روبرت كابا: مصوّر الحروب الذي كره الحرب

قليلون هم المصورون الذين غيّروا شكل الصحافة المصوّرة، وقلّة منهم من دفعوا ثمن شغفهم بأرواحهم. روبرت كابا (1913-1954) كان واحداً من هؤلاء الأساطير، رجل جمع بين شجاعة لا تُضاهى وعين فنية جعلته يرى في أتون المعارك قصصاً إنسانية تستحق التوثيق، حتى وإن كان يكره الموضوع الذي صنع شهرته

من أندريه فريدمان إلى روبرت كابا: ميلاد أسطورة

وُلد كابا باسم إندريه إرنو فريدمان في بودابست لعائلة يهودية عام 1913 . هرب من وطنه في سن الثامنة عشرة بعد اتهامه بالتعاطف الشيوعي، ليعمل مساعداً في غرفة التحميض بوكالة “ديفوت” الألمانية، حيث تعلم أساسيات التصوير . صادف انتقاله إلى باريس عام 1933 هرباً من النازية، وهناك التقى بجيرتا تارو، رفيقته المهنية والعاطفية. معاً اخترعا شخصية “روبرت كابا” المصور الأمريكي الشهير، اسماً سهل التسويق بدلاً من اسمهما السامي .

انتقل إلى برلين والتحق بجامعة برلين، حيث عمل بدوام جزئي كمساعد في غرفة تحميض الصور، ثم أصبح مصورًا في وكالة التصوير الألمانية ديفوت. وخلال تلك الفترة، وصل الحزب النازي إلى السلطة، مما دفع كابا، وهو يهودي، إلى مغادرة ألمانيا والانتقال إلى باريس.

كانت أول صورة نُشرت لكابا هي صورة لليون تروتسكي أثناء إلقائه خطاباً في كوبنهاغن حول “معنى الثورة الروسية” عام 1932

الحرب الأهلية الإسبانية: شهرة ولدت من رصاصة

في إسبانيا بين 1936 و1939، التقط كابا صورته الأكثر جدلاً وشهرة: “الجندي الساقط” (The Falling Soldier)، التي تظهر جندياً جمهورياً في لحظة سقوطه برصاصة . نشرتها مجلة “لايف”، ووصفته “بيكتشر بوست” بأنه “أعظم مصوّر حرب في العالم” وهو في الخامسة والعشرين . لكن الجدل لم يغب عنها أبداً، إذ شكك البعض في أنها صورة مموّهة . في تلك الفترة أيضاً، فقد كابا حبيبته جيرتا تارو التي قُتلت في معركة برونيتي عام 1937 .

إنزال نورماندي و”الأحد عشر العظماء”

في السادس من يونيو 1944، نزل كابا مع الموجة الأولى من الجنود الأمريكيين على شاطئ أوماها، كأول مصور مدني يخطو هناك . في خضم الرصاص والأمواج، التقط حوالي 106 صورة، لكن حادثة في معمّل التحميض في لندن دمرت معظمها، ولم ينجُ سوى 11 صورة أصبحت تُعرف بـ”الأحد عشر العظماء” . غلاف مجلة “لايف” الذي نشرها وصفها بأنها “خارجة عن التركيز قليلاً” (Slightly Out of Focus)، وهو العنوان الذي اختاره كابا لسيرته الذاتية . أرادت الصور أن تُري العالم حقيقة الحرب، وقد نجحت، حتى مع تشوّشها.

مؤسس وكالة “ماغنوم” ونهاية مأساوية

بعد الحرب، أسس كابا عام 1947 وكالة ماغنوم فوتوز مع هنري كارتييه بريسون وديفيد سيمور وجورج رودجر، كأول تعاونية مستقلة للمصورين الصحفيين، ثورة في حقوق المصورين . في مايو 1954، تطوّع لتصوير حرب الهند الصينية الفرنسية، وفي 25 من الشهر، خطى على لغم أرضي ليموت في ميدان المعركة عن عمر يناهز 41 عاماً . الفرنسيون منحوه وسام “صليب الحرب” بعد وفاته .

أخر المقالات

منكم وإليكم