في مطلع عام 1697م قرر الأكاديمي والكاهن البريطاني هنري موندريل (1665م – 1701م)،زيارة اللاذقيَّة و الساحل السوري، والقيام برحلة من حلب إلى القدس.

زيارة هنري موندريل (1665 – 1701) اللاذقيَّة و الساحل السوري
إعداد المحامي أيمن يحيى حمدو

في مطلع عام 1697م قرر الأكاديمي والكاهن البريطاني هنري موندريل (1665 – 1701) ومجموعة من رفاقه – يبلغ عددهم خمسة عشر- شخصًا القيام برحلة من حلب إلى القدس. وفي يوم 26 من فبراير، انطلقوا باتجاه اللاذقية على الساحل السوري، وتابعوا طريقهم على طول ساحل لبنان من شماله إلى جنوبه؛ حتى بلغوا عكا في ساحل فلسطين، ومنها اتجهوا برًا إلى القدس الشريف. زار فريق منهم وادي الأردن والبحر الميت وبيت لحم، وعادوا مرة أخرى إلى القدس ليشقوا طريق الرجوع عبر دمشق وبعلبك حتى وصلوا حلب في يوم 18 من مايو. قضى الفريق الجزء الأكبر من الأشهر الثلاثة في السفر والترحال، وشاهدوا العديد من البلدان والمدن في المشرق. الرحلة في حد ذاتها كانت مألوفة للعاملين في حلب، ولكن ما يميز هذه الرحلة تحديدًا هي صحيفة الترحال التي خطها “هنري موندرل” وكتب فيها ملاحظاته عن الأماكن التي زارها…1

من هو هنري موندرل؟
هنري موندرل Henri Maundrell ولد عام 1665م في بلدة كومتون باسيت Compton Bassett بمقاطعة ويلتشاير، درس في كلية إكستر بأكسفورد. وفي عام 1691 رُسم كاهنًا، ثم في عام 1695 -وبإيعاز من خاله مدير بنك إنجلتر- عُين كاهنًا في معمل تابع لشركة المشرق التجارية في حلب بشمال سوريا. كان موندرل في الثلاثين من عُمره عندما انطلق إلى حلب عام 1695م، وكان قد أمضى القسم الأكبر من حياته اليافعة في بيئة أكاديمية أو دينية. كانت الجالية في حلب مجموعة صغيرة مؤلفة من أربعين شابًا أعزب لديهم اتصال قليل بالعالم الخارجي، وكانوا يعيشون تقريبًا في عُزلة عن العالم الخارجي. توفي هنري موندرل في حلب عام 1701م….2

بداية الرحلة من حلب نحو جسر الشغور
بعد مغادرة حلب توجه موندريل نحو جسر الشغور و منها توجه  غرباً في أودية وطرق وعرة جداً إلى أن وصول إلى قرية بداما، وبعدها بساعتين دخل إلى ريف جبلي مشجر تنتهي فيه حدود ولاية حلب لتبدأ حدود ولاية طرابلس الشام، حيث كانت اللاذقية تتبع لها في ذلك الوقت.
ويستطرد رحالتنا في وصف الطريق الذي يقوده إلى جبال اللاذقية، حيث كانت الأمطار غزيرة، وهو ما منعهم من الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة، إلى أن وصلوا إلى مزار قريب من قرية الشلفاطية، كانوا يأملون بأن يُسمح لهم بالمبيت داخله من دون أن يتمكنوا من ذلك. ويناقش في هذا الموضع من الرحلة قضايا تتعلق بالعقيدة العلوية، كون ذلك المزار يخص أحد شيوخ تلك الطائفة…3

اللاذقية الناهضة
في اليوم التالي، وكان يصادف الرابع من آذار/ مارس، تحسن الطقس قليلاً، وبات بالإمكان تجاوز النهر نحو مدينة اللاذقية التي يصفها بقوله: “تقع في منبسط مثمر قرب البحر، وهي مدينة بناها الملك المقدوني سلوقس نيكاتور على شرف والدته لاوديسيا. كانت قديماً مكاناً فخماً، ولكن بسبب النكبة التي حلت بهذه البلاد؛ فقد انحطت إلى حالة وضيعة جداً وبقيت كذلك سنوات طويلة، ولكنها في السنوات الأخيرة تشجعت لترفع رأسها من جديد، وأعيد بناؤها وأصبحت من أكثر المدن ازدهاراً على الساحل، بفضل قبلان آغا الذي وضعها على طريق التجارة وأحيا ذكرها، وهو تاجر ذو ثروة طائلة، وسلطة في هذه البلاد”.
ويلفت نظر موندريل وجود ناووسين قديمين من الحجر جرى العبث بهما طمعاً بالعثور على كنز، كما يقول. مشيراً إلى وجود ثيران وأكاليل منحوتة تزينهما، وكانت عليهما سابقاً كتابات محفورة، ولكنها متآكلة لا يستطيع المرء تمييز حروفها….4

جبلة والسلطان إبراهيم
بعد معاناة من الطريق والسيول الغزيرة التي تهدد حياة العابرين، وصل رحالتنا وصحبه إلى مدينة جبلة، الواقعة إلى جوار البحر، و”ذات السهل الواسع المثمر الممتد حولها”. ويقول في وصفها: “مظهرها رديء في الوقت الحالي، بالرغم من شهرتها. وآثارها تدل على مجدها الغابر.. ومن الأشياء الجديرة بالانتباه فيها حالياً جامعها وبيت الصدقات التابع له، وهما من بناء السلطان إبراهيم المدفون في المبنى الأول، كما يزعمون. ويحظى السلطان إبراهيم باحترام كبير هنا، وضريحه عبارة عن صندوق خشبي كبير مركب فوق قبره، ومغطى بسجادة تمتد وتتدلى على الأرض من جميع الجوانب، ومزين بمسابح خشبية كثيرة تتدلى عليه. وثمة مباخر عديدة، وشمعدانات للمنابر، وفرش كنسي جرى اغتنامه من غزو قبرص. وفي المدينة حمّام جميل قريب من المسجد، كما توجد بيارة صغيرة من أشجار البرتقال، اعتاد المسافرون أن ينصبوا خيامهم تحت ظلالها في الصيف”.
ويروي موندريل نقلاً عن العوام قصة السلطان إبراهيم الذي زهد في الحكم، وقرر أن يموت فقيراً في هذه المدينة، ورافقوه إلى الكهف الذي كان يتعّبد به، فوجده كهفاً عادياً مليئاً بالقبور والأضرحة، ومصلى يقولون إنه مصلى السلطان إبراهيم. ويمتدح رحالتنا موقع جبلة الملاحي، ويشير إلى مرفأها القديم، ويقول إنه رأى رصيفاً بالقرب من المكان، وأعمدة كبيرة من الغرانيت كان بعضها بجانب الماء، وبعضها غطس فيها، وأعمدة أخرى في حديقة قريبة مع تيجان من الرخام الأبيض منحوتة بدقة تشهد على الازدهار القديم للمدينة.

مدرج جبلة
ويصف موندريل مدرج جبلة الأثري بقوله: “أهم أثر قديم في جبلة هو مدرجها العظيم، عند البوابة الشمالية للمدينة. ما تبقى من البناء لا يتجاوز ارتفاعه العشرين قدماً، وله جانب منبسط نسفه الأتراك بالبارود، وأخذوا كميات كبيرة من رخامه لتزيين حمامهم ومسجدهم المذكور سابقاً، كما قيل لنا. وما تبقى من هذا المدرج نصف الدائري، صف لسبع عشرة نافذة مستديرة فوق الأرض. وقد رُفعت في جميع الاتجاهات أعمدة كبيرة ضخمة على قواعد عالية مقابل الجدار، وذلك من أجل تقوية البناء وتزيينه، ولكن معظم هذه الدعامات محطمة الآن. وفي الداخل ثمة ساحة كبيرة، لم أستطع أخذ قياساتها بشكل صحيح، وذلك بسبب البيوت المبنية فيها. وعلى الجانب الغربي لا تزال مقاعد المشاهدين كاملة”.

بانياس والمرقب
من جبلة تبع موندريل وصحبه الشاطئ في صباح السبت 6 آذار/ مارس أملاً في أن يكون الطقس أفضل مما كان عليه سابقاً. وبعد ساعتين وصلوا إلى ضفة نهر عميق يسميه الأتراك (السوريون) نهر الملك، رأوا على جانبيه أكوام الآثار وغيرها من بقايا الأبنية الضخمة. وعلى مسافة نصف فرسخ اجتازوا نهراً آخر باسم جوبر، شاهدوا عليه بقايا جسر من الحجر حسن البناء. ورأوا على الجانب الثاني من النهر في الأرض المزروعة، برجاً كبيراً مربعاً تحيط به بقايا أثرية من أبنية قديمة. ولاحظ وجود أبنية تاريخية قديمة من قلاع ومنازل تشير إلى حالة الإهمال الكبيرة التي يعانيها هذا البلد كما يقول. وبعد أن يمر ببانياس يشير إلى قلعة المرقب التي كان لها شأن كبير فيما مضى، ويقول إنها مبنية على شكل مثلث متساوي الأضلاع، تشير إحدى زواياه نحو البحر. ويضيف أنه مهما كانت قيمة هذا الأثر قديماً، فهو الآن مجرد سكن للريفيين الفقراء. بعد ذلك، يمرون بقرية ضهر صفرا التي يسكنها موارنة فقط، ثم قرية مرقية التي يسكنها أتراك (موندريل يقصد مسلمين سوريين) ومسيحيين. وفي هذه القرية يبيت وصحبه ليلتهم قبل أن يتحركوا في يوم الأحد 7 آذار/ مارس إلى نهر حسين، ويعبروا جسره الخشبي، ومنه إلى طرطوس.

وصف طرطوس
يخطئ موندريل في ذكر الاسم القديم للمدينة؛ إذ يقول إنه أريثوزا، والصحيح أنترادوس، لأن أريثوزا هي الرستن على ضفة العاصي. ويقول إنها، أي طرطوس، كانت مركز أسقفية، ولها حصانة كبيرة أيام “الحروب المقدسة” (الصليبية).
وفي وصف المدينة يكتب: “تقع على ساحل البحر، ولها سهل واسع ممتد حولها، وما بقي من بنائها القديم قلعة كبيرة جداً لا تزال مأهولة، يغسلها البحر في جانب منها. وهي محصنة من طرفها الآخر بجدار مزدوج من الرخام الخشن، مبني على الطريقة الريفية، وبين الجدارين ثمة خندق، كما يوجد خندق آخر يحيط بالجدار الخارجي. يمكن الدخول إلى القلعة من جانبها الشمالي، عبر جسر قابل للسحب يوصل إلى غرفة واسعة. القسم الأكبر منها غير مغطى، ولكنها كانت قديماً مغطاة بأقواس ذات مظهر حسن، وفي القلعة كنيسة خاصة بها، ويمكن الاستدلال على وجود الكنيسة القديمة من خلال الرموز الباقية على الجدران، كحمامة نازلة فوق المكان الذي كان فيه المذبح، وفي مكان آخر هناك رمز الحمل المقدس”. ويشير موندريل إلى أن المدينة القديمة مبنية حول القلعة، من الجانب الجنوبي الشرقي، وكان لها جدار جيد وخندق يحيط بها، لا يزال قسم كبير منه باقياً، ولكن الأبنية الأخرى لم يبق منها شيء، عدا الكنيسة على بعد حوالي مئتي متر شرقي القلعة. ويقول إن طول الكنيسة مائة وثلاثون قدماً، وعرضها ثلاث وتسعون، وارتفاعها واحدة وستون قدماً. أما جدرانها وأقواسها وأعمدتها فهي من الرخام غير الطبيعي، وجميعها ما تزال كاملة، بحيث إن القليل من المال يمكن أن يعيدها إلى وضعها السابق من جديد.
من طرطوس أرسل موندريل وصحبه أمتعتهم إلى طرابلس (اللبنانية)، قبل أن يتحركوا، ووصلوا بعد ربع ساعة من طرطوس إلى ضفة نهر جاف يبدو أنه كان عريضاً بدلالة آثار جسر حجري، وبعد مسافة نصف فرسخ وجدوا أنفسهم قبالة جزيرة صغيرة، تبعد فرسخاً عن اليابسة. وهي جزيرة أرواد الشهيرة. وبعد أن تركوا الآثار المقابلة للجزيرة، دخلوا سهلاً فسيحاً وعريضاً للغاية، يقع بين البحر والجبل، ويمتد طولاً حتى يبلغ طرابلس، وقد احتاجوا لعبوره سبع ساعات…5

المصادر
[1] Henri MAUNDRELL: Voyage d’Alep à Jerusalem, à Pâques en l’année 1697, traduit de l’anglais, Autrecht, chez Guillaume van Poolsum, 1705.

الأصل اإنكليزي للمرجع: A Journey from Aleppo to Jerusalem, at Easter, A. D. 1697, by Henry Maundrell, first American edition, Boston, 1836.

ثمة نسخة إنكليزية أخرى: A Journey from Aleppo to Jerusalem, at Easter, A. D. 1697, by Henry Maundrell, a new edition, London, printed for C. and J. Rivington, 1823.

للمزيد انظر مقدمة الترجمة العربية (هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة دار الكتب الوطنية (ط1/1433ـ2012) ت صفوح الذهبي. مراجعة رحلة هنري موندرل من حلب إلى القدس
محمد عثمان الشربينى.
[2] – للمزيد حول حياة هنري موندرل راجع بحث شرين خير الله (معهد الإنماء العربي) ترجمة عماد أبو سعد ـ1988/ مج9ع51.
[3] – هنري موندريل: في الطريق من حلب إلى طرطوس عام 1697 الاستاذ الباحث تيسير خلف العربي الجديد
[4] – ترجم الكاتب حسني حنى النص كما يلي :
“تقع اللاذقية على أرض مسطحة وخصبة، على شاطئ البحر. هذه المدينة بنيت من قبل سلوقوس  Seleucusالذي أسماها على اسم أمه Laodicea وظلت المدينة تحتفظ بهذا الاسم، مع تغيير بسيط. وكانت قديماً مكاناً رائعاً لكنها تحولت الى حالة محزنة، من جراء الكوارث التي حلت بها. وظلت هكذا فترة لابأس بها. ولكن منذ اعوام أعيد بناؤها من جديد. وأصبحت المدينة الأكثر ازدهاراً على الشاطئ. دفعت في طريق التجارة من قبل (قبلان آغا الطرجي) وهو رجل غني، ويملك سلطات واسعة في هذه المنطقة والذي كانت له هواية كبيرة في التجارة..”. ينظر اللاذقية في أدب الرحلات.. الرحالة الأوروبيون.
[5] – تيسير خلف مصدر سابق

أخر المقالات

منكم وإليكم