الشام بين حكمة التاريخ وبناء الغد..في ميزان الوعي.. – بقلم محبكم الفقير إلى رحمة ربه: محمد مصطفى الضو.

في ميزان الوعي.. الشام بين حكمة التاريخ وبناء الغد
سنوات طوال مضت وأنا عاكفٌ عن الكتابة في الشأن العام لوطني، نزولاً عند نصيحة غالية من محبٍّ قال لي يوماً: “من أراد أن يمسك بالقلم ليحلل واقعاً، فعليه أولاً أن يجثو بين يدي التاريخ ليقرأه بعمق، ويجمع تقاطعاته؛ فالتاريخ غالباً ما يكتبه الأقوياء والمنتصرون، والحذر في تفكيك سطوره واجب.” وبالفعل، أحجمتُ أعواماً، لا خوفاً ولا زهداً، بل خشية أن أظلم الحقيقة.
ولكن.. ثمة لحظات في تاريخ الأمم يكون الصمت فيها خذلاناً. واليوم، أجدني مدفوعاً بمسؤولية الكلمة لأضع بعض النقاط على الحروف؛ لنقول لمن يسمعنا ويمنحنا ثقته: إن المرحلة التي نمر بها حساسة وخطيرة، وتحتاج من الوعي والحكمة ما يتجاوز في حجمه وراسيته مجموع الجبال الراسيات في بلادي.

الحلم والتركة الثقيلة
إن حكومتنا المؤقتة الحالية هي حلمٌ تمنّيناه طويلاً، وحلمٌ كلفنا دفع أثمان باهظة من دمائنا وأرواحنا حتى غدا حقيقة، وحين يتحقق الحلم.. فالتمسك بالنواجذ واجب شرعي ووطني.
نحن نعلم، ولا نُنكر، أن هذه الحكومة قد ورثت تركةً ثقيلة جداً من الركام والخراب، في وقتٍ يئن فيه شعبنا وأهلنا تحت وطأة إرهاق السنين. والجمع بين قيادة تركة متهالكة وشعب متعب هو “شأن عظيم” وحملٌ يهدّ الجبال.. فأعان الله من تصدى له، ولن نكون له اليوم إلا عوناً وسنداً، لا عبئاً وسكيناً.

جدلية القصاص والبيعة
قد نقع جراء العاطفة في جدلية خطيرة بين “القصاص والبيعة”.. ولستُ أبرّئ نفسي، فأنا واحدٌ من أصحاب الدم في هذا الوطن، ولكن إلى جواري أكثر من مليون صاحب دم وطالب ثأر. لذا، وجب علينا عقلانياً وعقدياً أن نكل الأمر لأهله؛ فهو قصاصنا جميعاً، لكننا بايعنا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، ولا رجوع عن بيعتنا. ولْيعلم كل من شذّ أو انحرف عن هذا العهد، أنه قد يغدو بعيداً عن الحق، وربما يكون بتهوره سبباً في تضييع الدم الذي يطالب به.

البناء: مركزية الإدارة ولامركزية الأثر
إن بناء الوطن مسؤولية تقع على عاتق الجميع. وإذا كانت المركزية في الإدارة ضرورة ملحة لضبط بوصلة الدولة، فإن “العمل اللامركزي المنسق” مع أصحاب الشأن هو ملاذنا الوحيد للنهوض سريعاً.
لِيَعمل كلٌ منا في محيطه، وبأقصى طاقته، ولا يقصّرنّ أحد، فهذا هو عين العمل والجهاد ولا سبيل سواه. نعلم أن العالم كله اليوم غير راضٍ عن نصر الشام وأهلها، ولكن العبرة ليست برضاهم؛ فالله سبحانه قد تعهد لحبيبه المصطفى بالشام وأهلها، فلا يخشَ أحدٌ منكم عليها، بل ارفعوا سواعدكم واعملوا دون توقف.

وأد الفتنة.. والضرب بيد القانون
“الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها”
ومن أيقظها في هذا التوقيت الحرج، يجب أن ينام؛ إما مؤقتاً خلف قضبان المحاسبة، أو نومة أزلية إن أراد هدم الهيكل على رؤوس الجميع. فلا مكان ولا مجال للفتنة بيننا؛ نحن شعبٌ صَدَّر الأبجدية للعالم، وعَلّم البشرية كيف تقرأ، ولسنا بحاجة لمن يعلمنا الحضارة.. وإن أولى قواعد الحضارة اليوم هي: وأد الفتن في مهدها.
نعلم، ونبصر، أن بيننا ومنا من لا يروق له ما حدث في الوطن من تحرير، ولا يعجبه ما يرى من إعادة بناء. وهناك فساد متجذر كامن تارة، وظاهر تارة أخرى. فلنكن نحن “الترياق” لهذا الوباء.. بالوعي، بالحذر، وباللجوء إلى القانون؛ علّ الروح تعود إلى جسد مؤسساتنا، ليكون القانون هو مرجعنا السامي الذي نحتكم إليه جميعاً. أما الحقد والحسد والغيرة، فهي أمراض بشرية لن تنتهي، لكننا قادرون على تقنينها وضبط حامليها بسلطة القانون حيناً، وبالردع حيناً آخر.. ولكن دوماً تحت مظلة الدولة.

ختاماً..
هذا الكلام لا يعني أبداً أننا سنسكت عن خطأ، أو نغلق أعيننا عن تقصير؛ ولكن خطأ التدبير في مقابل الفتن هو أمرٌ “مؤجل” حتى نستقر، والخطأ في مقابل وضع العصي في عجلات التنمية هو أمرٌ “سيُنسى ويُغتفر”، فمن يعمل يُخطئ، ومن لا يعمل لا يخطئ.
عاشت شام الرسول حرة أبية، وأبقاها الله منارة للأمم.
ودمتم سوريين مخلصين لشامكم، وشام رسولكم ﷺ.

محبكم الفقير إلى رحمة ربه – محمد مصطفى الضو

أخر المقالات

منكم وإليكم