عرفت القارة الأوروبية في القرن الثامن عشر تحولاً كبيرا في بنية الفكر والسلطة، اذ بزغ فجر عصر التنوير. وانبثقت من صالونات باريس ومقاهي لندن أفكار جديدة تمجد العقل، وتعلي من شأن العلم، وتدعو إلى الإصلاح القانوني والاجتماعي. تلاقحت هذه الفلسفات الحديثة مع جبروت ملوك أوروبا ، لتُنتج نموذجاً فريداً عُرف بـ “الاستبداد المستنير”.
لعب فلاسفة التنوير دوراً محورياً في صياغة ملامح هذا العصر. نادى فولتير بالتسامح الديني وحرية التعبير، بينما ركز مونتسكيو على فصل السلطات لضمان العدالة، ودعا روسو إلى العقد الاجتماعي. وجد هؤلاء المفكرون في بعض ملوك أوروبا رعاة لأفكارهم، فأصبحت المراسلات بين القصور الملكية ومكاتب الفلاسفة جسوراً لتبادل الرؤى حول كيفية إدارة الدول وتحقيق الرفاهية للشعوب.
في مملكة بروسيا، تجسد هذا التلاقح الفكري في شخصية فريدريك الثاني، المعروف بفريدريك الكبير. نشأ فريدريك في كنف ثقافة فرنسية رفيعة، وأبدع في العزف على آلة الفلوت، وجمع حوله نخبة من المفكرين في قصره بسانسوسي. استفاد فريدريك من السمعة التنويرية لفولتير ليصنع لبروسيا صورة الدولة الحديثة والمستنيرة، في حين استخدم فولتير القصر ملاذًا آمنًا لنشر أفكاره. انتهى هذا التحالف بالانفصال عندما اصطدمت حريّة الفيلسوف بحزم الملك العسكري ومصالحه الشخصية.
وعلى الجبهة الشرقية، اعتلت كاترين الثانية عرش الإمبراطورية الروسية، لتُعرف لاحقاً بـ كاترين العضيمة. وصلت كاترين إلى روسيا وهي تحمل شغفاً عميقاً بالمعرفة، فأتقنت اللغة الروسية وانغمست في قراءة أعمال مونتسكيو وديدرو وفولتير. توطدت علاقة كاترين مع فولتير، فأصبحت المراسلات بينهما سجلاً لتبادل الأفكار حول التربية والتعليم والقانون.
بالنسبة لكاترين، كان التواصل مع قادة التنوير وسيلة لترسيخ مكانة روسيا كقوة أوروبية متحضرة، غير أن هذا الانفتاح الفكري كان له حدود. فعندما هددت الثورة الفرنسية عروش أوروبا، تراجعت كاترين عن الكثير من إصلاحاتها. أظهر هذا بوضوح أن الفلسفة والعلوم بالنسبة للملوك هي أداة حكم يتم الإستغناء عنها بسهولة عند تعارضها مع سلطتهم.
#حقبة تاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت.


