


برج صافيتا.. ذاكرة الحجر وشموخ التاريخ
بقلم نجوى عبد العزيز محمود
في قلب الساحل السوري، وعلى مرتفع صخري يطل على مساحات واسعة من الجبال والساحل، يقف برج صافيتا شامخاً كأنه صفحة مفتوحة من كتاب التاريخ؛ لم يكن البرج مجرد بناء حجري قديم، بل شاهد على قرون طويلة تعاقبت فيها الحضارات والجيوش والزلازل، وبقيت حجارته تحمل آثار تلك الأزمنة حتى يومنا هذا.
موقعه
يقع البرج في مدينة صافيتا التابعة لمحافظة طرطوس، ويرتفع الموقع نحو 419 متراً عن سطح البحر، وهو ما منحه أهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ كان موقعه المرتفع يسمح بمراقبة مساحات واسعة من المنطقة، والتواصل مع عدد من القلاع والحصون المحيطة. وتشير المصادر إلى أن شبكة التحصينات في المنطقة اعتمدت قديماً على الإشارات الضوئية ليلاً والدخانية نهاراً لنقل الأخبار والتنبيه إلى الأخطار. عرف البرج خلال فترة الحروب الصليبية باسم “شاستيل بلانك” (Chastel Blanc)، أي القلعة البيضاء، ويرتبط هذا الاسم بالحجارة الكلسية البيضاء التي شُيّد منها؛ أما اليوم فأصبح اسمه مرتبطاً باسم المدينة نفسها: صافيتا، لم يبقَ من أجزائها اليوم سوى البرج الرئيسي وبعض البقايا، ويعود الشكل الحالي للبرج إلى العصر الصليبي، ولا سيما إلى إعادة البناء التي تمت في مطلع القرن الثالث عشر، لم يكن اختيار موقع البرج في قلب صافيتا مصادفة؛ فقد منحته التلة المرتفعة أهمية استراتيجية كبيرة، فمن هذا الموقع كان بالإمكان مراقبة مساحات واسعة من الساحل السوري والداخل، كما كان البرج جزءً من شبكة من التحصينات التي أقامها الصليبيون في المنطقة، كما أنه لا تزال البدايات الأولى لتاريخ الموقع موضع نقاش؛ فبعض الدراسات تشير إلى وجود أساسات أقدم في الموقع، بينما تبرز المصادر التاريخية بصورة أوضح في فترة الحروب الصليبية. وقد تعاقبت على البرج قوى مختلفة، وكان من بينها نور الدين زنكي وفرسان الهيكل، قبل أن يدخل في العصر المملوكي بعد استيلاء السلطان الظاهر بيبرس عليه سنة 1271م .
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن البرج الحالي يحمل آثار عمليات إعادة بناء متعاقبة، خصوصاً بعد زلازل القرن الثاني عشر، ثم إعادة البناء التي تلت زلزال عام 1202، وهي المرحلة التي ارتبط بها الشكل الأساسي للبرج الذي نراه اليوم.
أكثر ما يلفت النظر في برج صافيتا هو الجمع بين الوظيفة العسكرية والدينية في بناء واحد؛ ففي الأسفل مكان للعبادة، وفوقه مساحة للدفاع والمراقبة، وبينهما تاريخ طويل من الصمود
فالبرج مستطيل وضخم، ويبلغ ارتفاعه نحو 28 متراً، بينما تصل أبعاده إلى نحو 18 متراً عرضاً و31 متراً طولاً، وتصل سماكة جدرانه إلى قرابة ثلاثة أمتار في بعض المواضع.
ويضم الطابق الأرضي كنيسة مكرسة للقديس ميخائيل، ولا تزال مستخدمة من أبناء المجتمع الأرثوذكسي في المدينة، أما الطابق العلوي فكان جزءً من منظومة الدفاع والإقامة، وتظهر فيه فتحات ضيقة كانت تستخدم للرماية والمراقبة، وتحت البرج خزان مياه محفور في الصخر، وهوعنصر بالغ الأهمية في أي حصن يستعد لحصار طويل.
يتألف البرج من مستويات مختلفة، ويتميز ببنائه الحجري الضخم وأقواسه وعقوده، وتوجد في داخله كنيسة، بينما يضم القسم العلوي قاعة واسعة وعناصر دفاعية مثل النوافذ ومرامي السهام، كما تؤدي السلالم إلى السطح الذي يتيح رؤية واسعة للأفق المحيط.
لم يبقَ من القلعة القديمة سوى البرج وبعض الأجزاء والأسوار. ومع مرور الزمن، بدأت المساكن تمتد حول الموقع وضمن أجزاء من أسواره، حتى أصبحت القلعة جزءً لا يتجزأ من النسيج العمراني لمدينة صافيتا.
وهذا ما يجعل العلاقة بين البرج والمدينة فريدة؛ فالبرج لم يبقَ أثراً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل أصبح رمزاً للمدينة وعلامة مرتبطة باسمها وهويتها، إن الحفاظ على برج صافيتا لا يعني حماية مجموعة من الحجارة القديمة فحسب، بل يعني الحفاظ على جزء من الذاكرة التاريخية والثقافية للساحل السوري، فالمعالم الأثرية تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تاريخ المكان بعيداً عن صفحات الكتب وحدها.
إن قيمة برج صافيتا لا تكمن في عمره أو ضخامة حجارة جدرانه فقط؛ فقيمته الحقيقية تكمن في الطبقات التاريخية التي يحملها، فمن موقع ارتبط بحضارات قديمة، إلى حصن صليبي، إلى معلم ديني، ثم إلى رمز من رموز المدينة، ظل البرج حاضراً في ذاكرة صافيتا، يبقى برج صافيتا واحداً من أبرز المعالم التاريخية في الساحل السوري، ورمزاً لمدينة ارتبط اسمها به ارتباطاً وثيقاً، وبين جدرانه السميكة وكنيسته القديمة ونوافذه الدفاعية، يمكن قراءة فصل طويل من تاريخ سورية.


