اليوم موعدكم مع برنامج لوحه وانطباع قام بكتابه المقال الفنان والباحث/ عامر الخطيب
قام بكتابه الخاتمه والاخراج / د. سمير فؤاد لبيب
قراءة في لوحة “اخضرار الجرح” للفنان علي نفنوف.
بقلم: عامر الخطيب
حين تبكي الحجارة … وتتشبث الحياة بجدران الذاكرة … تستوقفك صدمة الجمال والألم معاً … ليس كل عمل فني يستطيع أن يفعل ما فعله هذا العمل للفنان علي نفنوف، أن يضعك في لحظة واحدة أمام سؤالين متعاكسين لا تعرف أيهما يسبق الآخر … هل هذا دمار أم بناء؟ هل هذا موت أم ولادة؟
وهذا التردد الذي يصيب المتأمل في لحظته الأولى أمام اللوحة ليس ضعفاً في الرؤية بل هو “الرسالة ذاتها” التي أراد الفنان إيصالها، فالأماكن التي دمّرها الإنسان لا تموت تماماً، وجدرانها المكسورة لا تسقط حتى حين تسقط، لأن فيها من الروح والذاكرة والهوية ما يجعل الحجر نفسه “يقاوم الفناء”.
بنى علي نفنوف لوحته على “محور عمودي مركزي” يشق اللوحة من أسفلها إلى أعلاها كعمود فقري لكائن حي يبدو وكأنه “امرأة”، هذا المحور هو في ذات الوقت جدار مهدوم ودرب ضيق وشريان دم يربط الأرض بالسماء، وعلى جانبيه تتناثر الأبراج والمباني الأثرية المتشققة كفقرات هذا العمود، بعضها يميل وبعضها يتداعى، لكن لا شيء يسقط سقوطاً نهائياً كاملاً … وهذه مهمة شجرة الحضارة في مواجهة الخراب، والدائرة الخضراء الكبرى التي تتصدر الثلثين الأعلى من اللوحة هي “القبة الكونية” أو ربما الكرة الأرضية ذاتها التي تحمل على ظهرها هذه الحضارة الجريحة، وهي مرسومة بخطوط دائرية حلزونية تُشعر المتلقي أنها تتحرك ببطء، كما تتحرك الأرض في مدارها، غير عابئة بما يجري على سطحها من هدم وبناء وحروب وسلام.
هذا التكوين يحمل في طياته “تناقضاً بنيوياً عبقرياً” الدائرة التي هي رمز الكمال والاستمرار، تحتضن الأشكال المكسورة والمتشققة التي هي رمز الزوال والانهيار، كما تحتضن الأم طفلها الجريح ولا تتخلى عنه حين يحتاجها أكثر.
أما توزيع الأبراج الأثرية على الجانبين الأيسر والأيمن فهو توزيع درامي محسوب، برج اليسار بنوافذه العقدية يبدو أقدم وأكثر رسوخاً رغم شقوقه، وكأنه يمثل “الجذر والأصل” في حين تبدو عناصر اليمين أكثر تفتتاً وتداعياً، وكأنها تمثل “الحاضر الذي يتآكل” أمام عيوننا.
هذه اللوحة تعتمد على ثلاثية لونية تبدو في أول وهلة متضاربة لكنها في حقيقتها “منسجمة انسجام القدر” فالأخضر الزمردي والفيروزي” يسيطر على ما يزيد عن نصف مساحة اللوحة سيطرة ملكية فارهة، وهذا الأخضر ليس أخضر الربيع الرقيق ولا أخضر الأمل الساذج، بل هو “أخضر الطبيعة الجبارة” التي تنبت من بين شقوق الحجارة وتشق طريقها عبر الخراب، هو الأخضر الذي يقول … الحياة لا تستأذن أحداً لكي تستمر … وفي تدرجاته من الزمرد الغامق إلى الفيروزي الفاتح إلى الأبيض المضيء يحكي الفنان قصة الضوء الذي يتسرب من أماكن لا تتوقعها، من ثقب في جدار مهدوم، من فجوة في سقف منهار، من عتبة باب لا يعود أحد يعبره.
أما “البني والصنوبري وألوان الحجارة” هي ألوان “الذاكرة والتاريخ والجذر” الحجارة المرسومة بعناية فائقة ودقة مشهدية لافتة هي ليست مجرد مواد بناء بل هي “وثائق حية” تحمل بين مساماتها أنفاس كل من عاش في هذه الأماكن وأحبها وفقدها، هذا اللون الترابي الدافئ يقف في تعارض فلسفي مع الأخضر البارد المحيط به، لكنهما يتحاوران ولا يتصارعان … الحجر يقاوم والخضرة تعانق.
ويأتي “الأبيض والأزرق الغامق” الأبيض المتدفق في المحور المركزي كشلال ضوئي يفصل جانبي اللوحة ويوحّدهما في آن، هو “النور الذي يشق الظلام” وهو أيضاً ربما ماء حي يسري في عروق هذا المكان المكسور، والأزرق الداكن الذي يتسرب خلف المحور الأبيض هو “الليل الحارس” ليل المدن القديمة الذي يحفظ في صمته أسرار كل من مشى في شوارعها ونام في بيوتها وحلم بين جدرانها، وكأن الألوان تتحدث عن ثلاثية الحياة والموت والأمل.
ما يميز هذه اللوحة تميزاً حقيقياً هو تلك العناية الاستثنائية التي أولاها الفنان لرسم الحجارة، حجر فوق حجر بخطوط أفقية وعمودية دقيقة، كأن الفنان لا يرسم جداراً بل “يعيد بناءه” حجراً حجراً بيده وبفرشاته، وهذا في حد ذاته موقف إنساني وحضاري عميق … حين يعجز الإنسان عن إعادة البناء بالحجر الحقيقي يُعيده بالألوان، وحين يُسرق منه مكانه يستعيده على القماش، يستعيده الفنان علي مع النوافذ العقدية المقوسة المرسومة في أبراج اللوحة التي تعتبر عيون هذه الحجارة التي تنظر إلينا، وليست نوافذ مهجورة بل هي “ذاكرة مفتوحة” على كل من وقف خلفها يوماً يتأمل العالم، كل نافذة منها قصة لم تُكتب، وكل عقد مقوس فيها شاهد على ذوق معماري رفيع لم يفقد نبله حين فقد سقفه، وبقيت حجارته … أبطال اللوحة الصامتون.
لا يحتاج المتأمل لأن يكون عارفاً بتاريخ سوريا وجغرافيتها لكي يفهم هذه اللوحة، لكنه إن كان كذلك فسيفهمها بقلبه قبل عقله، هذه الأبراج الأثرية المتشققة، هذه الجدران التي لا يزال فيها شيء يقف رغم كل شيء، هذه النوافذ التي لا أحد خلفها الآن، هي “سوريا بكل ما فيها من جرح وكبرياء” من مدن عاشت آلاف السنين ولم تُحطمها قرون من الغزوات لكن حطّمها ما حطّمها في سنوات معدودة.
لكن الفنان علي نفنوف لم يرسم باكياً ولم يرسم يائساً، رسم ذلك الأخضر الكبير المحيط بكل شيء، ذلك الأخضر الذي يقول …”الحياة أكبر من الخراب” … والذاكرة أعمق من النسيان، والهوية أصلب من الحجر حتى حين يتفتت الحجر.
لقد عزف علي نفنوف هذه اللوحة بريشته على “مقام الراست” في أساسها، ذلك المقام الذي يجمع بين الحزن الرزين والإرادة الصلبة، مقام الاعتراف بالألم دون الانكسار أمامه، ومقام الراست هو مقام “الحكمة المكتسبة من التجربة” ليس حكمة الكتب بل حكمة من وقف على أطلال ما أحبّ وقرر أن يستمر، ثم يتسرب في المنطقة الخضراء العليا شيء من “مقام السيكا” بطابعه المتسامي الروحاني الذي يحمل النفس فوق ثقل الأرض إلى مدى أوسع وأنقى، كما الأخضر يحمل الحجارة المثقلة بالتاريخ ويحتضنها دون أن ينوء بثقلها.
رغم أن اللوحة سورية الروح، فإن رمزيتها تتجاوز كل حدود جغرافية، فكل شعب على وجه الأرض يحمل في ذاكرته الجمعية هذا المشهد … مكان كان وهُدم، حضارة كانت وتفتتت، جذ
في الختام، يمكننا القول إن لوحة “اخضرار الجرح” للفنان علي نفنوف ليست مجرد رصدٍ لدمار أو بكاءٍ على أطلال، بل هي وثيقة بصرية تنبض بالإصرار والتحدي. فمن قلب الحجارة المتعبة والأبراج المتشققة التي تظهر في اللوحة، يولد ذلك اللون الأخضر الطاغي ليخمد لهيب الوجع، ويفجر الأمل من جديد كعشبٍ يصر على النمو بين شقوق الجدران المهدومة.
لقد استطاع الفنان، ومعه الكاتب عامر الخطيب في قراءته العميقة، أن يوصلا إلينا رسالة إنسانية نبيلة وبسيطة يفهمها كل من يتأمل هذا العمل: أن جراح الأوطان وإن عَمُقت، فإن روحها لا تموت. الألوان الترابية والرمادية تحكي لنا حكاية الأمس بكل ما فيه من ذكريات وتاريخ، بينما الشلال الأبيض والدائرة الخضراء يضمنان للمستقبل ولادة جديدة وصموداً لا ينكسر.
إنها لوحة تذكرنا جميعاً بأن الدمار قد يغير ملامح المكان، لكنه أبداً لا يستطيع أن يسرق الهوية أو يهزم إرادة الحياة؛ فالحجر قد يتصدع، لكن الجرح في النهاية لا بد أن يورق خضاراً وأملاً.
اليوم موعدكم مع برنامج لوحه وانطباع
***&***
قراءة في لوحتي/أخضرار الجرح/
بقلم التشكيلى ساجت جبار الرميثي
أخضرار الجرح:
تندرج هذه اللوحة ضمن الاتجاه التعبيري التجريدي الذي يميز تجربة الفنان، حيث تتداخل العناصر المعمارية والطبيعية في بناء بصري يبتعد عن النقل الواقعي المباشر، متجهاً نحو استحضار الذاكرة والمكان والحالة الشعورية. ويُعرف علي نفنوف بميله إلى التعبيرية والتجريد وتوظيف العناصر الهندسية والرمزية في أعماله.
واعتمد الفنان تكويناً عمودياً تتوسطه كتلة خضراء كبيرة أشبه بجزيرة أو تضاريس متخيلة، تتناثر فوقها بقايا معمارية وأقواس وأبنية متآكلة. تتوزع العناصر حول محور مركزي يمنح العمل توازناً بصرياً رغم الطابع التفكيكي للأشكال. تبدو الأبنية وكأنها آثار مدينة غارقة أو ذاكرة حضارية تتشبث بالبقاء، بينما تنساب المساحات البيضاء والزرقاء حولها لتوحي بالماء أو الضباب أو الزمن المتدفق.
يسيطر اللون الأخضر بدرجاته المختلفة على مساحة واسعة من اللوحة، وهو لون يرتبط بالحياة والتجدد والأمل. إلا أن مجاورته للبني الداكن والأسود تضفي إحساساً بالقدم والتآكل، فتتشكل ثنائية بين الحياة والاندثار.
أما الأبيض المتدفق فيخلق مسارات ضوئية تقود عين المتلقي بين أجزاء العمل، ويمنح التكوين بعداً روحياً
لم يعتمد الفنان المنظور التقليدي، بل خلق فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه المستويات. تتنقل العين بين الكتل المعمارية والمساحات اللونية بانسيابية، مما يضفي على العمل حركة داخلية مستمرة ويجعل المشاهد في حالة اكتشاف دائم.
تمثل هذه اللوحة رؤية شاعرية للمكان المهدد بالغياب، حيث تتحول الأطلال والعناصر المعمارية إلى رموز للذاكرة الإنسانية. وقد نجح الفنان في توظيف اللون والكتلة والإيقاع التشكيلي لإنتاج عمل يفتح أبواب التأويل أمام المتلقي، ويؤكد حضوره ضمن التجربة التعبيرية التجريدية المعاصرة. تندرج هذه اللوحة ضمن الاتجاه التعبيري التجريدي الذي يميز تجربة الفنان، حيث تتداخل العناصر المعمارية والطبيعية في بناء بصري يبتعد عن النقل الواقعي المباشر، متجهاً نحو استحضار الذاكرة والمكان والحالة الشعورية. ويُعرف علي نفنوف بميله إلى التعبيرية والتجريد وتوظيف العناصر الهندسية والرمزية في أعماله. واعتمد الفنان تكويناً عمودياً تتوسطه كتلة خضراء كبيرة أشبه بجزيرة أو تضاريس متخيلة، تتناثر فوقها بقايا معمارية وأقواس وأبنية متآكلة. تتوزع العناصر حول محور مركزي يمنح العمل توازناً بصرياً رغم الطابع التفكيكي للأشكال.
تبدو الأبنية وكأنها آثار مدينة غارقة أو ذاكرة حضارية تتشبث بالبقاء، بينما تنساب المساحات البيضاء والزرقاء حولها لتوحي بالماء أو الضباب أو الزمن المتدفق.
يسيطر اللون الأخضر بدرجاته المختلفة على مساحة واسعة من اللوحة، وهو لون يرتبط بالحياة والتجدد والأمل. إلا أن مجاورته للبني الداكن والأسود تضفي إحساساً بالقدم والتآكل، فتتشكل ثنائية بين الحياة والاندثار. أما الأبيض المتدفق فيخلق مسارات ضوئية تقود عين المتلقي بين أجزاء العمل، ويمنح التكوين بعداً روحياً وتأملياً.
لم يعتمد الفنان المنظور التقليدي، بل خلق فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه المستويات. تتنقل العين بين الكتل المعمارية والمساحات اللونية بانسيابية، مما يضفي على العمل حركة داخلية مستمرة ويجعل المشاهد في حالة اكتشاف تمثل هذه اللوحة رؤية شاعرية للمكان المهدد بالغياب، حيث تتحول الأطلال والعناصر المعمارية إلى رموز للذاكرة الإنسانية. وقد نجح الفنان في توظيف اللون والكتلة والإيقاع التشكيلي لإنتاج عمل يفتح أبواب التأويل أمام المتلقي، ويؤكد حضوره ضمن التجربة التعبيرية التجريدية المعاصرة.كل الشكر والتقدير والامتنان للفنان والباحث الاستاذ / عامر الخطيب والشكر موصول للأستاذ والفنان القدير : د.سمير فؤاد لبيب Samirfouad Sf
مع التنويه الى ان اللوحه أصبحت من مقتنيات الفنان: علي بهاء معلا.
معرض الصور:




***&***
صدر ديوانه الشعري الجديد “قميص على قصب الخليج”.
عن دار بعل للنشر بدمشق
ديوانٌ كُتب بين الاغتراب عن الروح والمنفى، بين الخراب والنجاة وبين الحبّ الذي يحاول أن ينقذ ما تبقّى من الروح. نصوصٌ تتتبّع سيرة الغريب في بحثه الدائم عن ذاته، حيث يتحوّل القميص إلى هويةٍ هشّة، والبحر إلى منفى، والظل إلى ذاكرة لا تغادر.
أهديه إلى كل من حمل بعض الحنين في قلبه ولا زال ينتظر
دبي
علي نفنوف


