جامع التيروزي (التوريزي):
درة العمارة المملوكية في دمشق
بين حجارة الأبلق وبلاط القاشاني
المقدمة:
جوهرة خفية في حارة قبر عاتكة
في قلب دمشق القديمة، داخل تفاصيل حارة “قبر عاتكة” المتواضعة، يقف جامع التيروزي شامخاً كواحدة من أندر التحف المعمارية التي تركها العصر المملوكي. لا يبحث عنه السياح في قوائم زياراتهم المعتادة، لكن من يدخله يخرج وقد وقع في حب تفاصيله الدقيقة، وتناسقه المذهل، وعبق التاريخ الذي يفوح من كل زاوية فيه.
لمحة تاريخية: أمير وحاجب حجاب
المؤسس: الأمير غرس الدين خليل بن اليوسف التوريزي (أو التيروزي)، الذي شغل منصب “حاجب الحجاب” (كبير الحجّاب) في البلاط المملوكي بدمشق.
تاريخ البناء:
· وضع حجر الأساس: 25 جمادى الآخر 823 هـ (الموافق 1420م)
· اكتمال الجامع: سنة 825 هـ (1422م) – كما ذكر المؤرخ الأسدي
· بناء المئذنة: سنة 834 هـ (1430م) – أي بعد الجامع بـ 9 سنوات
· بناء الحمام: ربيع الأول 848 هـ (1444م)
النص التأسيسي (محفور على ساكف باب الجامع):
“أمر بإنشاء هذا الجامع المعمور بذكر الله تعالى المقر الغرسي خليل التوريزي تقبل الله منه في خامس وعشرين جمادى الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة”
الوصف المعماري: جولة داخل التحفة
1. الواجهة الشمالية: حجر الأبلق
يُستقبل الزائر بواجهة مبنية من الحجر الأبلق (الأبيض والأسود المتناوب)، وهي سمة دمشقية أصيلة تعود للعصر المملوكي. المدخل الرئيسي يتميز بـ قوصرة (حنية) كبيرة مزينة بـ المقرنصات الحجرية الرائعة، وهي من أندر تصاميم البوابات في دمشق.
2. الصحن المغطى: قلب الجامع النابض
يتوسط الجامع صحن مغطى (وهو سمة نادرة في مساجد دمشق، حيث الأغلب أجنحة مكشوفة). يتوسط الصحن:
· بحرة مربعة من الحجر المزي (الأبيض المصفر)
· نافورة رخامية في وسطها
· قفص حديدي يحيط بالبحرة (لتنظيم الوضوء قديماً وخلق مساحة هادئة)
أما الجدران فكسوتها الأعجوبة: بلاط القاشاني الملون (الفيانس) بارتفاع 1.5 متر، بنقوش الأزهار والسراخس التي تعود لصانعها الشهير “غيبي التوريزي”. وفوقها شريط كتابي منقوش على الحجر مباشرة، يبلغ طوله حوالي 100 متر، وهو أطول نقش كتابي في مساجد دمشق! يحتوي على وقفية (وثيقة تأسيس) الجامع.
3. قاعة الصلاة: ثلاثة أروقة وعجائب
قاعة الصلاة (الحرم) تنقسم إلى ثلاثة أروقة متوازية، تفصل بينها دعامات حجرية. سقف الرواق الأوسط جملوني خشبي، وهو نادر جداً في عمارة دمشق.
المحراب:
من أبدع ما في الجامع:
· يحيط به عمودان رخاميان أسطوانيان
· يعلوه ثلاثة صفوف من المقرنصات الحجرية
· فوقه قبة نصف كروية من الحجر المزي
· وفوق المحراب لوحة رخامية محفورة تحمل جزءاً من آية النور: “يسبح له فيها بالغدو والآصال” (وهي دعوة لتعمير المساجد)
· على يمين المحراب ويساره لوحتان تحملان لفظ الجلالة “الله” واسم النبي “محمد” ﷺ
المنبر:
فريد من نوعه في دمشق، فقد صُنع من الحجر المزي الأبيض (وليس الخشب)، وتعلوه قبة حجرية صغيرة فوق جلسة الخطيب. زُين بنقوش بارزة وأشرطة كتابية.
4. النوافذ: فسيفساء من الضوء والزجاج الملون
يضم جدار القبلة تسع نوافذ مرتفعة، معشقة بالجص والزجاج الملون، وهي حرفة دمشقية أصيلة. الزخارف تنقسم إلى نوعين:
· نباتية: على شكل أشجار السرو
· هندسية: دائرية نجمية متقاطعة
الدمج بينهما مع ألوان بديعة يجعل منها تحفاً فنية لا تقدر بثمن.
5. تربة (قبر) المؤسس: مقرنصات وقاشاني
عن يمين الداخل توجد القبة المضلعة المبنية من الحجر البني المحمر. تحتوي على:
· قبر الأمير غرس الدين خليل التوريزي (المتوفى نحو 828هـ)، ويعلو رأسه عمامة حجرية منحوتة
· قبر مجهول الهوية بجانبه (ليس قبر عاتكة كما أشيع خطأً)
القبة من الداخل ترتكز على صفوف من المقرنصات الحجرية الدقيقة المنحوتة، والجدران مغطاة ببلاط القاشاني الذي وصفه المستشرقون بأنه “لا يقدر بثمن”.
6. المئذنة: المنفردة في دمشق
هي الوحيدة في دمشق المنفصلة كلياً عن جسد المسجد (يفصلها عنه زقاق صغير)، وذلك لأنها بنيت بعد الجامع بـ 9 سنوات. تصميمها:
· قاعدة مربعة (الطراز الدمشقي القديم)
· أقسام علوية مثمنة
· تنتهي بـ قلنسوة (قبة صغيرة) متأثرة بالمآذن القاهرية
شبهها المستشرقان الألمانيان (ولتسينجر وواتسينجر) بمئذنة العروس في الجامع الأموي من حيث الفخامة.
7. الميضأة والمراحيض: سابقة معمارية
· باب في الحائط الأيمن يؤدي إلى ميضأة واسعة
· تتوسطها بحرة مربعة كبيرة من الحجر المزي (أكبر من بحرة الصحن)
· لوحة رخامية حديثة تذكر التجديد على نفقة عائلة “عزقول” عام 1420هـ
· مراحيض داخلية: هذا أول جامع قديم تشهد فيه المراحيض ضمن عمارته الأصلية! وهو تقدم معماري يثير الإعجاب.
8. الفسحة (الصحن الصيفي): هدوء وشجر ومحراب
عن يسار الميضأة، باب يخرج بك إلى فسحة مكشوفة (فتحة سماوية) مزروعة بأشجار، تستخدم كمصلى في الهواء الطلق. في جدارها الجنوبي محراب حجري صغير، مبني من الحجر المزي والأبلق.
9. السبيل والحمام: إرث متكامل
خارج الجامع:
· سبيل ماء على امتداد المئذنة، بقوصرتين متداخلتين من الحجر الأبلق، مع لوحة رخامية حديثة كُتب عليها آية “وسقاهم ربهم شراباً طهورا”
· حمام التيروزي بتاريخ 848هـ، يوصف بأنه “الأجمل والأكثر تميزاً بين حمامات دمشق”، لا يزال يعمل حتى اليوم بالتناوب بين الرجال والنساء
· قوس حجري بين الجامع والحمام، يفصل بينهما ويؤدي إلى حارة صغيرة كان فيها سوق تجاري مغلق
أقوال المؤرخين والباحثين:
الباحث رأيه:
المستشرقان الألمانيان (ولتسينجر وواتسينجر، 1917م) “مئذنة جامع التيروزي تضاهي مئذنة العروس في الجامع الأموي فخامة، وفصلها عن المسجد تقليد نادر في دمشق”
الدكتور طلس (1942م) “مسجد عظيم جداً ببنائه، وزخارفه، وقاشانيه، وجبهته الحجرية العالية الجميلة المتقنة”
الدكتور أحمد الدالي (الموسوعة العربية) “التربة والجامع والمئذنة تؤلف وحدة معمارية متماسكة، وبوابته من أندر تصاميم دمشق”
الباحث عماد الأرمشي “أرقى وأجمل مشيدات العصر المملوكي في مدينة دمشق”
جيرارد ديجورج (باحث فرنسي) “كسوة القاشاني في غرفة الضريح لا تقدر بثمن من الناحية التاريخية والفنية”.
مشاهداتي الشخصية (من زيارتي الميدانية)
دخلت جامع التيروزي وبدأت أتنقل بين تفاصيله كمن يكتشف كنزاً دفيناً. كان أول ما لفت نظري البحرة الصغيرة في وسط الصحن المغطى، بقفصها الحديدي الذي يشبه المشربية، والنافورة الرخامية التي تهمس بالماء. ثم صعدت عيني إلى جدران القاشاني، حيث تتمازج الأزهار الزرقاء والصفراء في تناسق يأسر الروح.
عند المحراب، توقفت طويلاً أتأمل النقوش الرخامية: “الله” عن اليمين، “محمد” عن اليسار، وآية النور تعلو الحنية. لاحظت النوافذ العالية الزجاج الملون وكيف تسلط الضوء بهدوء وصمت.
في غرفة القبة، رأيت العمامة الحجرية المنحوتة فوق قبر الأمير، والقبر الغامض بجانبه. ثم تجولت في الميضأة القديمة، وتعجبت من وجود المراحيض ضمن عمارة القرن التاسع الهجري.
خرجت إلى الفسحة المكشوفة، حيث أشجار تهمس بهدوء ومحراب صغير يبحث عن الشمس. ثم سرت في الحارة، رأيت السبيل بقوصريه المتداخلين، والحمام الضخم الذي لا يزال بخار المياه يتصاعد منه، والمئذنة المنفردة تشبه منارة ساحلية في بر دمشقي، والقوس الحجري الأبلق الذي يفصل بين الجامع والحمام.
كلما نظرت، ازددت يقيناً: هذا الجامع ليس مجرد مكان للصلاة، بل هو متحف حي للعمارة المملوكية، درس في التناغم بين الحجر والماء والنور، تآلف بين المقدس واليومي – المسجد بجانب الحمام، بجانب السبيل، بجانب السوق الصغير، في وحدة تعكس روح الإسلام الأصيل الذي يدمج العبادة بالحياة.
الخاتمة:
لماذا يبقى جامع التيروزي في القلب؟
قالوا قديماً: “دمشق درة الشرق”. وجامع التيروزي هو درة داخل الدرة. قد لا تجده مطروقاً بالأقدام، وقد لا يذكره المرشدون في جولاتهم السريعة، لكن من يدخله يخرج بشيء لا ينسى: إحساس بالدهشة الأولى، وكأن التاريخ لا يزال حياً يتنفس في حجارته، والماء لا يزال يهمس، والقاشاني لا يزال يحتفظ بألوانه كما لو أنه صُنع بالأمس.
هو جواب لمن يسأل: كيف كانت دمشق في عصر المماليك؟ كيف كان الفن يلتقي بالروحانية؟ كيف يمكن لعمارة أن تجعلك أقرب إلى السماء؟
جامع التيروزي هو الجواب. وفي تفاصيله، يجد المؤرخ ضالته، والفنان بهجته، والمؤمن سكينته، والزائر دهشته.
فإن سألك سائل: ما أجمل مسجد رأيت؟ فقل: جامع التيروزي. ولن تندم.
المراجع:
1. النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس (التربة التوريزية)
2. الأسدي، ذيل ثمار المقاصد (تحقيق الدكتور طلس، 1942م)
3. ابن طولون، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية
4. الدكتور أحمد الدالي، الموسوعة العربية (دمشق)
5. المستشرقان ولتسينجر وواتسينجر، الآثار الإسلامية في مدينة دمشق (1917م، ترجمة 1933م)
6. عماد الأرمشي، مجموعة التوريزي الأثرية (مقالات وبحوث)
7. الدكتور محمد مرسي (جامعة حلوان)، دراسة أثرية معمارية (2007م)
8. جيرارد ديجورج، دراسات في القاشاني المملوكي (1995م)
9. الوثيقة الوقفية والنقوش الكتابية على جدران الجامع والمئذنة والساكف الحجري
الباحث والمصوروالحقوقي خلدون عبد العزيز الخن.
تم كتابة هذا المقال بناءً على معلومات تاريخية موثقة وزيارة ميدانية شاملة، مع تصويب الأخطاء الشائعة كتثبيت الاسم الصحيح “التوريزي” بدلاً من “التيروزي”.
جميع الحقوق محفوظة © 2026
***&***
المصادر:
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية.


