أكثر من أي جانب أساسي آخر في التصوير، يُعدّ الضوء جوهر كل صورة تلتقطها. فبدون الضوء، لا وجود للتصوير؛ فهو أساس كل صورة، يمنح كل مشهد في عدسة الكاميرا شكله ومعناه. شخصيًا، كمصور مناظر طبيعية، تتأثر قراراتي الفوتوغرافية أكثر من أي شيء آخر بظروف الإضاءة التي أواجهها. من الضباب الخفيف إلى غروب الشمس الدرامي، سواءً على جبل أو وادٍ صحراوي، فإنّ منهجي المفضل في التصوير بسيط: مطاردة الضوء.
إذا كنت تبحث عن الضوء، فلا يلزمك بالضرورة قطع مسافات طويلة. أحيانًا، عليك فقط أن تتنقل عبر الزمن. يمكنك الوقوف في مكان واحد و”مطاردة” غروب الشمس، أو يمكنك القيادة لعدة كيلومترات لتصوير عاصفة تتشكل. كلا الطريقتين صحيحتان بنفس القدر لإنشاء صورة.
ببساطة، الهدف هو أن تتذكر ما يهم في الصورة. تتضافر عناصر كثيرة لتكوين صورة ناجحة – تكوين الصورة، وموضوعها، وإعدادات الكاميرا – لكن الضوء مختلف. فبدونه، لن تحصل على صورة من الأساس.

يشتهر مصورو المناظر الطبيعية بالتقاط الصور عند غروب الشمس وشروقها، لكن أفضل إضاءة لا تتحقق في هذين الوقتين، بل في أي وقت من اليوم.
بدلاً من ذلك، تعتمد أفضل ظروف الإضاءة الممكنة على المشهد المحدد الذي تصوره، وعلى الرسالة التي ترغب في إيصالها. يجب أن تُكمّل الإضاءة في الصورة موضوعها؛ فإذا كنت ترغب في إيصال إحساس بالهدوء القاتم، فقد تكون أفضل إضاءة قبيل العاصفة مباشرةً. أو، للحصول على صورة قاسية ودرامية، قد يكون ضوء شمس منتصف النهار مثاليًا.مهما كانت رسالتك المقصودة، يبقى الضوء هو العنصر الثابت.
على سبيل المثال، انظر إلى الصورة أدناه. في هذه الصورة، التي التُقطت في وادي الموت، أردتُ أن أُظهر قحط المناظر الطبيعية المتربة والمهجورة. في الوقت نفسه، لا شك في جمال وادي الموت؛ وكان من المهم إظهار رقة هذا المشهد أيضًا. عندما اختفت شمس الظهيرة خلف سحابة رقيقة، عرفتُ أن الإضاءة مناسبة.

ليس من الصعب ملاحظة أنني التقطت هذه الصورة خارج النطاق الزمني المعتاد لشروق الشمس أو غروبها. في الواقع، كان غروب الشمس بعد أكثر من ثلاث ساعات من التقاطي للصورة. ومع ذلك، عكس ضوء ما بعد الظهر الرسالة التي أردت إيصالها من خلالها.
لو التقطت هذه الصورة عند غروب الشمس، لما نقلت إحساس الجمال القاحل، بل لكانت درامية وزاخرة بالألوان. مع أن الساعات الذهبية هي الفترة الأكثر رواجًا للتصوير، إلا أن هناك طرقًا أخرى لالتقاط صور مناظر طبيعية رائعة. يجب أن يُكمّل الضوء موضوع الصورة، لا أن يتعارض معه.
مع ذلك، يُعدّ كل من غروب الشمس وشروقها وقتًا مثاليًا للتصوير. فالألوان المتغيرة بسرعة – من الأزرق إلى البرتقالي، ثم العودة إلى الأزرق – في غاية الجمال، كما أن زاوية الشمس المنخفضة تُتيح إمكانيات تصويرية مميزة. بعضٌ من أفضل صوري، إلى جانب العديد من ذكرياتي المفضلة، كلها من لحظات غروب الشمس.
أتذكر، على وجه الخصوص، أجمل غروب شمس رأيته في حياتي. كنت في أيسلندا أواخر شهر يونيو، ألتقط الصور خلال أسبوع الانقلاب الصيفي. غطت الغيوم الماطرة السماء طوال فترة ما بعد الظهر، وتساقط رذاذ خفيف متقطع. ومع نهاية اليوم، بدأت الرياح تشتد. وتحركت عاصفة رعدية ضخمة فوق الرؤوس، وغاصت الشمس ببطء تحت الأفق. وعلى مدى الساعات الثلاث التالية، كانت السماء سوداء وأرجوانية؛ وبدا المشهد المحيط وكأنه من عالم آخر.

لقد ركزتُ على تصوير المناظر الطبيعية طوال معظم مسيرتي الفوتوغرافية، وتعلمتُ شيئًا واحدًا قبل كل شيء: الإضاءة الجيدة تُنتج صورًا رائعة. إذا كانت ظروف الإضاءة تُكمّل موضوعك وتُبرزه، فستكون هناك صورة مذهلة بانتظارك.
هناك سببٌ وراء شهرة غروب الشمس وشروقها في تصوير المناظر الطبيعية. فإذا كانت الظروف الجوية مناسبة، يمكنك رؤية كل الألوان من الوردي الفاتح إلى البنفسجي الداكن، كما أن زاوية الشمس المنخفضة تُتيح فرصًا لا تتوفر في أوقات أخرى من اليوم.
أحيانًا، تظهر هذه الألوان فجأة. ذات مرة، قبل الفجر، كنتُ ألتقط صورًا مقرّبة على شاطئ في فلوريدا. كان صباحًا كئيبًا – صباحٌ، بحسب خبرتي، كان سيُسفر عن شروق شمس باهت ورمادي.
ثم أضاءت السماء. بدّلتُ عدستي إلى العدسة واسعة الزاوية، وركضتُ إلى حافة المحيط لألتقط عرض الضوء المذهل. كان كل شيء ورديًا ناعمًا مشبعًا. انعكست الأمواج والسماء بلون لم أره من قبل ولا من بعد في شروق الشمس. لم تدم السماء الوردية لأكثر من دقيقة، لكن جمالها الآسر لا يُنسى.

رغم أنني ركزتُ حتى الآن على المناظر الطبيعية، إلا أنها ليست بأي حال من الأحوال النوع الوحيد من التصوير الذي يُمكن فيه استغلال الضوء. فمهما كان موضوعك، يبقى الضوء هو ما يجعل المشهد جديرًا بالتصوير. من الهندسة المعمارية إلى الصور الشخصية، لا يوجد عنصر في الصورة أهم من الضوء.
لهذا السبب أعشق تصوير التصميمات الداخلية للمباني القديمة، مثل كاتدرائيات أوروبا المهيبة. فقد صُممت هذه المباني قبل اكتشاف الكهرباء بزمن طويل، واعتمدت كليًا على الضوء الطبيعي لإثارة شعور بالرهبة والإعجاب لدى زوارها. وقد نجحت في تحقيق هدفها؛ فقلما نجد موضوعات تُتيح صورًا أكثر جاذبية.

وفوق كل ذلك، تأتي الذكريات. عندما تسعى وراء الضوء، فإنك تسلك حتمًا دربًا مليئًا بالمغامرة والإثارة. سواءً أكنت تتجول في غابة استوائية مطيرة أو تتسلق أعلى كثيب رملي تراه، فإن الصور ليست الشيء الوحيد الذي ستعود به إلى ديارك.
بالنسبة لي، من أروع المشاعر في العالم مشاهدة غروب الشمس بعد يومٍ مُرهِق؛ فقلما تجد تجربةً أكثر إشباعًا ومتعة. ألتقط الصور دائمًا، بالطبع، لكن الإثارة الحقيقية تكمن في الاستمتاع واستكشاف أكبر عدد ممكن من الأماكن. بالنسبة لمصور مناظر طبيعية يعشق عمله، لا شيء يضاهي روعة رؤية كوكبنا في أبهى صوره.
إذن، فلنستمتع بمطاردة الضوء.

.
…….
المصدر : photography life


