بقلم د.علي خليفة
(1)
لا يوجد تعريف واحد ومحدد للأسطورة، ويمكن أن نستدل من التعريفات المختلفة للأسطورة بأنها حكاية تعبر عن أحداث خارقة عن شخصيات تتصف أيضًا بقدرات خارقة، وأيضًا يمكن أن نصف الأسطورة بأنها تفسير الإنسان في عهود قديمة جدًّا لبعض الظواهر الطبيعية بما يتفق وبساطة تفكيره، وخوفه الشديد من كثير من هذه الظواهر الطبيعية.وترتبط الأسطورة بالعهود القديمة التي كان فيها الإنسان يقدس الظواهر التي يخشاها، وينظر إليها من خلال مخاوفه منها وإجلاله لها.
(2)
ولا غرابة في أن يتعامل توفيق الحكيم في مسرحه مع بعض الأساطير ويوظفها في بعض مسرحياته؛ وذلك لأن مسرحه يغلب عليه أن يكون مسرحًا ذهنيًّا، ومناسب له إذًا أن يفجر من خلال توظيفه بعض الأساطير في مسرحه بعض القضايا الذهنية التي تشغله، ويرى في الأسطورة المادة الصالحة لإثارة هذه القضايا الذهنية من خلالها.وتنوعت مصادر الأساطير التي وظفها توفيق الحكيم في مسرحه، فقد استعان بالأساطير اليونانية في مسرحية “بجماليون” ومسرحية “الملك أوديب”،واستعان بالأساطير العربية الممتزجة بأصول هندية وفارسيةفي مسرحية “شهرزاد”، واستعان بالأساطير الفرعونية في مسرحية “إيزيس”، واستعان بالأساطير الهندية في مسرحية “الدنيا رواية هزلية”.
(3)
ولم يكن للحكيم طريقة واحدة في تعامله مع الأسطورة في مسرحه، بل كان يتعامل معها بأساليب مختلفة؛ فنراه يرجع للأسطورة كما وصلتنا؛ أي في شكلها الأسطوري، ولا يغير فيها كثيرًا، ولكنه من خلال تعامله معها يبث بعض أفكاره ورؤاه الفكرية والفنية، كما نرى في مسرحية “بجماليون”. ففي هذه المسرحية عاد للأسطورة في شكلها القديم، وعبر من خلالها عن حيرة الفنان بين الفن والحياة، أو بين الإبداع والمرأة، فبجماليون الذي صنع تمثالاً لامرأة لا مثيل له، وتحدى آلهة الأولمب أن يبدعوا مثله – إذا به يحن للحياة، ويطلب إلى فينوس ربة الجمال عند الرومان أن تحول تمثال هذه المرأة لامرأة من لحم ودم، وتستجيب له فينوس، فيتحول التمثال لامرأة هي جالاتيا، ولكن بجماليون لا يروقه أن يرى تمثاله المبهر يتحول لامرأة ناقصة تقوم بالكنس والتنظيف، وينتظرها أن تكبر وتشيخ؛ ولهذا يطلب إلى فينوس أن تعيد له تمثاله مرة أخرى، وتستجيب له، ولكنه بعد أن يفرح بعودة فنه نراه يحن بعد ذلك للمرأة التي تحول لها تمثاله من قبل، وتستمر حيرته، فهو لا يدري أيهما أهم له؛ تمثاله أم المرأة التي تحول تمثاله لها، ثم عادت تمثالاً من جديد برغبته! وخلال صراعه وثورته يحطم تمثاله ظانًّا أنه يستطيع أن يصنع أفضل منه، ولكنه يموت قبل أن يستطيع أن يصنع ذلك.
(4)
وأيضًا نرى الحكيم يستلهم روح الأسطورة في بعض مسرحياته، وفي هذه المسرحيات لا نرى عرضًا للأسطورة بشكلها القديم، ولكننا نرى روحها تسري في المسرحية، كما نرى في بعض المسرحيات التي استلهمت أسطورة بجماليون؛ في محتواها الذي يعني قيام شخص بخلق آخرين من خلال بث روحه القوية في أرواحهم، كما نرى في مسرحية “شمس النهار”، ففيها قام قمر الزمان بإعادة تشكيل الأميرة شمس النهار من خلال تعليمها وتوجيهها، فصارت بهذا جزءًا منه، وأيضًا نرى في مسرحية “شهرزاد” أن روح أسطورة بجماليون تسري فيها، فقد استطاعت شهرزاد أن تعيد تشكيل شهريار بقصصها وحكاياتها طوال ألف ليلة وليلة، فتحول من شخص كل همه في إرواء غرائزه وتنفيذ أوامره الدموية بقتل العذارى بعد قضائهن ليلة معه في مخدعه –إلى شخص مفكر يبحث عن المعرفة، وإن كان قد اشتط في بحثه، فصار يرغب في التخلص من المادة والجسد والمكان.وأيضًا نرى روح أسطورة بجماليون في مسرحية “الخروج من الجنة”، فعنان بطلة هذه المسرحية اكتشفت أن زوجها المحب لها –واسمه مختار –بداخله مبدع كبير، ولكنه يحتاج لإخراج إبداعه لتجربة ألم شديدة؛ ولهذا تطلب إليه أن يفارقها، ويوافقها مضطرًّا ظنًّا منه أنها لا تحبه، وعند ذلك يتألم ويبدع روائع شعره ومسرحه، وبعد سنوات طويلة تأتيه في بيته، وتخبره بقصة تضحيتها بسعادتها بقربه من أجل أن يتألم ويبدع.والجديد في هذه المسرحية أن يكون إعادة تشكيل الشخص من خلال بث الألم فيه، ومروره بتجربة ألم شديدة تفجر ينابيع الإبداع الكامنة بداخله.
(5)
وأيضًا من طرق تعامل توفيق الحكيم مع الأسطورة أننا نراه يفرغها من كل الخوارق التي بها، ويعمل على أن تبدو ذات أحداث يقبلها العقل، وتتفق مع المنطق، كما فعل في مسرحية “إيزيس”، فهو قد فرَّغ فيها أسطورة إيزيس وأوزوريس من الخوارق التي فيها، فلم نر في المسرحية إيزيس ولا أوزوريس وابنهما حوريس آلهة، كما هو موجود في الأسطورة التي حكيت عنهم، وقد غضب الدكتور لويس عوَض غضبًا شديدًا لتفريغ أسطورة إيزيس وأوزوريس من محتواها الأسطوري في معالجة توفيق الحكيم لها في مسرحية “إيزيس”، ورد عليه الدكتور محمد مندور بأنه لا عيب على الحكيم فيما فعله مع هذه الأسطورة في مسرحية “إيزيس”، وعلل حكمه هذا بقوله: إن كبار الأدباء كانوا يعيدون النظر ليس في الأسطورة فقط، بل أيضًا في بعض حوادث التاريخ عند استلهامهم لها خلال إبداعاتهم، وقد أصاب ألكسندر ديماس في قوله: ما التاريخ؟ إن هو إلا مشجب أعلق عليه لوحاتي.ولو نظرنا لكتاب الإغريق لرأينا أنهم كانوا يعيدون النظر في أساطيرهم، ويصوغونها في مسرحياتهم حسب رؤاهم وما تقتضيه حبكة كل مسرحية؛ ولهذا نرى صياغة يوربيديس لأسطورة أوديب في مسرحية “الفينيقيات” تختلف عن صياغة سوفوكليس لها في مسرحية “أوديب ملكًا”، وفي هذا المثال الشاهد القوي على الحرية الكبيرة للمبدع في التعامل مع الأسطورة كيفما شاء بما يخدم إبداعه ويجعله أصيلاً.
(6)
وأيضًا من صور تعامل توفيق الحكيم مع الأسطورة أننا نراه يعيد تفسيرها بما يتناسب مع الأفكار التي يريد بثها في عمله الفني الذي يعالج فيه هذه الأسطورة، وذلك كما نرى في معالجته لأسطورة أوديب في مسرحية “الملك أوديب”، فالحكيم في هذه المسرحية يعيد تفسير جوانب من هذه الأسطورة، ويغير فيها بعض التغييرات بناء على ذلك؛ لتناسب رؤيته الجديدة في هذه الأسطورة في صياغتها بمسرحيته هذه.فأوديب في مسرحية “الملك أوديب” للحكيم لم تكن المصائب التي وقعت عليه بتدبير من الآلهة الوثنية، بل بتخطيط بشري من الكاهن تريزياس لأهداف في نفسه، ومن هنا فالحكيم يعيد النظر في الأسطورة، وكذلك يزيل عنها بعض الخوارق التي رويت بها.ونرى في الفصل الثالث من هذه المسرحية محاولة من الحكيم لإعادة تغيير جوانب في هذه الأسطورة، فهو يدير فيه حوارًا ذهنيًّا طويلاً عن الصراع بين الحقيقة والواقع، ويحاول أوديب أن يتجاهل حقيقة أنه تزوج من أمه دون علمه، وأنه قتل أباه دون أن يدري أنه أبوه؛ يحاول أوديب بعد أن عرف كل هذا أن يتجاهله؛ ليستمر واقعه سعيدًا؛ ولهذا يطلب إلى جوكاستا أمه وزوجه في الوقت نفسه أن تغض الطرف عن الحقيقة المكتشفة، وأن يواصلا حياتهما السعيدة كما كان حالهما قبل اكتشافها، ولكن جوكاستا لا تقتنع بنقاشه عن هذا الأمر، وتخضع لجبروت الحقيقة، وتنهي حياتها بالانتحار، وعند ذلك يدرك أوديب أن الحقيقة المكتشفة قد قهرت واقع أسرته، وآن له أن يستسلم لها، فيفقأ عينيه، ويستعد لحياة التشرد مطرودًا خارج وطنه ثيبة؛ لأن هذا هو عقاب قاتل لايوس الذي قتله من قبل دون علمه أنه أبوه.ولا نرى حيوية في الحوار الذهني الطويل الذي أداره الحكيم في الفصل الثالث من هذه المسرحية، ولكنه حوار يوقف حركة المسرحية التي انتهى حدثها الأساسي مع نهاية الفصل الثاني باكتشاف أوديب أنه قتل أباه وتزوج أمه دون علمه بذلك، ومع عدم اقتناعنا بهذا الحوار الذهني الذي أجراه الحكيم في الفصل الثالث من هذه المسرحية عن الواقع والحقيقة– فإننا نراه به قد عالج هذه الأسطورة من خلال إعادة النظر فيها، وإعادة تفسيرها.
(7)
ومن صور تعامل توفيق الحكيم مع الأسطورة أننا نراه يُوَلِّدُ منها أحداثًا جديدة من خياله، كما فعل في مسرحية “شهرزاد”، فهو فيها يصوغ أحداثًا من خياله بعد أن فرغت شهرزاد من حكاياتها التي استمرت ألف ليلة وليلة، والأحداث الجديدة التي يذكرها الحكيم في هذه المسرحية وهي من تأليفه تتلخص في أن حكايات شهرزاد قد أثرت في شهريار، فترك متع الجسد والغرائز واهتم بالمعرفة، وحاول أن يشبع نهمه الشديد للمعرفة بالسحر ثم بالسفر، وحين يئس من خلال هذه الوسائل في الوصول للمعرفة الكبيرة التي يسعى لها لجأ للحشيش والخمر، وتخيل أنه في سكره وغياب وعيه قد حقق مطامحه في المعرفة وفي التخلص من الجسد والمادة والمكان، ولكن هذا لم يحدث، كما أنه لم يعد يرضى بما ناله من المعرفة، فكان لهذا استمرار سعيه لها، وللتخلص من القيود التي تحول بينه وبينها، كالمادة والجسد والمكان.
(8)
وهكذا رأينا الحكيم يتعامل مع الأسطورة في مسرحياته بأساليب مختلفة من أجل أن تناسب الأفكار التي يرغب في بثها في المسرحيات التي تكون هذه الأساطير الشكل الخارجي لها.


