الجدة
لم أكن أحبها.
نعم، لم أكن أحب جدتي، ولم أجرؤ يومًا أن أبوح بذلك لأحد.
كنت أراها سلطةً لا تُراجع، وحكمًا لا يُستأنف. رأيها هو الأخير، والكل ينحني له؛ حتى أبي، بصرامته وهيبته، كان أمامها مطيعًا لا يناقش.
كرهتها في تلك الليلة، حين سمعتها تقنع أبي بنقلي من مدرستي التي أحببتها، ومن أصدقائي الذين ألفتهم، إلى مدرسة داخلية في مدينة بعيدة، تفصلها عن قريتنا مئات الكيلومترات. كانت تقول إن أصدقائي لا يصلحون لي، وإن مدرستي ضعيفة، وإن بقائي بينهم سيُفسد أخلاقي.
بكيت، صرخت، توسلت… لكن أبي نفّذ ما رأته الحاجة مريم، كما كان يناديها الجميع.
لم أذكر أنها دللتني يومًا. كانت تراني ولدًا متمردًا، صلب الرأس، كثير العناد.
تأملت وجهها وكلي غضب من ذلك القرار الذي لا رجعة فيه …ملامحها هادئة كبحرٍ لا يُؤمَن ثورانه، وعلى وجهها تجاعيد لا تخفي أن جمالًا نادرًا مرّ من هنا ذات شباب.
كانت غرفتها في أقصى بيت أبي؛ غرفة قليلة الأثاث، فيها سرير، وخزانة ملابس، وكراسٍ متناثرة، وطاولات صغيرة.
أكثر ما كان يجذبني إليها رائحة القهوة التي تصنعها بنفسها، وما يصلني من همسات الأخبار و الأسرار من زوارها. فكل أبنائها وبناتها كانوا يأتون إليها حاملين الأسرار، وكأنها، رغم جلوسها في مكانها، تعرف كل ما يدور في العالم.
وقبل سفري بيوم، نادتني إلى غرفتها لتودعني.كان ذلك أول يوم تحتضنني فيه.
شعرت بدفء قلبها، وبرائحة ثوبها المعطر بعطور شرقية هادئة حرصت أن لا تفارق خزانتها …دسّت في يدي مبلغًا من المال كانت تخبئه في طرف ثوبها، وأعطتني مسبحة طالما رأيتها بين أصابعها.
ثم قالت:
“يا عثمان، كن قدوةً لإخوتك. احفظ نفسك، وراقب الله في عملك. أنت سند أبيك، ونريدك أن تكون من أفضل شباب القرية.”
أفلتُّ من بين يديها وركضت إلى غرفتي أبكي. فهي التي اختارت لي البعد والغربة، وهي نفسها التي ودعتني كأنها تخشى عليّ من الطريق. كان قلبي ممزقًا بين ألم الفراق، ورغبة خفية في اكتشاف حياة جديدة، وحلمٍ قديم بأن أصبح طبيبًا مرموقًا.
مرت السنوات.
كبرت، ودخلت كلية الطب. وكلما عدت إلى القرية، كنت أرى الحاجة مريم تنقص قليلًا؛ صحتها تضعف، بصرها يخبو، سمعها يبتعد، وذاكرتها تتعثر.
وحين ضعفت، أحببتها.
صرت أأنس بالجلوس قرب قدميها، وهي تسألني عن المدينة و أحوال الناس فيها، وعن الطب، وعن صعوبة الدراسة، ثم تعبث بشعري الكثيف كأنني ما زلت ذلك الطفل الغاضب.
نشأت بيننا علاقة لم أتوقعها. صرت أحكي لها أسراري كلها كما يفعل أبي. حتى زميلتي التي أحببتها ونويت الزواج منها، أخبرتها عنها قبل أن اخبر والدي. يومها أشرق وجهها، ودعت الله أن يكرمها بحضور عرسي.
واليوم، أقف ببدلة عرسي، والناس حولي يهنئونني بعد أن تخرجت طبيبًا.
هذه اللحظة التي تمنتها جدتي… ولم تنلها.
خطوت بحذر نحو غرفتها العتيقة. فتحت خزانة ملابسها، وأخرجت ثوبها المعطر؛ ذلك الثوب الذي أصر أبي أن يُبقيه بين أغراضها. دسست وجهي فيه وبكيت.
شعرت كأن روحها تحوم حولي، وكأن يدها القديمة تربت على رأسي.
كان في صدري كلام كثير تمنيت لو قلته لها.
بل هي في الحقيقة عبارة واحدة:
(جدتي… إني أحبك كثيرًا)
د. إبتهال الطيب
#المنتدى العربي للنقد المعاصر#مجلة ايليت فوتو ارت..


