من روني #جيرار إلى جوزيف #تشابسكي مرورا #ببروست : مسار قريتي إلى تشابسكي وبروست من روني جيرار. كان جيرار قد قرأ «البحث عن الزمن المفقود» وعلاقة بروست ببرغسون والزمن بطريقة بدت لي مختلفة عن القراءات التي اعتدت عليها. فهو لا يكتفي بوضع بروست في خانة تلامذة برغسون، بل يحاول أن يرى ما الذي يختلف عنده.هذا واضح خصوصًا في مسألة الرغبة. جيرار، في «الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية»، يرى أن الرغبة لا تنشأ بين الذات و موضوع الرغبة مباشرة، وإنما تمر غالبًا عبر شخص ثالث : نحن نرغب في شيء لأن شخصًا آخر جعله مرغوبًا في نظرنا. وهذا ما يراه جيرار بوضوح عند بروست: سوان لا يحب أوديت منفصلة عن الصورة التي يصنعها الآخرون عنها، والراوي نفسه لا يتعامل مع جيلبرت باعتبارها موضوع رغبة مستقلًا عن العالم الذي يحيط بها.لكن الأهم بالنسبة إليّ كان حديثه عن الزمن. هناك تقارب واضح بين بروست وبرغسون، لكنهما لا يقدمان التجربة نفسها. الزمن عند برغسون ديمومة مستمرة، بينما يعود الماضي عند بروست في لحظات مفاجئة: طعم، رائحة، حركة، عثرة على حجر. شيء صغير يحدث في الحاضر، فيفتح فجأة على زمن آخر. لذلك فإن استعادة الماضي عند بروست لا تبدو لي امتدادًا هادئًا للزمن البرغسوني، بل أقرب إلى انقطاع فيه.من هنا وصلت إلى #جوزيف_تشابسكي.قبل أن أصل إلى كتابه، توقفت عند سيرته. وُلد تشابسكي سنة 1896 في عائلة أرستقراطية بولندية، ودرس الرسم في وارسو وكراكوف وميونيخ، ثم عاش في باريس. كان رسامًا، لكنه كان أيضًا قارئًا ومثقفًا شديد الصلة بالحياة الثقافية الأوروبية.غيّرت الحرب كل شيء. بعد الغزو السوفياتي لشرق بولندا سنة 1939، أُسر تشابسكي، وكان ضابطًا احتياطيًا في الجيش البولندي، ونُقل إلى معسكر ستاروبيلسك ثم إلى غريازوفيتز. هناك، وسط البرد والجوع والانتظار، بدأ الأسرى ينظمون محاضرات لبعضهم بعضًا. تشابسكي اختار أن يتحدث عن #بروست.لم تكن لديه نسخة من الكتاب، لذلك تحدث عنه من الذاكرة.يصعب ألا أتوقف عند هذه التفاصيل : رجل في معسكر سوفياتي، لا يعرف ما الذي ينتظره، يجلس ليتحدث إلى رفاقه عن «#البحث_عن_الزمن_المفقود». ثم نعرف أن كثيرًا من هؤلاء الرفاق لم يخرجوا من الأسر أصلًا. أُعدم آلاف الضباط البولنديين في كاتين وغيرها سنة 1940، بأمر من القيادة السوفياتية، في الجريمة التي عُرفت لاحقًا #بمذبحة_كاتين.كان تشابسكي من القلة التي نجت. وبعد اتفاق سيكورسكي–مايسكي وإعادة تشكيل الجيش البولندي في الاتحاد السوفياتي، خرج من الأسر، لكنه لم يتوقف عن البحث عن مصير رفاقه.كتب لاحقًا «#الأرض_اللاإنسانية» عن تجربته في الأسر وعن ذلك البحث الطويل عن الحقيقة، في وقت كانت فيه السلطات السوفياتية تنكر مسؤوليتها عن قتلهم.ربما لهذا السبب وجدت نفسي أقرأ تشابسكي أيضًا من داخل علاقتي بالأدب البولندي.لطالما أحببت #غومبروفيتش، خصوصًا طريقته في التعامل مع «الشكل» والهوية التي يفرضها المجتمع على الفرد. كما و أحببت #أولغا_توكارتشوك، التي لا تتقيد كثيرًا بالحدود المعتادة بين الأزمنة والأمكنة والأجناس الأدبية. و #تشيسواف_ميووش، بما يحمله شعره من تجربة المنفى ومن أسئلة القرن العشرين، و #فيسوافا #شيمبورسكا، التي كانت تستطيع أن تكتب عن أشياء ثقيلة بنبرة هادئة لا تخلو من السخرية.في أعمال هؤلاء جميعًا، ظل التاريخ حاضرًا بقوة، لكن الأدب لم يتحول إلى ملحق بالتاريخ. الاحتلال والمنفى والشمولية حاضرة، لكنها ليست كل شيء. بقيت هناك اللغة، والخيال، والسخرية، والذاكرة، والأسئلة التي لا يمكن اختزالها في موقف سياسي.وهنا أعود إلى تشابسكي وبروست.ما بقي معي من قصة المحاضرات ليس أنها تثبت أن الأدب «ينتصر» على الموت. هذه عبارة سهلة أكثر مما ينبغي. ما يهمني هو أن تشابسكي، في تلك الظروف، وجد في بروست شيئًا يستحق أن يستعيده من ذاكرته، وأن يشاركه مع آخرين. كان يمكنه أن يتحدث عن الحرب التي تحيط بهم، وعن السوفيات، وعن مصير الأسرى. لكنه تحدث عن الأدب.وربما لهذا السبب بدأت هذه القصة كلها عندي من جيرار وانتهت، مؤقتًا، عند تشابسكي. القراءة نادرًا ما تسير في الخط الذي نرسمه لها. كتاب يفتح كتابًا آخر، واسم يقود إلى اسم، وفكرة عن الزمن عند بروست يمكن أن تقود، بعد سنوات، إلى رجل كان يستعيد بروست من ذاكرته في معسكر سوفياتي.وهذا، في حد ذاته، سبب كافٍ لأن أواصل القراءة، هذا القبس البروميثي المقدس، ما حييت…
#ايمن بن نور#مجلة ايليت فوتو ارت.


