محاولة كتابة نقدية
صفوان داحول… حين يصبح التكوين لغةً للإنسان
بقلم عدنان حميدة
يتساءل البعض: لماذا أخذ صفوان داحول كل هذه الشهرة؟
وأعتقد أن الإجابة لا تكمن في الشهرة نفسها، ولا في الحضور الإعلامي، ولا في الظروف المحيطة بتجربة الفنان، بل في شيء أكثر عمقاً: أن صفوان داحول كان جاداً في الفن منذ بداياته، وأنه أمضى تجربته وهو يبحث، لا عن صورة يكررها، وإنما عن لغة تخصه.
أقول ذلك من خلال متابعتي الطويلة لأعماله، ومن خلال معرفتي به في مراحل مبكرة من تجربته. ولعل من أكثر اللحظات التي عمّقت معرفتي به تلك الأيام التي أمضيناها في معسكر جزيرة أرواد، تسعة عشر يوماً متواصلة. هناك، بعيداً عن صالات العرض والحسابات التي ترافق المشهد الفني، كان واضحاً أن صفوان لا يتعامل مع الفن بوصفه نشاطاً عابراً، بل بوصفه سؤالاً مفتوحاً.
كان يبحث عن خط، ولون، وتكوين، ومشاعر إنسانية.
وكان الأهم أنه كان يبحث عن نفسه داخل هذه العناصر.
واليوم، عندما أنظر إلى أعمال صفوان داحول، عملاً بعد عمل، أجد أن ما يلفتني ليس الموضوع وحده، ولا تلك الشخصية الأنثوية التي أصبحت علامة مميزة في تجربته، وإنما أجد قبل ذلك بناءً تشكيلياً متماسكاً.
وأخص بالذكر التكوين.
لقد حاولت في أكثر من مرة أن أتعامل مع لوحاته بعين الفنان الذي يبحث عن الخلل: أين يمكن أن يختل الميزان؟ أين يمكن أن تكون الكتلة زائدة؟ أين يمكن أن يتعثر الفراغ؟ أين يمكن للخط أن يضعف علاقة الشكل بالمساحة؟
وفي كثير من الأعمال، أجد أن التكوين عنده يصعب اختراقه.
ليس لأنه جامد أو مغلق، بل لأنه يمتلك نوعاً من الصرامة الداخلية.
هناك ليونة في الحركة، لكن وراء هذه الليونة نظام. وهناك عفوية تبدو للوهلة الأولى، لكن خلفها قرار تشكيلي محسوب.
وهنا أعتقد أن أحد أسرار تجربة داحول موجود في هذه المفارقة تحديداً:
أن يبدو العمل بسيطاً، بينما هو في داخله شديد التعقيد.
فالخط عنده ليس مجرد حدود للشكل، واللون ليس مجرد غطاء للكتلة، والفراغ ليس مساحة متروكة بالصدفة. كل عنصر يدخل في علاقة مع الآخر، بحيث يصبح حذف جزء أو تغيير موضعه مسألة تؤثر في بنية العمل كلها.
في العمل الذي أمامي مثلاً، لا أشعر أن الجسد موضوع داخل مساحة اللوحة، بل أشعر أن الجسد والمساحة قد ولدا معاً. هناك علاقة دقيقة بين الكتل العضوية وبين المساحات الهندسية المحيطة بها. الخطوط المنحنية تمنح الجسد حركة، بينما تعمل المساحات الصلبة على ضبط هذه الحركة ومنعها من التحول إلى سيولة مجانية.
وهذا ما يجعل التكوين عند صفوان داحول قائماً على التوازن بين الحركة والسكون، وبين العضوي والهندسي، وبين الكتلة والفراغ.
الجسد ليس موضوعاً فقط
قد يختصر البعض تجربة داحول في المرأة أو الجسد أو العين أو الحلم، لكنني أرى أن هذا الاختصار لا ينصف تجربته.
فالجسد عنده يتحول تدريجياً من موضوع مرئي إلى حامل للمشاعر.
إنه جسد لا يقدم نفسه بوصفه جسداً واقعياً بالمعنى الأكاديمي، ولا بوصفه نموذجاً تشريحياً، وإنما بوصفه مساحة تختزن القلق والوحدة والانتظار والحلم والانكسار.
ولهذا تبدو شخصياته أحياناً وكأنها لا تنظر إلى المتلقي، بل تنظر إلى مكان آخر، إلى داخلها ربما.
وهنا تتقاطع قوة الموضوع مع قوة التكوين.
فالشخصية عند داحول لا تقف في اللوحة لكي تقول: «انظروا إليّ»، وإنما توجد لكي تخلق توتراً بين حضورها وغيابها.
وهذا أمر مهم جداً في الفن.
من الرسم إلى بناء عالم
الفنان الجيد يستطيع أن يرسم شكلاً جميلاً.
أما الفنان الذي يبني تجربة، فهو الذي يستطيع أن يجعل الشكل جزءاً من عالم بصري متكامل.
وهذا ما أراه في تجربة صفوان داحول.
لقد انتقل من مرحلة إلى أخرى، لكنه لم يكن ينتقل انتقالاً شكلياً فقط. كان يحمل معه أسئلته ويعيد صياغتها. ومع الزمن أصبح لديه قاموسه البصري الخاص، بحيث يستطيع المتلقي أن يتعرف إلى عالمه حتى قبل أن يعرف اسم الفنان.
وهذه، في رأيي، إحدى العلامات المهمة على نضج التجربة.
أن يصبح للفنان صوت بصري.
ليس المقصود أن تكون اللوحة متشابهة مع سابقتها، بل أن يكون وراء اختلاف الأعمال منطق داخلي يجعلها تنتمي إلى التجربة نفسها.
لماذا صفوان داحول؟
لذلك، عندما يسألني أحدهم:
لماذا صفوان داحول؟ ولماذا كل هذه الشهرة؟
لا أجد الإجابة في الشهرة.
أقول إن صفوان وصل إلى ما وصل إليه لأنه اشتغل على الفن بجدية، وامتلك زمناً طويلاً من البحث، ولم يتعامل مع اللوحة كحدث منفصل، بل كحلقة في سلسلة طويلة من الأسئلة.
وأقول أيضاً إن الفنان لا يصنعه موضوع واحد، ولا لون واحد، ولا تقنية واحدة.
الفنان تصنعه قدرته على أن يجعل الخط واللون والكتلة والفراغ والإيقاع والتكوين والمشاعر الإنسانية تعمل معاً داخل بنية واحدة.
وهنا تحديداً أرى قوة صفوان داحول.
قد نختلف حول لوحة، أو مرحلة، أو اختيار لوني، أو حتى حول بعض الخيارات الجمالية، وهذا طبيعي وصحي في الفن. لكن عندما ننظر إلى التجربة ككل، يصعب تجاهل مقدار الاشتغال الذي يقف خلفها.
وأنا، كفنان، أكثر ما يستوقفني فيها هو التكوين.
فالتكوين عند داحول ليس ترتيباً للعناصر داخل مستطيل.
إنه طريقة في التفكير.
إنه يعرف أين يضع الكتلة، ومتى يترك للفراغ أن يتكلم، ومتى يسمح للخط أن يذهب، ومتى يوقفه. يعرف كيف يجعل الشكل ثقيلاً من دون أن يثقل اللوحة، وكيف يمنح الحركة اتجاهاً من دون أن يفقدها حريتها.
وهذه ليست مسألة سهلة.
لذلك أرى أن الحديث عن صفوان داحول لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: كيف أصبح مشهوراً؟
بل من سؤال آخر أكثر أهمية:
ماذا فعل طوال هذه السنوات كي يصبح لديه عالمه الخاص؟
وعندما نطرح السؤال بهذه الطريقة، تصبح الشهرة نتيجة، لا سبباً.
وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الفنان هو أن تصبح لوحته، بعد سنوات من البحث، قادرة على أن تتحدث باسمه حتى عندما لا يكون اسمه مكتوباً تحتها.
وهذا، في رأيي، أحد أهم ما حققه صفوان داحول.
#عدنان حميدة#فينيقيا التشكيلية#مجلة ايليت فوتو ارت.


