جلست يوما على ضفاف العمر، أراقب الحياة وهي تمشط شعر الصباح بأصابع الضوء، فقلت لها:
يا حياة، لم تزرعين الشوك في دروب الورود؟
فابتسمت كأم تعرف أسرار أبنائها وقالت: لو كانت الوردة بلا شوك، لما تعلم الناس أن الجمال يحتاج إلى صبر، وأن الأحلام لا تقطف بالأمنيات وحدها.
فقلت: ولم لا يحبنا جميع من نحبهم؟
قالت: لأن القلوب ليست مرايا تعكس صورتك كما تشاء، بل نوافذ تفتحها الأرواح لمن تشاء. يكفيك أن تكون وردة عابقة بالعطر، وليس عليك أن تجبر الفراشات على الهبوط فوق أغصانك.
ثم سألتها: وأين السعادة؟
قالت: السعادة عصفور خجول، لا يحط إلا على الأغصان التي خلت من الحقد. فمن ملأ قلبه بالمحبة، جعل من صدره حديقة، ومن أيامه ربيعا لا يشيخ.
عندها مر طيفها… تلك التي تسكن نبضي كقصيدة لم تكتمل. فقلت للحياة: وهل الحب أيضا وردة؟
فضحكت وقالت: بل هو البستان كله… إن أحسنت سقيه بالصدق أزهر، وإن أهملته ذبلت أغصانه ولو كانت جذوره في أعماق القلب.
ثم همست لي: إن السيرة الحسنة شجرة زيتون مباركة، لا تغريك بسرعة نموها، لكنها تمنح ظلها للأجيال، وتبقى شامخة حين تتساقط أوراق الأشجار الأخرى.
فأدركت أن الحياة ليست طريقا إلى السعادة، بل هي السعادة حين نسير فيها بقلوب بيضاء. وأن أجمل الناس ليسوا أصحاب الوجوه المضيئة، بل أصحاب الأرواح التي إذا مرت على القلوب تركت فيها أثر المطر على الأرض العطشى.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت وردة، تذكرت أن الخيال أوراقها، والحقيقة أشواكها، وأن الحكمة ليست أن نهرب من الشوك، بل أن نتعلم كيف نصل إلى العطر دون أن نفقد جمال أرواحنا.
✍️ بقلم الأستاذ ع/ الحكيم الجزائري


