المطربة السورية: مها الجابري، التي لُقّبت بـ”أم كلثوم سوريا” و”سلطانة الطرب” و”سوبرانو الشهباء”. رحلت في صمتٍ عام 1982م – مشاركة: سمر عزيز.

مها الجابري.. “أم كلثوم سوريا”

في زاويةٍ منسيةٍ من ذاكرة الطرب العربي، يسكن صوتٌ دافئٌ قويّ، صوتٌ لو أنصفته الأيام لتربّع على عرش الغناء العربي إلى جانب كبار الأسماء. إنها المطربة السورية مها الجابري، التي لُقّبت بـ”أم كلثوم سوريا” و”سلطانة الطرب” و”سوبرانو الشهباء”، ورحلت في صمتٍ عام 1982 عن خمسين عاماً، تاركةً وراءها إرثاً فنياً استثنائياً ما زال محفوظاً في أرشيف إذاعتي دمشق وحلب، وشاهداً على عبقرية صوتٍ لا يتكرر.

في عام 1932، أبصرت ميسر الجابري النور في مدينة حلب، تلك المدينة التي أنجبت عمالقة الطرب العربي. وفي بيئةٍ ثقافيةٍ عريقة، نشأت الفتاة الصغيرة برعاية والدها عادل الجابري الذي كان أول من اكتشف جمال صوتها وطبقاته الواعدة. وما إن بدأت رحلتها مع الموسيقى حتى وجدت نفسها غارقةً في بحرٍ من الموشحات والقدود الحلبية والقصائد الغنائية، تتتلمذ على أيدي شيوخ الطرب في حلب، وتنهل من معين التراث العربي الأصيل.

تعلمت مها الجابري العزف على آلة العود بمهارةٍ لافتة، وحفظت الكثير من الشعر العربي القديم، وأجادت فنون الغناء العربي الصعبة من موشحاتٍ وأدوارٍ وقصائد، لكنها رغم هذا التأهيل الرفيع، لم تفكر يوماً في احتراف الغناء. كانت تكتفي بممارسة فنها هوايةً في السهرات العائلية ومع الصديقات، وكأنها كانت تدخر صوتها للحظةٍ قدريةٍ لم تكن تعلم أنها على وشك الحدوث.

جاءت لحظة التحول في عام 1956، حين كان الفنان السوري الراحل شاكر بريخان يعمل مخرجاً إذاعياً في إذاعة حلب، ويشرف على برنامج “سهرة الميكرفون” الذي يقدّم المواهب الغنائية. كان إلى جانبه موسيقيان بارعان هما عزيز غنام وإبراهيم جودت، حين وصل إلى مسامعهم جميعاً خبر ذلك الصوت الآسر لابنة حلب. لم يتردد الثلاثة في زيارة ميسر الجابري في منزلها، وهناك سمعوا صوتها عن قرب، فأُعجبوا أيما إعجاب، وأقنعوها بالمشاركة في البرنامج. وكانت تلك هي الانطلاقة التي أطلق عليها اسمها الفني مها الجابري، ليبدأ بعدها مشوارٌ فنيٌ استثنائيٌ لم يشهد له تاريخ الغناء السوري مثيلاً.

مع بدء إرسال التلفزيون السوري عام 1960، انتقلت مها الجابري من حلب إلى دمشق لتقدّم غناءها عبر الإذاعة والتلفزيون معاً. وكان الموسيقار سليم سروة أول من تعاون معها، لتقف إلى جانب عمالقة الطرب السوري آنذاك: صباح فخري، ومحمد خيري، وصحر، ومصطفى ماهر، تشدو بصوتها الساحر أعذب الأغنيات والموشحات والقدود الحلبية.

تميّزت مها الجابري بصوتٍ من طبقة السوبرانو، وُصف بأنه “جميل، دافئ، قوي، شجيّ، صادح، متميز بالعذوبة والصفاء”. هذا الصوت الاستثنائي مكّنها من البراعة في أداء أصعب قوالب الغناء العربي باقتدار، وبشكلٍ خاص الدور والقصيدة والموشح والقدود الحلبية، تلك القوالب التي لا يستطيع أداءها إلا من امتلك حنجرةً استثنائيةً وتدريباً صارماً. وكان من أبرز سمات مسيرتها الفنية أنها رفضت رفضاً قاطعاً الغناء في الملاهي الليلية، كما رفضت تقديم الألحان المبتذلة والتجارية، مصدقةً مع نفسها، حريصةً على فنها الرفيع المستوى ومسيرتها الراقية. هكذا اختارت مها الجابري أن تكون صوتاً للطرب الأصيل، لا للتسلية العابرة.

ما إن ذاع صيت صوتها حتى توالى كبار الملحنين السوريين والعرب على التعاون معها. لحّن لها معظم كبار الموسيقيين السوريين، ومنهم: سليم سروة الذي لحّن لها 32 لحناً، من أبرزها قصيدة “شكونا إلى أحبابنا” التي وصلت فيها إلى ذروة الإبداع، وقصيدة “أنت يا حبيبي”، وأغنية “يا عاشقي يا ساكب العبرات”. وإبراهيم جودت الذي قدّم لها أغنيتها الشهيرة “شو بيصعب عليّ” التي حققت بها نجاحاً كبيراً وشهرة واسعة، وقصيدة “أساء فزادته الإساءة حظوة” من شعر أبي فراس الحمداني. وأمين الخياط الذي لحّن لها محاورة غنائية بعنوان “كلما تخطر على بالي” وأغنية “بلد العز يا بلدي”. ومحمد محسن الذي قدّم لها قصيدة “أبداً تحنّ إليكم الأرواح” للشاعر العباسي شهاب الدين السهروردي وأغنية “بالله يا دار”. وزهير عيساوي بأغنيتي “كتير علينا لو حبينا” و”الحبايب”. وعبد الفتاح سكر وسعيد قطب وسمير حلمي وفؤاد محفوظ وياسر المالح وعدنان أبو الشامات وغيرهم الكثير.

ولم يقف الأمر عند حدود سوريا، بل امتد ليشمل ملحنين من لبنان: شفيق أبو شقرا بأغنية “فرشوا لي الطريق أزهار”، ومصطفى كريدية بأغنية “في شرع الله”، وعفيف رضوان بأغنيتي “لا نصحني” و”مشيتوا وما طلعتوا”. كما لحّن لها ملحنون من الأردن وفلسطين والعراق والكويت: جميل العاص (الأردن) بأغنية “سوف نثأر”، ورياض البندك (فلسطين) بأغنية “الحلم الغريب” من كلمات مصطفى محمود، وعلاء كامل (العراق) بأغنية “بلادي”، ومحمود الكويتي (الكويت) بأغنية “باز في نهر”.

وربما كان التتويج الأكبر لموهبتها الاستثنائية هو أنها المطربة السورية الوحيدة التي لحّن لها كبار الملحنين المصريين، دون أن تتخلى عن هويتها الفنية السورية، إذ جاءت ألحانهم إعجاباً بصوتها: سيد مكاوي لحّن لها قصيدتين من نظم الشاعر السوري بدوي الجبل، هما “مواطن النجوم” (سُجلت في القاهرة بتاريخ 20 يناير 1977) و”سقى الله عند اللاذقية”. وبليغ حمدي قدّم لها أغنية “ارحمني يا قلبي” من كلمات مأمون الشناوي. ومحمد الموجي لحّن لها أغنية “صعبان عليك” من كلمات فوزي المغربي. وعبد العظيم محمد كان أكثر الملحنين المصريين تلحيناً لها، إذ قدّم لها ثلاث أغنيات: “الوحدة” عن وحدة سورية ومصر، و”أخدوه وفاتوه”، و”من جنتي خدوك”. هذا التعاون النادر يعكس المكانة الاستثنائية التي بلغها صوتها في الوجدان العربي، حتى إن كبار ملحني مصر الذين كانوا يتسابقون للعمل مع نجوم الصف الأول من المطربين والمطربات، وجدوا في صوت مها الجابري ما يستحق عناء التعاون مع مطربة من خارج منظومتهم الفنية.

كان للموشحات مكانةٌ خاصةٌ في مسيرة مها الجابري، فقد غنّت العديد منها، ومن أبرزها ستة موشحات من نظم الشاعر حامد حسن ومن تلحين عدنان أبو الشامات، هي: “إن في جنباي قلباً متعباً”، و”داعب العود وغنّى”، و”صاحب الوجه المليح”، و”الورد بخدك والخجل”، و”طالما أسهرت عيني”، و”هللي للنور”كما غنّت ثلاثة موشحات مجهولة الوشّاح لحنها لها محمد محسن، هي “شابة البدر” و”رماه ساحر القد” و”ألا أيها البيت”، وكان من المقرر أن تغنيها ضمن مسلسل تلفزيوني لولا أن رحيلها حال دون ذلك.

ولم تبتعد مها الجابري عن هموم وطنها، فقد قدّمت العديد من الأناشيد الوطنية، منها نشيد “جيش التحرير” من كلمات صلاح الدين الحسيني وتلحين نجيب السراج، ونشيد “الجزائر” من كلمات مفدي زكريا وتلحين محمد فوزي، و”ذكرى ميسلون” من كلمات عمر أبو ريشة وتلحين نجيب حنكش.

لم تقتصر موهبة مها الجابري على الإذاعة والتلفزيون، بل امتدت إلى السينما أيضاً، فشاركت في الفيلم المصري “لقاء في الغروب” عام 1960، لتكون واحدة من الأصوات السورية القليلة التي وصلت إلى الجمهور العربي عبر الشاشة الفضية. كما شاركت في العديد من المهرجانات العربية والعالمية ممثلةً سوريا، فنالت النجاح والإعجاب وشهادات التقدير.

في السنوات الأخيرة من حياتها، عانت مها الجابري من الإهمال بعد أن كانت نجمةً لامعةً في سماء الطرب العربي. أمضت سنواتها الأخيرة وحيدةً في منزلها مع آلة التسجيل، تستمع إلى أعمالها وتسترجع ذكريات الزمن الجميل. وفي السابع عشر من آب (أغسطس) عام 1982، أسدل الستار على حياة هذه المطربة العظيمة عن خمسين عاماً فقط، تاركةً أجمل الأعمال وأعذب الذكريات، وما زال أعبق أعمالها يتردد صداه في أرشيف المكتبة الغنائية السورية والعربية.
يصعب حصر الأعمال الكاملة للمطربة مها الجابري، لكن من أبرز أغانيها التي ظلت خالدة في الذاكرة العربية: “شو بيصعب عليّ”، و”كتير علينا لو حبينا”، و”الحبايب” (التي أعاد غناءها لاحقاً الفنان جورج وسوف بتوزيع جديد)، و”بالله يا دار”، و”مواطن النجوم”، و”قلب الصخر حن ولان”، و”أسمر خمري”، و”طوّل بالك”، و”حبك في قلبي”. كما أدّت باقتدار عدداً من روائع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، مثل قصائد “أراك عصي الدمع” و”رباعيات الخيام” و”يا جارة الوادي”، وأدّت دوري “يا بديع الحسن” و”يا ما أنت وحشني”.

في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وقلّ فيه الإتقان، يظل صوت مها الجابري شاهداً على عصرٍ ذهبيٍ من الطرب العربي الأصيل، عصرٍ كانت فيه الكلمة واللحن والأداء أدواتٍ لصناعة الجمال الخالد. وكما قال عنها النقاد: “كانت من أبرز الأصوات النسائية السورية التي حافظت على طابع الأغنية السورية الأصيلة، ونافست في عصرها ملكات الطرب العربي”. رحلت مها الجابري بجسدها، لكن صوتها ما زال حياً، يذاع بشكل شبه يومي في إذاعتي دمشق وحلب وإذاعة بيروت والشرق الأدنى وإذاعة لندن – القسم العربي، شاهداً على أن الفن الأصيل لا يموت، وأن الطرب الحقيقي لا يعرف الزوال.

سوريات_souriat

سمر عزيز

أخر المقالات

منكم وإليكم