صعوبات الترجمة الادبية من اللغة الروسية

بقلم جودت هوشيار

تتسم اللغة الروسية بخصائص تجعل ترجمة الأعمال الأدبية الروسية الجادة الى اللغات الأخرى ومنها العربية ، أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى المترجم الذي لم يعش في روسيا لفترة زمنية طويلة ، ولم يخالط الروس في حياتهم اليومية . وأهم هذه الخصائص ما يلي :

1- تحتوي اللغة الروسية على كلمات وعبار
ات اصطلاحية لا نظير لها في اللغات الأخرى ، لذا يلجأ المترجمون – إذا فهموا معانيها – الى ترجمتها بكلمات وعبارات تقريبية غير متكافئة مع لغة الأصل .

ثمة عبارة اصطلاحية شائعة في الحياة اليومية في روسيا ، وفي اللغة الروسية المنطوقة والمكتوبة على حد سواء . ومنها مثلاً عبارة ( فوت ايتا دا ) وتعني حرفيا ” هذا هو نعم ” . ولكن هذه العبارة تستخدم للتعبير عن التعجب والدهشة ، او عن مفاجأة سارة غير متوقعة ، وأحياناً تأتي بمعنى رائع ، أو مذهل . وأقرب ترجمة عربية لها هي صيحة ( يا سلام ! ) كما في اللغة العامية المصرية .

ومن العبارات الاصطلاحية الشائعة ” نعم كلا ” وهي عبارة أثارت حيرة المترجمين الغربيين من الروسية. كيف يمكن الجمع بين نعم ، وكلا ؟ . ولكن المعنى الحقيقي لهذه العبار هو النفي الشديد المطلق ( كلا ، كلا ) أو ( أبداً ، أبداً ). وجاءت كلمة ( نعم ) لأعطاء النفي المزيد من القوة . لذا يجب على المترجم أن يعرف المعنى الحقيقي ، الذي يدل عليه كل مصطلح ، وطريقة استخدامه.
ولعل من أغرب هذه العبارات الإصطلاحية ” إلى حد القداسة ” ففي قصة إيفان بونين الموسومة بعنوان ” زمرد ” المترجمة إلى العربية وردت عبارة ” يا لها من غباء إلى حد القداسة ” وهي ترجمة حرفية للعبارة الروسية . كيف يمكن الجمع بين الغباء والقداسة ؟. ” إلى حد القداسة ” جملة اصطلاحية قديمة وتعنى جدا أو كثيرا .
وثمة عبارات روسية إصطلاحية لا حصر لها تتردد كثيرا في الحياة اليومية ، وفي الأعمال الأدبية كثيراً. يقول الروس : ” أي شيطان؟ ” . وهي تعني : لماذا ، أو من أجل ماذا؟ .

2- يزخر الادب الروسي باشارات الى الأساطير والحكايات الفولكلورية الروسية ،وفولكلور الشعوب الأخرى ، وأسماء اعمال أدبية شهيرة في الأدبين الروسي والعالمي قديمه وحديثه . واذا كان المترجم غير ملم بالتراث الروسي الثقافي ، وغير مطلع على التراث الثقافي الانساني ، لن تكون ترجمته دقيقة أبداً .

3- اللغة الروسية الفصيحة قريبة جداً من لغة المثقفين الروس . ولكن ثمة ألفاظ وعبارات لا تستخدم الا في هذه المنطقة أو تلك من روسيا المترامية الأطراف ، ولن تجدها في أي قاموس روسي – أجنبي .
4- هناك عبارات شائعة في عالم الجريمة المنظمة ، وفي المعتقلات والسجون ، لن تجدها في أي قاموس من قواميس اللغة الروسية ، رغم كثرتها وضخامتها .

5 – تتغير معاني الكثير من الكلمات الروسية بتغيّر طريقة النطق بها. خذ مثلاً كلمة ( الحب ) . ربما يقول قائل : ما أبسط هذه الكلمة ! . ومن لا يعرف معناها ؟ . ولكن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة يتغير تماماً بتغيّر طريقة التلفظ بها .

هناك كتاب روس كبار ، ولكل منهم اسلوبه المتفرد . واعمال البعض من هؤلاء تكاد تكون غير قابلة للترجمة المتكافئة . حيث نخسر كثيرا عند الترجمة ، لأنه يستحيل الحفاظ على اسلوب الأصل . ومن هؤلاء مثلا الكاتب الساخر ميخائيل زوشينكو ، والكاتب اندريه بلاتونوف.

6- لا يمكن لأي مترجم أن يترجم الأعمال الأدبية الروسية ترجمة متكافئة ، إلا اذا كان قد درس اللغة الروسية دراسة أكاديمية ، او عاش في روسيا لفترة زمنية طويلة. وليس من قبيل المصادفة أن أفضل المترجمين من الروسية هم أولئك الذين درسوا في روسيا أوعاشوا بين الروس وسمعوا كيف يتحدث الروس في حياتهم اليومية ؟ ، ومتى – اعني في اي حالة – يستخدمون هذه الكلمة أو تلك العبارة الاصطلاحية ؟ ، وكيف ينطقونها ؟ . ومن هؤلاء (غائب طعمة فرمان ، وابو بكر يوسف ، وحسب الشيخ جعفر ، وأيمن أبو الشعر ، وثائر زين الدين ، ونوفل نيوف.وتحسين رزاق عزيز غيرهم من المترجمين الأفاضل ، والقائمة تطول اذا حاولنا ذكر كل الأسماء اللامعة في الترجمة من الروسية الي العربية.

أخر المقالات

منكم وإليكم