الخطاط العراقي: ابن البواب ( هو أبو الحسن علي بن هلال البغدادي ).. الذي صنع جمال الحرف العربي- مشاركة: واصف أبو عجمية.

ابن البواب.. الخطاط الذي صنع جمال الحرف العربي

واصف أبو عجمية

إحدى مخطوطات ابن البواب (مواقع التواصل)
  • الخطاط ابن البواب

هو أبو الحسن علي بن هلال البغدادي، أحد كبار الخطاطين في تاريخ فن الخط العربي، والرجل الذي أحدث نقلة حقيقية في جمال الحرف العربي بجميع أنواعه المعروفة آنذاك، بعد أن وسع القواعد التي وضعها ابن مقلة وهذبها.

عاش في بغداد خلال العصر العباسي، وتوفي عام (413 هـ / 1022)، ولقب بـ”ابن البواب” لأن والده كان يعمل بوابا.

قيل: إذا كان ابن مقلة هو من وضع القواعد الهندسية للخط باعتماده معيار النقطة في قياس أبعاد الحروف، فإن ابن البواب هو من نفخ الروح والجمال في هذه القواعد.

لقد أخذ خط ابن مقلة الجاف والهندسي الصارم، وأضاف إليه مرونة ورشاقة وعذوبة.

بدأ ابن البواب حياته المهنية بسيطا، فعمل نقاشا ومزوقا ورساما ومزينا للكتب والبيوت والجدران.

وقد منحت هذه المهنة عينه حسا جماليا، وعلمته التوازن بين الرسم والفراغ والألوان.

ويقال إنه درس الخط على يد أخت الخطاط الشهير الوزير ابن مقلة، أو على يد تلاميذها، وتأثر عميقا بهذه المدرسة الخطية.

تولى ابن البواب إمامة جامع المنصور في بغداد، ولم يكن خطاطا فحسب، بل كان أديبا وشاعرا، وجمع شيئا حسنا في علوم الدين والعربية. كما عمل ورّاقا ينسخ الكتب ويصححها، وكان مسؤولا عن مكتبة بهاء الدولة بن عضد الدولة في شيراز.

لم يبخل ابن البواب بعلمه، إذ ترك منظومة شعرية شهيرة من بحر البسيط، تعرف بـ”الرائية” أو “قصيدة ابن البواب في الخط”، يشرح فيها أدوات الكتابة وكيفية إعداد القلم والحبر

الأقلام الستة

جوّد ابن البواب الأقلام الستة: الثلث، والنسخ، والتوقيع، والمحقق، والريحاني، والرقاع. وفي سبك الحروف، تميزت حروفه بالاتساق التام، وإعطاء كل حرف حقه من المد والرفع والتدوير، حتى قيل إن خطه “يرقص عين القارئ”.

وكان أول من جعل خط النسخ خطا مستقلا، جميلا وعمليا، لكتابة المصاحف والكتب.

ومن آثاره تحفته الخالدة: مصحف تشيستر بيتي. فرغم أنه كتب مئات المصاحف والكتب، وبيع بعضها في زمانه بأسعار خيالية للملوك والأمراء، فإن ما نجا من خط يده بدقة يقينية لم يكن سوى مصحف واحد فريد، هو مصحف بغداد (391 هـ / 1001)، الذي كتبه بالخطين الريحاني والمحقق، مع استخدام خطوط أخرى للعناوين.

ويعد هذا المصحف ثورة في عالم المخطوطات، فهو أول مصحف يكتب على الورق، وليس على رق الغزال، بخط منسوب رشيق، وجاءت زخارفه وتذهيبه في قمة الإبداع والدقة.

ويحتفظ بهذا المصحف التاريخي اليوم بوصفه أحد أثمن مقتنيات مكتبة تشيستر بيتي في دبلن بأيرلندا.

أرسى ابن البواب منهجا تعليميا وفنيا انتقل عبر الأجيال، وعبر العواصم الإسلامية الكبرى، ومنها:

  • المدرسة العراقية: بقيت بغداد بفضله عاصمة الخط الأولى لقرون، وتتلمذ على طريقته كبار خطاطي العراق، حتى ظهر ياقوت المستعصمي، الذي رفع أعمدة مدرسة ابن البواب.
  • المدرسة الشامية والمصرية: انتقلت تراكيبه وإملاءاته الخطية إلى دمشق والقاهرة خلال العهدين الأيوبي والمملوكي، واعتمد خطاطو الشام ومصر طريقته في تزيين المساجد والمصاحف المملوكية الضخمة.
  • المدرسة الإيرانية (الفارسية): رغم تطويرهم لاحقا خطي التعليق والنستعليق، فإن قواعد ابن البواب في خطي الثلث والنسخ ظلت المرجع الأول للخطاطين الفرس في كتابة النصوص الدينية وتزيين العمارة الإسلامية.

رحل ابن البواب بعد أن نقل الخط العربي نقلة حسنة إلى فن بصري رفيع وخالد، يمتد أثره من المخطوطات العباسية القديمة إلى واجهات المساجد الحديثة وقاعات الفنون في شتى بقاع العالم الإسلامي

القصيدة الرائية في صناعة الخط

لم يبخل ابن البواب بعلمه، إذ ترك منظومة شعرية شهيرة من بحر البسيط، تعرف بـ”الرائية” أو “قصيدة ابن البواب في الخط”، يشرح فيها أدوات الكتابة وكيفية إعداد القلم والحبر، ومنها قوله موصيا الخطاط:

يا من يشيد بلاغة الخط الذي .. أضحى بهيا أنيق المنظر

إذا جوّدت قلمك فيما تبتغي .. تبقى النقوش على المدى الأعصر

واجعل سكينك حادة نظيفة .. تقطع قصبك بالعدل والمقدر

رحل ابن البواب بعد أن نقل الخط العربي نقلة حسنة إلى فن بصري رفيع وخالد، يمتد أثره من المخطوطات العباسية القديمة إلى واجهات المساجد الحديثة وقاعات الفنون في شتى بقاع العالم الإسلامي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة

أخر المقالات

منكم وإليكم