسكتلندية تعني الاحمق او الابله… ساعتها لم يدرك أحد ان هذا الطفل “الأحمق” سوف يقوم بوضع حجر الأساس لأهم مؤسسة علمية في تاريخ الإمبراطورية البريطانية … انه الفتى المعجزة جيمس كلارك ماكسويل!
ورغم هذه البداية الصعبة انتقل ماكسويل إلى جامعة كامبريدج ونجح فيما عجز عنه الآخرون وكان السبب في تغيير فهمنا للكون من خلال معادلاته التي قامت بتوحيد قوانين الكهرباء والمغناطيسية والضوء في نظرية واحدة نعرفها اليوم بـ”الكهرومغناطيسية” التي أصبحت الأساس لعصر الكهرباء والراديو والتلفزيون والتكنولوجيا الحديثة بأكملها.
ماكسويل قام بشيء آخر لا يقل عظمة لكنه أقل شهرة بين الناس وهو وضع الأساس لواحدة من أهم المؤسسات العلمية في التاريخ الحديث.
في سنة 1871 أصبح أول أستاذ للفيزياء التجريبية في جامعة كامبريدج وتولّى مهمة تأسيس مختبر جديد من الصفر. الفكرة أن كامبريدج وقتها كانت تركز بشكل شبه كامل في تدريس الفيزياء على الرياضيات النظرية. ماكسويل هو من أدخل المنهج التجريبي كجزء أساسي من التعليم الجامعي من خلال هذا المختبر، وهو ما كان ثورة تعليمية حينها. العجيب ان هذا المختبر لم يأتي بتمويل حكومي كما قد يتوقع البعض ولكنه جاء بتمويل من عائلة العالم الكيميائي الشهير هنري كافنديش.
وهكذا بدأ “مختبر كافنديش” سنة 1874 الذي أصبح لاحقا نواة قسم الفيزياء بجامعة كامبريدج. ماكسويل أشرف بنفسه على كل التفاصيل بداية من تصميم المبنى واختيار الأجهزة وتوزيع المساحات وحتى طبيعة التجارب في المختبر.
والنتيجة ان مختبر كافنديش أصبح مصنع للثورات العلمية وتخرج منه مجموعة من أعظم العقول في التاريخ مثل جوزيف تومسوk وارنست رذرفورد واللورد رالي وجيمس شادويك ويليام براج وفرانسيس استون وجيمس واتسون وفرانسيس كريك وغيرهم.
ويكفي ان تعرف هذا المختبر شهد مجموعة من اهم الاكتشافات في القرن العشرين مثل اكتشاف الإلكترون، وتحديد نواة الذرة، واكتشاف النيوترون، وفهم تركيب الحمض النووي (DNA)، بالاضافة الى تطورات أساسية في الفيزياء الذرية والنووية وتقنيات حيود الأشعة السينية التي مهدت لثورة في الفيزياء والكيمياء وعلوم المواد والبيولوجيا الجزيئية.
ولذلك كان المختبر الأكثر حصولا على جوائز نوبل برصيد تخطى الـ 30 جائزة ليصبح هذا المختبر هو الأكثر تأثيراً في التاريخ!!!
المفارقة العجيبه أن الطفل الذي وُصف يوماً بـ”الأبله”، هو نفسه الذي بنى هذه المؤسسة العظيمة في عز قوة الإمبراطورية البريطانية
والدرس الأهم أن المؤسسات العظيمة لا تولد دائمًا من قرارات حكومية أو خطط مركزية ضخمة. أحيانا تحتاج فقط إلى عالم واحد برؤية واضحة.
إذا أردنا أن نستخلص رسالة لمجتمعاتنا فهي ليست مجرد الاهتمام بالعلم بل أن نبحث عن “ماكسويل” بيننا ونمنحه البيئة التي يستحقها.
لأن عالمًا واحدًا… قد يساوي أمة.
#ماهر القاضي#مجلة ايليت فوتوو.


