مدير النشر : عبد الحق بلشكر

أصيلة تحتفي بالشعر العربي وتتوج عراقيا ومغربيا بجائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب
توجت مؤسسة منتدى أصيلة الشاعر العراقي زين العابدين المرشدي والشاعر المغربي أبو بكر المليتي بجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب في دورتها الثامنة، مناصفة، خلال حفل احتضنته مدينة أصيلة، السبت، ضمن فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والأربعين، في مناسبة احتفالية أعادت التأكيد على مكانة الشعر في المشروع الثقافي للمدينة، ودور الجائزة في اكتشاف الأصوات الإبداعية العربية الجديدة.
وشكل الحفل، الذي تخللته قراءات شعرية للفائزين بمشاركة الشاعرة المغربية إكرام عبدي، المتوجة بالجائزة سنة 2008، مناسبة لاستحضار الإرث الأدبي للشاعر العراقي بلند الحيدري، الذي تتزامن الدورة الحالية مع الذكرى المئوية لميلاده، فضلا عن إبراز مسار الجائزة التي استطاعت، منذ تأسيسها سنة 2000، أن تساهم في التعريف بعدد من الشعراء الذين أصبحوا لاحقا أسماء بارزة في المشهد الثقافي العربي.

وجاء تتويج المرشدي والمليتي عقب مداولات لجنة تحكيم ضمت نقادا وشعراء من بلدان عربية مختلفة، درست خلالها خمس عشرة تجربة شعرية شابة من سبع دول عربية، قبل أن تستقر على منح الجائزة مناصفة للشاعرين، تقديرا لنضج تجربتيهما وخصوصية اشتغالهما على اللغة والصورة الشعرية.
ماجدولين: الجائزة دفاع عن الشعر في زمن تراجع حضوره
وفي كلمة تقديمية، أكد الناقد والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، شرف الدين ماجدولين، أن جائزة بلند الحيدري لا تقتصر على تكريم شاعرين شابين، بل تشكل أيضا وفاء لاسم أدبي كبير، حرصت مدينة أصيلة ومنتداها الثقافي على تخليد مكانته في تاريخ الشعر العربي الحديث.
واعتبر ماجدولين أن الجائزة تستمد أهميتها من دفاعها عن الشعر في مرحلة يعرف فيها هذا الفن تحديات متزايدة، بفعل التحولات التي طرأت على النشر والجوائز الأدبية، وتراجع اهتمام الجمهور بالقصيدة، مقارنة بالمكانة المركزية التي احتلها الشعر عبر قرون طويلة باعتباره «ديوان العرب».
وأوضح أن الرهان الأساسي للجائزة يتمثل في تحفيز التعبير الشعري، وتشجيع المبدعين الشباب، والعمل على إيصال تجاربهم إلى أجيال جديدة من القراء، بما يضمن استمرار حضور الشعر داخل المشهد الثقافي العربي.
وأشار ماجدولين إلى أن الجائزة بلغت، بعد دورات متعاقبة، مرحلة من النضج والتراكم، بعدما ساهمت في بروز أسماء شعرية أصبحت اليوم مرجعا في التجربة الأدبية العربية، بل إن بعض المتوجين بها تحولوا إلى نقاد ومحكمين وخبراء يساهمون بدورهم في تقييم الأعمال الشعرية الجديدة.
البطيوي: نراهن على اكتشاف المواهب وصون شغف البدايات
من جانبه، هنأ حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، الشاعرين المتوجين، مستحضرا الظروف التي أحاطت بميلاد الجائزة، والعلاقة الخاصة التي جمعت الراحل محمد بن عيسى بالشاعر العراقي بلند الحيدري.
وأوضح البطيوي أن تخصيص جائزة للشعراء العرب الشباب ينطلق من الرغبة في رعاية الشغف الأول بالكتابة الشعرية، والحفاظ على تلك اللحظات الإبداعية التي غالبا ما تتميز بالصدق والعفوية والاندفاع نحو اكتشاف الذات والعالم.
ولفت إلى أن عددا من الأدباء، سواء في المشرق أو المغرب، يبدأون مساراتهم بالكتابة الشعرية، قبل أن ينتقل بعضهم إلى أجناس أدبية أخرى أو إلى البحث الأكاديمي والنظري، دون العودة إلى تجاربهم الشعرية الأولى، التي تستحق، بحسب تعبيره، الرعاية والتشجيع.
وشدد الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة على أن الجائزة لا تستهدف مجرد الاحتفاء بمنجز شعري، وإنما تسعى إلى منح أصحابه فرصة الظهور والاعتراف، وتحفيزهم على مواصلة مغامرة الكتابة والإبداع.
وأعرب البطيوي عن اعتزازه بالمكانة التي بات يحتلها عدد من الفائزين السابقين، مؤكدا أن أغلبهم أصبحوا أسماء وازنة في الشعر العربي المعاصر، وهو ما يعكس أهمية المبادرات الثقافية التي تستثمر في المواهب الشابة وتواكب تطورها.
لجنة التحكيم: نضج تجربة المليتي وتجديد المرشدي للغة الشعرية
وفي عرضه لتقرير لجنة التحكيم، أكد الشاعر والروائي المغربي ياسين عدنان أن الدورة الثامنة تكتسي رمزية خاصة، لتزامنها مع مئوية ميلاد بلند الحيدري سنة 1926.
واستعاد عدنان تجربته الشخصية مع الجائزة، مشيرا إلى أنه كان قبل 23 سنة شاعرا في بداية مساره الأدبي عندما توج بها سنة 2003، قبل أن يعود إليها اليوم من موقع تقديم تقرير لجنة التحكيم، في انتقال يعكس استمرارية الجائزة وتعاقب الأجيال داخلها.
وضمت اللجنة منصف الوهايبي من تونس، وعادل ضرغام من مصر، وفاضل السلطاني من العراق، وفيوليت أبو الجلد من لبنان، وعبد الله صديق من المغرب، إلى جانب حاتم البطيوي، فيما تولى الناقد والأكاديمي المغربي شرف الدين ماجدولين تنسيق أشغالها.
وأوضح عدنان أن اللجنة درست خمس عشرة تجربة شعرية شابة من المغرب ومصر ولبنان وسوريا والعراق وتونس والكويت، قبل أن تتفق على تتويج الشاعر المغربي أبي بكر المليتي والشاعر العراقي زين العابدين المرشدي مناصفة.
وبخصوص تجربة المليتي، أبرز تقرير اللجنة أن الشاعر استطاع بناء مشروع شعري يتميز بالنضج والتماسك، كما يتجلى في ديوانيه «في عينيك توجد المقاهي» و«خسارة بـ Mini jupe وجوارب طويلة».
واعتبرت اللجنة أن المليتي يكتب انطلاقا من تجربة شخصية صادقة، بعيدا عن القوالب الجاهزة والتصورات المسبقة، وقد نجح في التحرر من تأثير التجارب الشعرية السابقة، من خلال تطوير حساسية فنية خاصة تنصت إلى تفاصيل عالمه اليومي.
وسجل التقرير أن لغته الشعرية شهدت تطورا لافتا، انتقل فيه من الاسترسال التأملي إلى اقتصاد لغوي أكثر كثافة ورشاقة، يقوم على الجمل القصيرة والمبتورة أحيانا، ويمنح التفاصيل اليومية البسيطة أبعادا شعرية جديدة، بعيدا عن الزخرفة البلاغية والتكلف المعجمي.
أما الشاعر العراقي زين العابدين المرشدي، صاحب ديوان «طفل الرعاة»، فقد أشادت اللجنة بامتلاكه أدوات فنية متميزة، وقدرته على استثمار أنماط مختلفة من التراث الشعري العربي، وإعادة صياغتها ضمن تجربة حديثة تتسم بالجدة والطزاجة.
واعتبرت أن المرشدي لا يكتفي باستعادة الأشكال الشعرية الموروثة، بل يعمل على إعادة توظيفها في بناء نصوص تتجاوز التصورات التقليدية، مستعينا بالمفارقة بوصفها أداة فنية تدفع القارئ إلى إعادة اكتشاف ذاته والعالم المحيط به.
ورأت اللجنة أن التجربتين، رغم اختلاف منطلقاتهما الجمالية وأساليبهما التعبيرية، تلتقيان في السعي إلى تجديد الكتابة الشعرية العربية، والبحث عن لغة قادرة على التعبير عن أسئلة الإنسان المعاصر.
ربع قرن من اكتشاف الأصوات الشعرية العربية
وتعد جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب من المبادرات الأدبية التي حرص منتدى أصيلة على استمراريتها منذ إطلاقها سنة 2000، في إطار انفتاحه على التجارب الإبداعية العربية، وسعيه إلى توفير فضاء للاعتراف بالمواهب الجديدة.
وشهدت الدورة الأولى تتويج الشاعر المغربي عبد السلام الموساوي والمصري أحمد بخيت، قبل أن تؤول الجائزة في دورتها الثانية سنة 2003 إلى المغربي ياسين عدنان والعراقي علي الشلاه.
وفي الدورة الثالثة سنة 2008، تقاسمت الجائزة المغربية إكرام عبدي والإماراتية خلود المعلا، بينما شهدت دورة 2011 تتويج المغربي عبد الرحيم الخصار والكويتي محمد هشام المغربي.
أما الدورة الخامسة سنة 2015، فقد منحت للمغربية سكينة حبيب الله والأردني عبد الله أبو بكر، فيما تقاسم جائزة الدورة السادسة سنة 2018 المغربية نسيمة الراوي والتونسي محمد العربي.
وشهدت الدورة السابعة تتويج المصرية نهاد ذكي والمغربي عمر الراجي، قبل أن ينضم الشاعران زين العابدين المرشدي وأبو بكر المليتي إلى قائمة المتوجين في الدورة الثامنة، ليرتفع بذلك عدد الفائزين بالجائزة منذ تأسيسها إلى ستة عشر شاعرا وشاعرة.
وبتتويج شاعرين من العراق والمغرب في دورتها الثامنة، تجدد جائزة بلند الحيدري رسالتها الثقافية القائمة على مد الجسور بين المشرق والمغرب، وترسيخ مكانة الشعر باعتباره أحد أبرز أشكال التعبير الإنساني، في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه القراءة والإبداع الأدبي.
كما يؤكد استمرار الجائزة، بعد أكثر من ربع قرن على تأسيسها، حرص مؤسسة منتدى أصيلة على صون إرثها الثقافي، ومواصلة الرهان على الأجيال الجديدة من الشعراء، بما يحفظ للشعر العربي حضوره وقدرته على التجدد.


