لماذا حذر ابن خلدون من تعليم الفلسفة لعامة الناس؟
تتأسس النظرة الخلدونية على فكرة محورية ترى أن استقرار المجتمعات والعمران يعتمد على منظومة من العقائد والأساطير واليقينيات التي يؤمن بها الجمهور دون تمحيص عقلي. توفر هذه المنظومة إطاراً مرجعياً يضبط السلوك الجمعي ويضمن الطاعة والتماسك. وعند إقحام الفلسفة بأدواتها المنطقية التشكيكية في هذا المجال، تتعرض هذه اليقينيات للتصدع. يمتلك العقل الفلسفي طاقة نقدية تفكك المسلمات، مما يؤدي إلى خلخلة “العصبية” والروابط الروحية التي تمنح المجتمع هويته وقوته التماسكية.
بناءً على هذا التحليل، يشكل تسريب الجدل الفلسفي إلى الشارع خطرا سياسيا واجتماعيا مباشرا في نظر ابن خلدون. يرى أن تعريض العوام للمحاججة المنطقية يسلبهم الطمأنينة النفسية النابعة من التسليم، ويدخلهم في متاهات الشك دون منحهم بدائل يقينية تسند حياتهم اليومية. تصبح الفلسفة هنا معول هدم للروابط الاجتماعية، وتحيل العقائد التي تبني الدول إلى مجرد قضايا احتمالية قابلة للنقض والتفنيد، مما يمهد الطريق للتمرد والانحلال الأخلاقي والسياسي.
هذا الوعي بخطورة احتكاك الفلسفة بالعامة يتقاسمه ابن باجة، لكنه يوجه القلق نحو جهة معاكسة: فبينما ينشغل ابن خلدون بحماية العامة من الفلسفة، ينشغل ابن باجة بحماية الفيلسوف من العامة. تتمحور أطروحته في مفهوم “المتوحد” حول دعوة الفيلسوف إلى العزلة والانفصال الشعوري والجسدي عن المجتمع الفاسد، حفاظا على كماله العقلي وتجنبا للانزلاق في وحل العامة. غير أن ابن خلدون يرفض هذه النزعة الانسحابية، ويصر على ضرورة الانغماس في المجتمع لدراسته وفق شروطه الموضوعية. يرى أن العقل البشري يكتسب قيمته من تفاعله مع النظم الاجتماعية وقدرته على استيعاب تناقضاتها، معتبرا محاولات الفلاسفة فرض المنطق على طبيعة البشر، أو الهرب منها، قصورا في فهم طبائع العمران.
تُبنى رؤية ابن خلدون على إخضاع المعرفة الإبستمولوجية لمتطلبات السوسيولوجيا، بحيث تُمنح سلامة البناء الاجتماعي وبقاء الدولة موقعا يسبق حرية انتشار التفكير العقلاني الصرف. وفق هذا المنظور، تبقى الفلسفة نشاطا نخبويا يُفترض أن يظل محصورا في دوائر ضيقة، تجنبا لآثار قد تُحدث خلخلة في النسيج المجتمعي تحت وطأة الشك والتساؤل المستمر.
#الفلسفة_والمجتمع #علم_العمران #النقد_الاجتماعي#مجلة ايليت فوتو ارت.

