لعبت الشخصيات الثانوية أدواراً مفصلية في دفع “وسام” نحو مصيره، سواء بالتحفيز أو بالإحباط:
👈خير الله-صاحب المطعم في المهجر-:
دوره: المنقذ والفرصة الأولى في الغربة.
التأثير: وفّر لوسام المأوى والعمل (غسل الأواني) في لحظة انكسار وشعور بالضياع، مما مكّنه من البقاء في إيطاليا.
“”كدت أجهش بالبكاء. باب الجنة فتح أمامي بغتة” عندما عرض عليه خير الله الاستحمام وتغيير ملابسه”
“…شكرته ولّمّا هممت بالخروج، استوقفني قائلا: -إن أردت أن تشتغل تعال بالّلّيل، لتساعد في الّتّنظيف وإعداد ما نستحّقّه في الغد.”
“…هناك خلف المطبخ دش صغير فيه الماء الّسّاخن. وفيه الّشّمبو والّصّابون. كدت أجهش بالبكاء. باب الجّنّة فتح أمامي بغتة.”
👈كلارا- السيدة الإيطالية-: الأرملة الإيطالية المريضة، تحمل ماضياً مع المافيا وخيانة زوج وابن بالتبني. هي “الأم البديلة” التي تمنح وسام فرصة جديدة، لكنها تموت تاركة إياه في حالة من اللايقين الأخلاقي.
دورها: الشخصية التي نقلت وسام من عامل بسيط إلى مدير أعمال وصاحب ثروة.
التأثير: وثقت به في إدارة شركاتها، وتحت إشرافها تحول وسام إلى رجل أعمال ناجح. انتهى دورها بتأثره بها إنسانياً لدرجة قراءة القرآن لها قبل وفاتها.
“…سنوات، تدّرّبت خلالها على إدارة أعمال شركتها للإيراد والّتّصدير، واستخرجت كّلّ الوثائق اّلّتي تبيح لي الّتّصّرّف في أملاكها بتوكيل عاّم،ّ بسبب مرضها وعدم قدرتها على الّتّنّقّل والعمل. في الأّوّل كنت أتواصل مع المسّيّرين عبر النت من داخل الّدّار، وكلارا معي توّجّهني وهي منبهرة بقدرتي على مسك حسابات الّشّركة، وأنشأُتُ لها فروعا في بلدان أخرى ومنها بلادي 176 177 تونس واّلّتي خّصّ صتها لتصدير زيت الّزّيتون …
“…كنت أحاول أن أخّفّف عنها بأن أقرأ لها آيات من القرآن، ورأيتها ترتاح إلى ذلك وتستمع إليه بانتباه.”
👈ابن العم- التاجر-:
دوره: الداعم المادي السري.
التأثير: هو من أقرضه مبلغ “الحرقة” (الهجرة غير الشرعية) وظل كاتم أسراره حتى عودته منتصراً.
“…عدت إلى بلدي. لم أذهب إلى أهلي. وأبقيت الّسّّرّ بيني وبين ابن عّمّي اّل ّذي أرجعت له المبلغ اّل ّذي اقترضته منه مضاعفا وأكثر. ووعدته بأن أجلب له شاحنة جديدة، مكافأة له على كّلّ ما قّدّمه لي من خدمات”
👈الحرّاق /الشخصية الظل
رغم أنه لا يظهر كثيراً كشخصية نامية، إلا أنه يمثل “المعبر” القاسي بين وطنه وبين ضياع الهوية. يمثل الجانب المظلم من التجربة السوسيولوجية، حيث يتحول البشر في نظره إلى أرقام ودنانير.
“أغفيت بعض الوقت في الخرابة التي أعدها لنا الحراق في جزيرة «قرقنة» لنتجمع فيها استعدادا للرحيل.” ص 77
تتحرك هذه الشخصيات في فلك “وسام” الذي يجسد “البطولة الفردية المأزومة” كعوامل دفع -الأم، ابن العم- أو عوامل جذب وصدمة -سيفدة- أو أدوات تمكين -خير الله، كلارا- كل شخصية ساهمت في تشكيل “نذالته” أو “انتقامه” كما يصفه، وصولاً إلى اللحظة التي عاد فيها ليشتري منزلاً في نفس حي سيفدة ليتفوق عليها طبقياً.
فكل شخصية قابلها كانت بمثابة محطة في طريق فقدانه لهويته القديمة واكتسابه لهوية “النذل” التي توج بها نهاية الرواية، كنوع من الاحتجاج على مجتمع لا يحترم إلا الأقوياء مادياً. كما يقول في مقدمة الرواية:
“إني فعلاً كنت نذلاً… ولكن هل سألتم أنفسكم من صنع هذا النذل؟” ص 11
سادساً: الحبكة (البناء الدرامي)
✅ملاحظة على البناء
الرواية مقسمة إلى ستة أجزاء، الأولان في تونس، والثالث والرابع في إيطاليا، والخامس والسادس يدمجان المكانين. هذا التقسيم يخلق إيقاعاً متناغماً.
تمر الرواية بخمس مراحل كلاسيكية:
- البداية (التهيئة): حيّ التضامن، الفقر، النجاح الدراسي، لقاء سيّفّدة.
- تصاعد الأحداث: العلاقة مع سيّفّدة، مساعدته لها دراسياً، زيارة منزلها.
- الذروة الأولى: إهانة أسرتها لوسام وأمه وأخته، هروبه، حرقه البحر.
- الذروة الثانية: اكتشافه لكلارا في القبو، إنقاذها، توكيله بإدارة أعمالها.
- النهاية: عودته إلى تونس غنياً، انتقامه من سيّفّدة (إغوائها وتركها)، انتحارها.
سابعاً: الأسلوب واللغة
👈اللغة:
تعد رواية “فهل كنت نذلاً؟” للكاتبة حبيبة المحرزي نموذجاً أدبياً حديثاً يطرح إشكاليات الهوية والطبقية من خلال هندسة لغوية دقيقة ومنهجية المزج بين الفصحى والعامية:
أولاً: مقدمة في لغة الرواية /المستوى السردي:
تعتمد الرواية في بنيتها الأساسية على الفصحى السردية الحديثة، وهي لغة تمتاز بالجزالة والوضوح، وتهيمن على المتن الحكائي ووصف المشاعر والمنولوجات الداخلية للبطل. تبرز لغة السرد كأداة لتحليل الواقع النفسي والاجتماعي للشخصية الرئيسية، حيث يستخدم البطل الفصحى لاستعراض صراعاته الفكرية وقناعاته حول مفاهيم مثل “النذالة” و”الكرامة”.
“أعلم أنكم ستلعنونني، ستسبّونني بكلّ الطّرق وبكلّ اللّغات وستتفّون على وجهي، إن صادفتكم ذات يوم. ولكي أكون صادقا معكم، وكي أحرّركم من الحرج في الجواب الّذي لن تتوصّلوا إليه، ولن تجزموا به، إلاّ إذا أتممت لكم القصّة. وقبل ذلك كلّه، أقول لكم، إنّني فعلا كنت نذلا.”ص11
“…. كنت نذلا بكلّ ما تخزّنه الكلمة من دلالات نتقارب أو تتباعد. نتفق أو تختلف مع ما جنيته من أفعال، ستبدو لكم مشينة حقيرة، وفق تصنيفاتكم التي تختلف حتما مع قناعتي بأنّني لم أرد سوءا بأحد، وإنّما انتقمت لكرامتي.”ص11
ثانياً: تقنيات المزج بين الفصحى والعامية التونسية
وظفت المحرزي العامية التونسية (الدارجة) بوعي فني، ولم تكن مجرد إقحام لغوي، بل تجلت في مستويين:
1.الحوار الواقعي: برزت العامية بشكل جلي في الحوارات التي تعكس البيئة الشعبية للبطل. فعندما يتحدث أهله أو جيرانه، تنساب الكلمات باللهجة التونسية لتعزيز “واقعية الحدث”، مثل استخدامه لمصطلحات “خبز الطابونة”، و”عّبّود بسيسة”، ووصف الأماكن كـ “الباساج” و”حي قصر السعيد”، “مذرّح”، “تو يڨردوك”، “ملاوي”، “عيّش وليدي”. مما يمنح النص “نكهة محلية” وصدقاً تمثيلياً.
“…وضعت في جيبي حفنة من الّدّنانير اّلّتي جمعتها من بيع خبز الّطّابونة للماّرّة والجيران.”ص13
“لأعود في نفس القطار الّذي سيكرّ عائدا، ليرجعني إلى محطّة «ت ج م» ومنها إلى محطّة الباساج لأركب الحافلة ((4c» كي توصلني إلى حيّي هناك.لا تسألوني عنه، فإنّني ألحقه بجاره «قصر السّعيد». ” ص14
- اللغة “الوسيطة” في الخطاب الاجتماعي: تظهر العامية أحياناً داخل السرد نفسه حين يتعلق الأمر بمفاهيم طبقية، مثل قوله: “جماعة هاي” أو “تْوْ يْڨْرْدوْكْ” (أي يحتالون عليك أو يبتزونك)، وهي عبارات تعكس الهوة الطبقية بين بطل قادم من حي فقير ومحيط المعهد العالي بقرطاج., « المذّرّح »- أي المقلد أو ذو الجودة السيئة.
“أريد أن أرى هذا المعهد الّذي حذّرني منه ابن خالي؟ قال لي: “فُكْ عْليكْ. جماعة هاي. تو يْقرْدوكْ”..”ص14
“…نزعت حذائي الّرّياضّيّ « المذّرّح » المنتفخ بالماء والّرّمال. جريت مبتعدا خائفا، لّمّا سمعت صّفّارة سّيّارات البوليس تلعلع بعنف مقتربة.”
“جريت إلى سوق المنصف باي، واشتريت هذا الحذاء بعلامة ماركة عالمّيّة شهيرة جّدّا،…”ص12
ثانيًا. النظرة الأدبية والنقدية لعملية المزج
ينظر النقد الأدبي الحديث إلى عملية المزج بين الفصحى و العامية، في العمل الروائي عامةً و في ” فهل كنت نذلًا؟” خاصةً كأنموذج لهذا التداخل ، من زوايا متعددة:
☑️الواقعية اللغوية: يرى النقاد و أتفق مع هذا الرؤية، أن استخدام العامية في الحوار يكسر “جمود الفصحى” ويمنح الشخصيات أبعاداً إنسانية حقيقية، فالبطل الذي يعاني من الفقر المدقع لا يمكنه التعبير عن أزمته اليومية بفصحى مقعرة أمام جيرانه.
☑️الوظيفة السوسيولسانيّة (Social Linguistics): المزج هنا ليس عفوياً، بل هو تعبير عن “ثنائية لغوية” تعكس الصراع الطبقي. فالفصحى هي لغة “المخ” والمتفوق دراسياً، بينما العامية هي لغة “الزقاق” والبؤس. هذا التراوح يجسد حالة التمزق التي يعيشها البطل بين طموحه الأكاديمي وواقعه الاجتماعي المرير.
- اللغة العامية التونسية
اعتمدت الكاتبة على العامية التونسية الممزوجة بالفصحى، مما يمنح النص “نكهة محلية” وصدقاً تمثيلياً. أمثلة: “مذرّح”، “تو يڨردوك”، “ملاوي”، “عيّش وليدي”.
☑️ مبدأ “تعدد الأصوات” (Polyphony): فيما يخصّ اللغة و ليس الشخصيّات ..من منظور باختين النقدي، يساهم هذا المزج في خلق تعددية صوتية داخل النص، حيث تتصارع لغة المؤسسة (الفصحى/المعهد) مع لغة الشارع (العامية/الحي)، مما يعطي الرواية ثقلاً نقدياً يتجاوز مجرد الحكي.
نجحت الكاتبة في جعل اللغة مرآة عاكسة للانكسارات النفسية، حيث كانت الفصحى لغة المراجعة الفكرية، والعامية لغة الوجع اليومي المباشر.
👈الأسلوب:
يتسم أسلوب حبيبة المحرزي في روايتها “فهل كنت نذلاً؟” بخصائص فنية تجعلها تجربة سردية لافتة، ويمكن اختزال ذلك في النقاط التالية:
- الصدق الشعوري والجُرأة: تمتاز لغتها بقدرة فائقة على النفاذ إلى دواخل النفس البشرية، حيث تمزج بين الاعتراف والمكاشفة بأسلوب “البوح الصادم” الذي يورّط القارئ أخلاقياً ووجدانياً مع البطل.
- الواقعية المغمسة بالألم: نجحت الكاتبة في تطويع اللغة لتكون مرآة للمكان (تونس) وللطبقة الاجتماعية، فجاء أسلوبها “لحمياً” حياً، ينبض بتفاصيل الحارة الشعبية وهموم التهميش، بعيداً عن التجميل اللغوي الزائف.
- المرونة اللسانية: أبدعت في الانتقال السلس بين الفصحى السردية الأنيقة والعامية التونسية المثقلة بالدلالات، مما منح النص هوية محلية وانتماءً واقعياً، وجعل الحوارات تبدو وكأنها مقتطعة من صميم الحياة اليومية
- #المنتدى العربي للنقد المعاصر#مجلة ايليت فوتو ارت..


