عائشة الخضر «لونا عامر»… أنثى الحرف المقاوم، سيرة ببلوغرافية وأنطولوجية لوثيقة ثقافية للأجيال
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
حين تتحول السيرة الفردية إلى ذاكرة لجيل
ليست كل سيرة ذاتية حكايةً عن إنسان؛ فبعض السير يتجاوز أصحابها ليصبح مرآةً لزمن كامل، وتغدو حياة صاحبها خيطًا ناظمًا لمرحلة ثقافية واجتماعية وإنسانية بما فيها من تحولات وانكسارات وأسئلة وأحلام. ومن هذا المنظور تبدو تجربة الدكتورة عائشة الخضر، المعروفة أدبيًا باسم «لونا عامر»، جديرة بأن تُقرأ بوصفها أكثر من مسار شاعرة وكاتبة وإعلامية وفاعلة في المشهد الثقافي؛ إنها تجربة امرأة جعلت من الكتابة وسيلةً لمقاومة النسيان، ومن المعرفة طريقًا إلى الوعي، ومن الثقافة مساحةً للعبور بين الإنسان وذاته والآخر والعالم.
إن أهمية هذه التجربة لا تكمن في تعدد عناوينها ومشاركاتها فحسب، وإنما في ذلك الخيط العميق الذي يصل طفولةً تشكلت في مناخ الحكاية والقراءة والتراث، بمسار أكاديمي في الإعلام، ثم بمشروع أدبي اتخذ من الشعر والقصة والمسرح والكتابة فضاءات متعددة، قبل أن ينفتح على الترجمة والمؤسسات الثقافية والملتقيات العربية والدولية.
ومن هنا تأتي هذه القراءة في صيغة ببلوغرافية وأنطولوجية؛ فالببلوغرافيا تحاول أن تحفظ ما أنتجته التجربة من كتب ونصوص ومشاركات وترجمات وجوائز وشهادات، بينما تحاول الأنطولوجيا أن تذهب إلى ما وراء العناوين، لتسأل عن الجوهر الذي يمنح هذه التجربة وحدتها الداخلية: ما الذي يجعل الكتابة مقاومة؟ وكيف تتحول الأنثى من موضوع للكتابة إلى ذات منتجة للمعنى؟ وكيف يمكن للشعر أن ينقل الذاكرة المحلية إلى فضاء كوني دون أن يفقد جذوره؟
إنها محاولة لكتابة وثيقة لا تكون احتفالًا عابرًا باسم، وإنما شهادة تحفظ للأجيال صورةً من صور الثقافة العربية في زمن شديد الاضطراب.
أولًا: حلب… الميلاد الأول للذاكرة
ولدت عائشة الخضر في حلب، المدينة التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مكانًا جغرافيًا فحسب؛ فهي مدينة تختزن في عمرانها وذاكرتها طبقات متراكمة من التاريخ والثقافة والتجارة والحكايات الإنسانية.
غير أن الجغرافيا الحلبية لم تكن وحدها التي شكلت وعيها المبكر؛ فقد ظلت الرقة حاضرةً في تكوينها بوصفها جذرًا للانتماء والذاكرة والموروث الاجتماعي والثقافي.
وفي البيت الأول بدأت الحكاية الحقيقية.
كان والدها الشيخ ظاهر الخضر حاضرًا في تكوينها المعرفي والثقافي؛ حافظًا للقرآن الكريم والسيرة، ومهتمًا بالشعر والحكاية والتراث. وكان مجلس الأسرة فضاءً تتجاور فيه الحكاية مع الذاكرة، والسيرة مع الشعر، والموروث الشعبي مع المعرفة.
وهنا بدأت عائشة تتعلم، قبل المدرسة، أن اللغة ليست مجرد ألفاظ، وأن الحكاية ليست تسلية عابرة، وأن الكتاب يمكن أن يكون نافذةً على عالم أوسع من حدود المكان.
كانت مكتبة الأسرة امتدادًا طبيعيًا لهذا المناخ، وكانت القراءة جزءًا من التكوين اليومي. والأكثر دلالة أن الطفلة كانت تدخر من مصروفها المدرسي لاقتناء الكتب.
في هذه التفاصيل الصغيرة تختبئ دلالة كبيرة.
فالمرأة التي ستصبح لاحقًا شاعرة وكاتبة وباحثة وفاعلة ثقافية، كانت تمارس مقاومتها الأولى منذ الطفولة؛ مقاومة الجهل بالكتاب، والعزلة بالمعرفة، وضيق العالم باتساع القراءة.
ثانياً: الرقة وحلب ودمشق… جغرافيا صنعت الوعي
لم تكن المدن التي عبرتها عائشة الخضر مجرد محطات في السيرة، بل تحولت إلى طبقات في الذاكرة.
الرقة منحتها الجذر والموروث ودفء الحكاية.
وحلب منحتها اتساع المدينة وتنوعها الثقافي.
أما دمشق، فكانت فضاءً أكاديميًا وثقافيًا اتسع فيه مشروعها، وتبلورت فيه ملامح شخصيتها العلمية والإعلامية والأدبية.
درست الإعلام، وانفتحت على اللغة العربية وآدابها، ثم واصلت مسارها الأكاديمي حتى حصلت على الدكتوراه في الإعلام عام ٢٠١٨.
لكن الشهادة الأكاديمية لم تكن محطةً نهائية؛ إذ تحولت المعرفة عندها إلى ممارسة، وتحولت الدراسة إلى مشروع، وتحول التكوين العلمي إلى حضور في المجال الثقافي والإعلامي.
وهنا تتضح إحدى السمات الجوهرية في شخصيتها: أنها لم تفصل بين المعرفة والإبداع، ولا بين الثقافة والمسؤولية.
ثالثًا: من القصة إلى المسرح… ولادة الكاتبة
لم تبدأ عائشة الخضر شاعرةً مكتملة الملامح، وإنما عبرت إلى الأدب من أبواب متعددة.
كتبت القصة القصيرة، ونشرت بعض نصوصها في جريدة الفرات، ثم اقتربت من المسرح، وكتبت للأطفال واليافعين، ووصل أحد نصوصها إلى خشبة المركز الثقافي في الرقة.
وهذه البداية مهمة في قراءة مشروعها؛ لأنها تكشف أن علاقتها بالأدب لم تكن محكومة بجنس أدبي واحد.
القصة كانت نافذة على الإنسان.
والمسرح كان مجالًا للحركة والصوت.
والكتابة للأطفال كانت عودة إلى البراءة والأسئلة الأولى.
والشعر صار لاحقًا المجال الأوسع لتكثيف التجربة والوجدان والرؤية.
وهكذا يبدو تعدد الأجناس الأدبية في تجربتها لا تشتتًا، بل بحثًا عن الشكل الأكثر قدرة على احتضان السؤال الإنساني.
رابعًا: «لونا عامر»… الاسم الذي ولد من رحم التجربة
مع اتساع التجربة الأدبية برز الاسم الإبداعي «لونا عامر».
والاسم الأدبي، في التجارب الإبداعية العميقة، لا يكون مجرد قناع؛ إنه قد يصبح ولادةً ثانية للذات، ومساحةً تمنح الكاتب حرية إضافية في بناء صوته ورؤيته.
ومن هنا يمكن النظر إلى «لونا عامر» باعتبارها الاسم الذي اتسعت داخله التجربة الشعرية، وتحررت فيه الذات من حدود السيرة المباشرة لتدخل فضاء الفن.
إن عائشة الخضر هي الاسم الذي يحمل السيرة العلمية والاجتماعية، بينما «لونا عامر» هي الذات التي تدخل مختبر الشعر، حيث يتحول الواقع إلى صورة، والذاكرة إلى إيقاع، والجرح إلى سؤال، والحياة إلى لغة.
وهذه الثنائية بين الاسم والسيرة، بين الإنسانة والمبدعة، تمنح تجربتها بعدًا أنطولوجيًا يستحق التوقف عنده.
خامساً: الحرب… حين يتحول الألم إلى مادة للخلق
جاءت الحرب السورية لتعيد ترتيب المكان والذاكرة والحياة.
انتقلت الأسرة إلى دمشق في ظروف الحرب، وتحول المكان الآمن إلى ذاكرة، والوطن إلى سؤال، والجغرافيا إلى جرح مفتوح.
لكن الحرب التي حاولت اقتلاع الإنسان من مكانه لم تستطع اقتلاع الكلمة من داخله.
بل يمكن القول إن المحنة دفعت الكتابة إلى منطقة أكثر عمقًا؛ فأصبح الشعر وسيلة لاستعادة ما يتعرض للفقد، وصار النص فضاءً لحفظ الإنسان من السقوط في النسيان.
وهنا تتبلور واحدة من أهم مفاتيح قراءة «لونا عامر»:
هي لا تكتب الألم من خارجه، وإنما تحاول أن تكتب من داخله، ثم تمنحه شكلًا يستطيع أن يعبر من الخاص إلى الإنساني.
فالحرب في هذا السياق ليست مجرد حدث سياسي، وإنما تجربة وجودية تعيد طرح أسئلة الوطن والمنفى والذاكرة والفقد والحب والنجاة.
سادساً: «تانغو»… حين ترقص اللغة فوق الجرح
صدر ديوانها الأول «تانغو» عام ٢٠١٥.
والعنوان وحده يفتح بابًا واسعًا للتأويل.
فالتانغو رقصة تقوم على الاقتراب والابتعاد، التوتر والانجذاب، الانسجام والمواجهة، ولذلك يمكن قراءة العنوان بوصفه مفتاحًا لعلاقة الذات بالعالم؛ علاقة لا تستقر على حال واحدة، بل تتحرك بين الرغبة والخوف، الحضور والغياب، الحب والخذلان.
في «تانغو» لا يبدو الشعر مجرد اعتراف ذاتي، بل محاولة لتحويل الحركة الداخلية للإنسان إلى موسيقى لغوية.
إنها رقصة بين الأنثى والعالم، بين الذات والآخر، بين ما تريده الروح وما يفرضه الواقع.
وهنا تصبح القصيدة شكلًا من أشكال النجاة؛ لأن الإنسان حين يعجز عن تغيير العالم، يستطيع أن يعيد تشكيله داخل اللغة.
سابعًا: «وللعشق… موال أزرق»… حين يصبح اللون ذاكرة
صدر ديوانها الثاني «وللعشق… موال أزرق» عام ٢٠١٧، وفيه اتسعت مساحة العشق والحنين والتأمل والحضور الأنثوي.
والأزرق ليس لونًا محايدًا في المخيلة الشعرية؛ إنه لون السماء والبحر والمسافة والانتظار، وقد يحمل في الوقت نفسه معنى الصفاء والحزن والبعد.
ومن هنا يبدو «الموال الأزرق» عنوانًا يختصر حالة وجدانية مركبة: عشق لا يخلو من الحنين، وحضور لا ينفصل عن الغياب، وفرح يجاوره ظل الفقد.
إن العشق في تجربة «لونا عامر» لا يبدو مجرد موضوع غزلي، بل قوةً مضادة للخراب؛ فحين تضيق الحياة، يصبح الحب أحد أشكال استعادة المعنى.
ثامناً: «تمائم لفائف البردي»… من القصيدة إلى الذاكرة الحضارية
في تجربتها الشعرية اللاحقة، تتسع الدائرة الثقافية، ويظهر عنوان «تمائم لفائف البردي» بوصفه إشارةً إلى الذاكرة القديمة، وإلى الكتابة التي عرفها الإنسان منذ الحضارات الأولى.
فالتميمة تحفظ، واللفافة تختزن، والبردي يحمل أثر الإنسان.
وهنا تتجاوز القصيدة زمنها المباشر لتتصل بذاكرة أقدم من الحرب وأوسع من الجغرافيا.
وهذه إحدى السمات التي يمكن استشفافها من مشروعها: الرغبة في ألا تكون الكتابة مجرد تسجيل للحاضر، بل محاولة لاستدعاء الطبقات الحضارية والثقافية التي تمنح الإنسان جذوره.
تاسعاً: «هذيان»… عندما تصبح الغيمة خزانة للغياب
في قصيدتها «هذيان» تتخذ الغيمة فضاءً للاستعادة.
الذات تبحث عن وجه غائب، تراه في لحظة خاطفة، ثم يتلاشى.
وهنا تقوم القصيدة على حركة بين الاستحضار والمحو، بين الرغبة في استعادة الغائب واستحالة الإمساك به.
الغيمة تصبح ذاكرة عابرة.
والوجه يصبح أثراً.
والشعر يصبح محاولةً لتثبيت ما لا يمكن تثبيته.
ومن هذه الزاوية، فإن «هذيان» لا تنتمي إلى شعر الفقد فحسب، بل إلى سؤال أعمق:
ماذا تستطيع اللغة أن تنقذ من يد النسيان؟
ولعل الكتابة كلها، في أحد وجوهها العميقة، ليست إلا محاولة لإنقاذ الإنسان من الفناء الرمزي.
عاشراً: المرأة… ذاتٌ لا موضوع
تحتل المرأة مساحة واضحة في تجربة «لونا عامر»، غير أن المرأة عندها لا تبدو مجرد موضوع شعري أو شعار احتجاجي.
إنها ذاتٌ كاملة؛ لها صوتها ورغباتها وأسئلتها وهشاشتها وقوتها.
واللافت أن مقاومتها لا تقوم على تحويل الأنوثة إلى خطاب صدامي، وإنما على الجمع بين رقة اللغة وصلابة الموقف.
وهنا تكتسب تسمية «أنثى الحرف المقاوم» مشروعيتها الرمزية.
فالمقاومة ليست بالضرورة صراخًا، وليست الخشونة شرطًا للقوة.
يمكن للمرأة أن تقاوم بالمعرفة.
ويمكنها أن تقاوم بالكتاب.
ويمكنها أن تقاوم بحماية الذاكرة.
ويمكن للقصيدة نفسها أن تصبح مساحةً تستعيد فيها المرأة حقها في أن تكون منتجةً للمعنى لا موضوعًا له.
حادي عشر: الشعر بوصفه معرفة
تنطلق «لونا عامر» من رؤية تجعل الشعر موهبة فطرية تحتاج إلى القراءة والثقافة والصقل.
وهذه الرؤية تنقل الشعر من خانة الانفعال العابر إلى خانة المعرفة.
فالشاعر، في هذا التصور، لا يكفيه أن يمتلك حساسية لغوية؛ عليه أن يمتلك ثقافة، ووعيًا، وتجربة، وقدرة على تحويل المعرفة إلى جمال.
ولهذا تتجاور في خلفية تجربتها عناصر متعددة:
التاريخ، والتراث، والدين، والفلسفة، والأدب، والذاكرة الشعبية، والإعلام، والفنون.
وهذا التعدد يمنح النص إمكانات واسعة في بناء الرمز والإيحاء.
فالقصيدة لا تريد أن تكون جميلة فحسب؛ إنها تريد أن تكون قادرة على إحداث أثر في وعي المتلقي.
ثاني عشر: من المحلية إلى الكونية
من العلامات اللافتة في المسار الأدبي لـ«لونا عامر» خروج نصوصها من اللغة العربية إلى فضاءات لغوية وثقافية أخرى.
فقد شاركت في مشاريع شعرية مشتركة، وترجمت نصوصها إلى لغات متعددة، من بينها الإيطالية والفرنسية والإسبانية والأمازيغية والصربية والألمانية والإنكليزية والفارسية والكردية، بحسب المواد التعريفية المرتبطة بتجربتها.
وفي هذا السياق تبرز مساهمة الدكتورة شيرين النوساني في ترجمة أغلب قصائدها إلى اللغة الإيطالية، كما قدمت الشاعرة الإيطالية إليزابيث ثلاث قصائد لها باللغة الإيطالية ضمن حلقة خاصة عنها في التلفزيون الإيطالي، قدمها الناقد الإيطالي دومينيكو بيسانا.
هذه التفاصيل ليست هامشًا في السيرة؛ فالترجمة هي لحظة اختبار حقيقية للقصيدة.
حين تغادر القصيدة لغتها الأم، فإنها لا تخرج من هويتها، بل تختبر قدرتها على الوصول إلى إنسان لا يشترك معها في اللغة.
وهنا يتحول الشعر من هوية محلية إلى جسر إنساني.
ثالث عشر: حضور فرنسي ومغاربي
شاركت «لونا عامر» في ديوان شعري مشترك مع مجموعة من الشاعرات المغربيات، صدر باللغة الفرنسية تحت عنوان «قطوف نسائية»، ووزع في عدد من الدول العربية والأوروبية.
ويحمل هذا المشروع دلالة تتجاوز المشاركة الجماعية؛ فهو يضع التجربة السورية في حوار مع التجارب النسائية المغاربية، ويجعل الشعر مجالًا للتفاعل بين مشارب ثقافية مختلفة.
فالمرأة العربية، على اختلاف جغرافياتها، تستطيع أن تجد في الشعر مساحة مشتركة تتجاوز الحدود السياسية واللغوية.
رابع عشر: بلغراد… «المرأة الإلهية»
وشاركت كذلك في الكتاب الشعري المشترك «المرأة الإلهية»، الصادر عن مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد باللغة الصربية.
وهنا تنتقل التجربة مرة أخرى إلى فضاء ثقافي مختلف.
والعنوان نفسه يضع المرأة في منطقة رمزية تتجاوز الصورة الاجتماعية المباشرة، ويمنحها أفقًا أسطوريًا وروحيًا وجماليًا.
وهكذا تصبح مشاركة الشاعرة في هذا المشروع جزءًا من مسار انتقال القصيدة العربية إلى فضاءات أوروبية أخرى.
خامس عشر: «بكاء الجبل»… القصيدة في المشهد العراقي
كما شاركت في الديوان الشعري المشترك العراقي «بكاء الجبل»، وهو مشروع شعري جماعي شارك في معارض دولية.
وتكتسب هذه المشاركات الجماعية أهميتها من كونها تضع الشاعرة داخل شبكة عربية وأجنبية من الأصوات الشعرية، بحيث لا تعود التجربة فرديةً مغلقة، وإنما جزءًا من حركة ثقافية أوسع.
إن الشاعر لا يعيش في جزيرة لغوية؛ إنه يعيش داخل ذاكرة شعرية مشتركة، تتداخل فيها البلدان واللغات والتجارب.
سادس عشر: «الموسوعة الشعرية لأهم الشاعرات العربية المعاصرة»
ورد اسم «لونا عامر» مع نشر قصيدة لها في الموسوعة الشعرية الخاصة بأهم الشاعرات العربيات المعاصرات، من إعداد الباحثة المغربية فاطمة بوهراكة.
والحضور في موسوعة شعرية من هذا النوع يمثل جانبًا من جوانب التوثيق الببلوغرافي للتجربة، لأنه ينقل النص من فضاء النشر الفردي إلى فضاء الجمع والتصنيف والتأريخ.
والموسوعات، مهما اختلفت مناهجها، تؤدي وظيفة مهمة في الذاكرة الأدبية؛ إذ تحفظ أسماء وتجارب قد تكون مهددة بالنسيان إذا لم تدخل في سجلات الحركة الثقافية.
سابع عشر: جائزة الشعر المغربية عام 2021
حصلت «لونا عامر» على جائزة الشعر ممثلةً وطنها سورية من دار أوريون بالمغرب عام ٢٠٢١.
وتأتي الجائزة في سياق سلسلة من المشاركات والأنشطة التي تعكس حضور التجربة في المشهد العربي.
والجائزة، في معناها التوثيقي، ليست مجرد شهادة تقدير، وإنما علامة على لحظة من لحظات استقبال التجربة في فضاء ثقافي آخر.
ثامن عشر: الديوان في مكتبة العالم العربي بباريس
ومن العلامات اللافتة في مسارها التوثيقي وجود ديوانها في مكتبة العالم العربي في باريس.
وهنا تتجاوز القصيدة حدود مكان كتابتها لتدخل فضاءً ثقافيًا عربيًا في قلب أوروبا.
ووجود الكتاب في مؤسسة ثقافية عربية ذات حضور دولي يضيف إلى البعد الببلوغرافي للتجربة طبقة أخرى: طبقة الانتقال من التداول المحلي إلى الحضور في الذاكرة الثقافية العربية خارج الوطن.
تاسع عشر: الإعلام بوصفه امتدادًا للثقافة
لم يكن الإعلام في تجربة عائشة الخضر مجالًا منفصلًا عن الأدب؛ بل ظل جزءًا من تكوينها العلمي والمهني.
وقد ساعدها التكوين الأكاديمي في الإعلام على التعامل مع الثقافة لا بوصفها نصًا فقط، وإنما باعتبارها خطابًا يتفاعل مع المجتمع والجمهور ووسائط الاتصال.
وهنا تتقاطع الشاعرة مع الإعلامية، والباحثة مع الفاعلة الثقافية، في شخصية واحدة.
فالكلمة عندها ليست محصورة في الكتاب؛ يمكن أن تكون قصيدة، أو مقالًا، أو حوارًا، أو ندوة، أو مؤسسة، أو مشروعًا ثقافيًا.
عشرون: من الكتابة إلى الفعل الثقافي
من أبرز محطات حضورها المؤسسي تأسيسها الاتحاد العربي للثقافة عام ٢٠١٧، في إطار السعي إلى بناء فضاء يجمع الأدباء والمثقفين والمبدعين.
وهنا تنتقل التجربة من إنتاج النص إلى المساهمة في إنتاج المجال الذي يحتضن النص.
وهذه نقلة مهمة؛ لأن المثقف حين يشارك في بناء المؤسسة الثقافية، فإنه لا يعود مجرد منتج فردي، وإنما يصبح طرفًا في تشكيل الحياة الثقافية نفسها.
كما ارتبط اسمها بالمشاركة في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات وورش العمل العلمية والأدبية والثقافية، وحصلت على شهادات تقدير وشكر مرتبطة بهذه المشاركات والجهود.
وتبقى قيمة هذه المشاركات، في سياق الوثيقة، مرتبطة بما تثبته من اتساع شبكة حضورها الثقافي وتعدد مجالات نشاطها.
واحد وعشرون: وثيقة نقابة السادة الأشراف آل البيت
ومن الوثائق التي ارتبطت بسيرتها وثيقة صادرة عن نقابة السادة الأشراف آل البيت ـ المركز العام، تحمل الرقم ١٢٢٧، والمؤرخة في ٢٣ نوفمبر ٢٠١٧.
وتتضمن الوثيقة قرارًا بمنح الدكتورة عائشة ظاهر الخضر الحسيني درجة مستشار إعلامي لنقابة السادة الأشراف آل البيت في سوريا، مع الإشارة إلى ما ورد فيها من تقدير لمؤهلاتها العلمية في الإعلام وصفاتها الشخصية، وتخويلها بالنشر والتصريح في نشاط النقابة، ولا سيما ما يتصل بما ورد في القرار بشأن النسب الشريف.
وهذه الوثيقة، من منظور ببلوغرافي، ينبغي أن تُحفظ ضمن أرشيف التجربة بوصفها وثيقة مؤسسية مؤرخة، لا بوصفها حكمًا نقديًا على منجزها الأدبي.
فالوثيقة الثقافية الجادة تميز دائمًا بين المعلومة التي تثبتها وثيقة، والرأي الذي ينتجه الناقد، والانطباع الذي يكتبه القارئ.
اثنان وعشرون: حين تصبح الترجمة ذاكرة ثانية
إن ترجمة أغلب قصائد «لونا عامر» إلى الإيطالية على يد الدكتورة شيرين النوساني، وظهور نصوصها بالإيطالية في سياقات إعلامية وثقافية، يمثلان بعدًا مهمًا في انتشار التجربة.
فالترجمة لا تنقل الكلمات وحدها؛ إنها تنقل صورةً من المخيلة العربية إلى مخيلة أخرى.
وعندما تُترجم قصيدة عربية إلى الإيطالية، فإنها تدخل في حوار مع تاريخ طويل من الشعر الإيطالي، ومع قارئ لا يحمل بالضرورة السياقات نفسها التي يحملها القارئ العربي.
وهنا تبدأ القصيدة رحلة ثانية.
القصيدة الأولى تكتب باللغة الأم.
والقصيدة الثانية تولد في اللغة الأخرى.
وبين الولادتين تتسع مساحة الإنسان.
ثلاثة وعشرون: الأنطولوجيا العميقة للتجربة
إذا كانت الببلوغرافيا تسجل الكتب والجوائز والترجمات والمشاركات، فإن الأنطولوجيا تحاول الإجابة عن سؤال آخر:
ما الذي يبقى من تجربة لونا عامر بعد أن نسقط الأسماء والعناوين والصفات؟
يبقى أولًا الكتاب.
فالكتاب كان البداية، وما يزال جوهر المشروع.
ويبقى ثانيًا المكان.
الرقة، حلب، دمشق، ثم فضاءات عربية وأوروبية متعددة.
ويبقى ثالثًا المرأة.
لا بوصفها موضوعًا، وإنما بوصفها ذاتًا تبحث عن حقها في المعرفة والحضور والتعبير.
ويبقى رابعًا الجرح.
جرح الحرب والاقتلاع والغياب، لكنه جرح يتحول داخل النص إلى مادة جمالية لا إلى استسلام.
ويبقى خامسًا الحلم.
الحلم بأن تستطيع الثقافة أن تجمع ما تفرقه السياسة، وأن تستطيع القصيدة أن تعيد الإنسان إلى إنسانيته.
أربعة وعشرون: ثلاثية الحرف المقاوم
يمكن اختزال البعد الأنطولوجي في تجربتها في ثلاث كلمات:
المعرفة. الذاكرة. الجمال.
المعرفة في مواجهة الجهل.
والذاكرة في مواجهة النسيان.
والجمال في مواجهة الخراب.
ومن هنا فإن مقاومة الحرف عندها لا تتأسس بالضرورة على الخطاب المباشر، بل على فعل الكتابة نفسه.
فالكتاب مقاومة
والقصيدة مقاومة.
والترجمة مقاومة.
والحضور الثقافي مقاومة.
وحفظ الذاكرة مقاومة.
إن الإنسان الذي يكتب في زمن الانهيار يقول، بصورة ضمنية، إن الخراب ليس الكلمة الأخيرة.
خمسة وعشرون: من سورية إلى العالم
تحمل تجربة «لونا عامر» جذرها السوري، لكنها لا تتوقف عنده.
وهذا أمر بالغ الأهمية في فهم مشروعها.
فالهوية عندها ليست جدارًا، وإنما نافذة.
تبدأ من الرقة وحلب ودمشق، لكنها لا تنتهي عند الحدود السورية.
تصل إلى المغرب.
وتدخل فضاء بلغراد.
وتُترجم إلى الإيطالية.
وتحضر في باريس.
وتصل إلى لغات متعددة.
وهكذا يصبح المحلي طريقًا إلى الكوني، لا نقيضًا له.
إن القصيدة حين تحمل صدق تجربتها لا تحتاج إلى أن تتخلى عن جذورها لكي تكون إنسانية؛ بل إن إنسانيتها قد تتأكد تحديدًا من خلال خصوصيتها
ستة وعشرون: البعد التوثيقي… لماذا يجب أن تبقى هذه السيرة؟
إن كتابة هذه السيرة اليوم ليست مجرد استعادة لاسم أدبي؛ إنها محاولة للمساهمة في بناء ذاكرة ثقافية عربية معاصرة.
فالأجيال القادمة لن تعرف زمننا من خلال الأحداث السياسية وحدها.
ستعرفه أيضًا من خلال الكتب.
ومن خلال القصائد.
ومن خلال الشهادات.
ومن خلال النساء اللواتي كتبن في زمن الحرب.
ومن خلال المثقفين الذين حاولوا أن يجعلوا من الثقافة جسرًا بدل أن تكون الثقافة جبهةً أخرى للصراع.
ولهذا فإن توثيق تجربة «لونا عامر» ينبغي أن يتعامل مع كل ما يتصل بها بوصفه مادةً أرشيفية قابلة للتحقق والتصنيف:
الكتب والدواوين.
النصوص المنشورة.
الترجمات.
الموسوعات.
المشاركات الدولية.
المؤتمرات والندوات.
الجوائز.
الشهادات.
الوثائق المؤسسية.
والمواد الإعلامية.
ذلك أن الذاكرة الأدبية لا تُبنى بالانطباعات وحدها، وإنما تحتاج إلى أرشيف يحميها من النسيان والتشويه والسقوط في الذاكرة الشفوية.
سبعة وعشرون: الببلوغرافيا بوصفها ذاكرة
إن أهمية الببلوغرافيا لا تكمن في تعداد العناوين، وإنما في أنها تمنح التجربة شكلًا يمكن للأجيال الرجوع إليه.
فالكتاب الذي يحمل اسم الشاعرة ليس مجرد كتاب؛ إنه شاهد على زمن.
والترجمة ليست مجرد انتقال لغوي؛ إنها شهادة على عبور الحدود.
والجائزة ليست مجرد تكريم؛ إنها وثيقة على لحظة استقبال.
والمشاركة في مؤتمر ليست مجرد صورة تذكارية؛ إنها أثر في الحياة الثقافية.
والشهادة ليست ورقةً هامشية؛ إنها جزء من الأرشيف.
والمؤسسة الثقافية ليست مجرد اسم؛ إنها محاولة لصناعة فضاء للثقافة.
وبذلك تتحول التفاصيل المتفرقة إلى خريطة ثقافية متكاملة.
ثمانية وعشرون: لونا عامر… أنثى الحرف
حين نعيد النظر في هذه المسيرة كلها، من طفلة تدخر مصروفها لشراء الكتب، إلى طالبة إعلام، ثم دكتورة، ثم قاصة وكاتبة مسرح وشاعرة، ثم مترجمة إلى لغات أخرى، ومشاركة في موسوعات ومشاريع شعرية دولية، وحاصلة على جائزة، وحاضرة في الندوات والمؤتمرات والورش، وفاعلة في العمل الثقافي؛ فإننا لا نرى مسارًا مستقيمًا، بل نرى تراكمًا إنسانيًا وثقافيًا.
وهذا التراكم هو الذي يمنح تجربة «لونا عامر» قيمتها.
إنها امرأة خرجت من بيت الحكاية إلى فضاء الكتاب.
ومن الكتاب إلى الجامعة.
ومن الجامعة إلى الإعلام.
ومن الإعلام إلى الأدب.
ومن الأدب إلى المؤسسة الثقافية.
ومن اللغة العربية إلى لغات العالم.
وفي كل انتقال كانت تحمل معها شيئًا من المكان الأول: الذاكرة، والحكاية، واللغة، والإنسان.
محطات أخرى في المنجز الشعري والترجمة
ولا تكتمل الخريطة الببلوغرافية لمنجز «لونا عامر» من دون الإشارة إلى ديوانها الرابع «مطر… بتلاوة أفقية»، الذي صدرت طبعته في المغرب، بوصفه محطةً أخرى في تطور تجربتها الشعرية، وإضافةً إلى مسارها في الكتابة الذي اتسع تدريجيًا في الموضوع والرؤية والبناء.
أما ديوانها الثالث، فيضم ستين قصيدة، وقد اكتسب بعدًا عابرًا للغة من خلال ترجمته إلى الإسبانية على يد الصحفية والمترجمة المغربية فتيحة بجاج السباعي، فيما تولى البروفيسور المغربي محمد المدكوري، الأستاذ الذي يدرّس في جامعة مدريد، مراجعة الترجمة وتدقيقها. ولم يقتصر الاهتمام بهذا الديوان على عملية النقل من العربية إلى الإسبانية، بل أحاطت به أيضًا قراءات نقدية وثقافية من أسماء مغربية بارزة؛ إذ كتب مقدمته العلامة المغربي الكبير أحمد بلحاج آية وارهام، كما كتب له مقدمة أخرى الناقد المغربي الكبير محمد علوط.
وتمنح هذه المعطيات الديوان موقعًا خاصًا في المسار الببلوغرافي للشاعرة؛ فهو لا يمثل مرحلةً من مراحل إنتاجها الشعري فحسب، وإنما يجسد أيضًا انتقال النص من فضائه العربي إلى فضاء لغوي وثقافي آخر، في تفاعلٍ يجمع بين الإبداع والترجمة والنقد، ويؤكد أن القصيدة حين تعبر إلى لغة جديدة لا تغادر جذورها، بل تكتشف إمكانات أخرى لحضورها في العالم.
وبذلك تتكامل في هذا الديوان ثلاث دوائر متداخلة: النص الشعري بوصفه إبداعًا، والترجمة بوصفها جسرًا بين الثقافات، والقراءة النقدية بوصفها فعلًا من أفعال تثبيت النص في الذاكرة الأدبية؛ وهي دوائر تجعل من المنجز الشعري لـ«لونا عامر» مادةً جديرة بالتوثيق والقراءة ضمن حركة الشعر العربي المعاصر.
خاتمة: ما يبقى من الإنسان حين يمضي الزمن؟
ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه سيرة عائشة الخضر «لونا عامر» ليس: كم كتابًا كتبت؟ ولا كم جائزة حصلت؟ ولا كم بلدًا عبرته قصائدها؟
السؤال الأعمق هو:
ماذا استطاعت أن تنقذ من الزمن؟
أنقذت شيئًا من الحكاية.
شيئًا من ذاكرة الرقة.
شيئًا من روح حلب.
شيئًا من دمشق التي عرفتها في الدراسة والحياة والحرب.
أنقذت صورة المرأة وهي تبحث عن صوتها.
وأنقذت من الحرب ما يمكن للكلمة أن تنقذه.
وحولت بعضًا من الفقد إلى قصيدة.
وبعضًا من الحنين إلى كتاب.
وبعضًا من العزلة إلى ترجمة.
وبعضًا من الاختلاف إلى حوار ثقافي.
وهنا تتجاوز التجربة حدود السيرة الفردية لتصبح شهادة على قدرة الإنسان على تحويل المحنة إلى معرفة، والذاكرة إلى إبداع، والجغرافيا إلى لغة.
إن «أنثى الحرف المقاوم» ليست عبارةً للزينة، وإنما يمكن أن تكون مفتاحًا لقراءة تجربة قامت، في جوهرها، على الإيمان بأن الثقافة ليست ترفًا في زمن الخراب، وأن الكتاب ليس ورقًا، وأن القصيدة ليست كلمات، وأن المرأة ليست هامشًا في التاريخ.
لقد بدأت الحكاية من بيتٍ يعرف قيمة الكتاب، ومن طفلةٍ تعرف أن المعرفة تستحق أن يُدخر لها من المصروف.
ثم كبرت الحكاية.
صار للطفلة اسم أدبي.
وصار للكتاب قصيدة.
وصارت القصيدة ذاكرة.
وصارت الذاكرة مشروعًا ثقافيًا.
وصارت اللغة الأم جسراً إلى لغات أخرى.
وهكذا، حين يأتي جيلٌ بعد جيل ليفتش في أرشيف الثقافة العربية عن أصوات نسائية قاومت النسيان، وعن أدباء عاشوا زمن الحرب دون أن يتخلوا عن حقهم في الحلم، فإن تجربة عائشة الخضر «لونا عامر» يمكن أن تقدم واحدة من تلك الشهادات التي تقول:
إن الخراب يستطيع أن يهدم المكان، لكنه لا يستطيع وحده أن يهدم الذاكرة؛ وإن الإنسان قد يفقد وطنه في الجغرافيا، لكنه يستطيع أن يعيد بناءه في اللغة؛ وإن المرأة حين تمسك بالقلم لا تكتب عن ذاتها فقط، بل قد تحفظ في سطورها جزءًا من زمنٍ كامل.
ولذلك فإن هذه السيرة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها صفحةً تنتهي بانتهاء صاحبها، بل بوصفها وثيقة مفتوحة على الأجيال؛ وثيقة تقول إن الحرف، حين يتكئ على المعرفة والوعي والجمال، يستطيع أن يقاوم النسيان، وأن يجعل من التجربة الفردية أثرًا في الذاكرة الجمعية.
وهذا، في نهاية المطاف، هو المعنى الأعمق للثقافة:
أن يرحل الإنسان، وتبقى منه كلمة؛
وأن يمضي الزمن، وتبقى منه ذاكرة؛
وأن تنطفئ اللحظة، ويبقى الكتاب شاهدًا عليها.
عائشة الخضر «لونا عامر»…
أنثى الحرف المقاوم،
وسيرة امرأة اختارت أن تجعل من الكلمة بيتًا،
ومن المعرفة طريقًا،
ومن الشعر ذاكرة،
ومن الثقافة جسرًا إلى الإنسان.
وما يستحق أن يبقى للأجيال ليس الاسم وحده، وإنما الأثر الذي تركه الاسم في زمنه.
د.عائشة الخضر لونا عامر


