غسان نعنع.. حين يخرج الإنسان من ضباب الذاكرة إلى فضاء اللون
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: لوحة لا ترسم الإنسان… بل تبحث عنه
ثمة فنانون يرسمون ما تراه العين، وثمة فنانون آخرون يحاولون أن يرسموا ما لا تستطيع العين أن تراه.
في التجربة التشكيلية السورية، يقف الفنان غسان نعنع في تلك المنطقة الحساسة التي تفصل بين المرئي والمخفي، بين ملامح الوجه وحقيقة الروح، وبين المشهد كما يبدو والمشهد كما يستقر في الذاكرة.
ففي لوحته لا تأتي الشخصيات دائماً واضحة المعالم؛ إنها تظهر أحياناً وكأنها خرجت للتو من غيمة أو حلم أو ذاكرة بعيدة. وجوه تقترب ثم تتوارى، أجساد تتماهى مع الخلفية، وضوء يتسلل من بين العتمات، ولون يبدو وكأنه يحمل في داخله حكاية إنسانية أكثر مما يحمل وصفاً لمشهد.
ومن هنا تبدو تجربة غسان نعنع واحدة من التجارب اللافتة في المشهد التشكيلي السوري؛ تجربة جعلت من الإنسان والذاكرة والضوء واللون والهواجس مفاتيح أساسية لعالم بصري خاص.
من حمص تبدأ الحكاية
وُلد غسان نعنع في مدينة حمص عام 1953، المدينة التي ستظل حاضرة في تكوينه البصري والوجداني.
بدأ دراسته الفنية في مركز الفنون التشكيلية بحمص عام 1971، ثم انتقل إلى دمشق ليدرس في كلية الفنون الجميلة، قسم التصوير الزيتي، وتخرج عام 1978. ولم تتوقف رحلته الأكاديمية عند هذا الحد، إذ تابع دراسته وتجربته الفنية في روسيا، في مرسم الفنان أناتولي كلالنكوف، وهي تجربة أسهمت في توسيع معرفته بتاريخ الفن وتقنياته وأساليبه.
وبالتوازي مع تجربته الإبداعية، عمل نعنع مدرساً لمادة التربية الفنية في المدارس الثانوية والمعاهد الفنية في حمص، ليجمع بين ممارسة الفن وتعليمه.
هذه الرحلة الطويلة جعلته قريباً من التحولات التي عرفها الفن التشكيلي السوري، وفي الوقت نفسه منفتحاً على التجارب الأوروبية والروسية، دون أن يفقد خصوصيته المحلية.
حمص… ذاكرة المكان ومرآة اللون
يصعب فصل تجربة غسان نعنع عن البيئة الحمصية.
فحمص لم تكن بالنسبة إليه مجرد مدينة ولادة، وإنما فضاء تشكلت فيه ذاكرته الأولى، وشهد بداياته في الرسم والطبيعة واللون.
وقد كان الرسم في الطبيعة جزءاً من التجربة الفنية لجيل من الفنانين الحمصيين، حيث خرج الفنانون إلى الأمكنة المفتوحة لرسم الطبيعة مباشرة، ثم عادوا إلى مراسمهم لمتابعة العمل وتطويره.
لكن نعنع لم يبق أسيراً للمشهد الطبيعي.
فالطبيعة عنده ليست نسخة فوتوغرافية عن مكان ما، وإنما أثر المكان بعد أن يغادره.
وهنا تكمن واحدة من أهم سمات تجربته: إنه لا يرسم الطبيعة كما رأها فقط، بل كما بقيت في ذاكرته.
من الواقعية إلى الواقعية الشاعرية
يمكن وصف عالم غسان نعنع بأنه يتحرك في مساحة بين الواقعية والتعبيرية والرمزية، مع حضور واضح لما اصطلح على تسميته بـ«الواقعية الشاعرية».
إنه يبدأ من الواقع، لكنه لا ينتهي عنده.
فالوجه الذي يرسمه ليس مجرد وجه، والمرأة ليست مجرد نموذج، والمجموعة البشرية ليست مجرد مجموعة من الأجساد.
كل شخصية تحمل حالة.
الخوف، الحزن، الانتظار، العزلة، الحيرة، الموت، الحب، التأمل… كلها حالات يمكن أن تتخفى داخل بنيته التشكيلية.
ولهذا تبدو شخصياته أحياناً غامضة أو شبه غائمة، وكأن الفنان يتعمد أن يترك جزءاً من الشخصية خارج حدود اللوحة، ليترك للمشاهد مهمة استكمالها بخياله.
وهذه إحدى النقاط التي دفعت النقاد إلى الحديث عن «الشخوص الغامضة» في تجربته.
الإنسان أولاً
إذا أردنا اختزال تجربة غسان نعنع في موضوع واحد، فلن يكون ذلك الموضوع الطبيعة ولا البورتريه ولا المشهد، وإنما الإنسان.
فالإنسان عنده ليس جسداً مرسوماً، بل حالة نفسية.
وهنا تصبح اللوحة أشبه بمسرح صامت.
شخصياتها موجودة، لكنها لا تتحدث.
عيونها قد لا تكون واضحة، وحركاتها قد تكون ساكنة، وملامحها قد تتوارى خلف طبقات اللون، لكن الصمت نفسه يتحول إلى لغة.
إنه يرسم الإنسان في لحظة هشاشته، وفي لحظة مواجهته لذاته وللعالم.
وهذا ما يجعل أعماله قابلة للقراءة من أكثر من زاوية: فنية ونفسية وفلسفية وإنسانية.
الضوء… حين يتحول إلى إحساس
من أكثر العناصر أهمية في أعمال نعنع الضوء.
لكن الضوء عنده لا يؤدي وظيفة تقنية فقط.
إنه ليس مجرد وسيلة لإظهار الشكل، بل يتحول إلى عنصر درامي ونفسي.
قد يخرج وجه من العتمة، أو تضيء بقعة صغيرة داخل مشهد واسع، أو تتوزع الإضاءة على الشخصيات بحيث يبدو بعضها قريباً من الظهور وبعضها الآخر قريباً من الاختفاء.
وهنا يقترب الضوء من مفهومه في التصوير الفوتوغرافي والسينمائي: الضوء لا يكشف الأشياء فقط، بل يصنع معناها أيضاً.
إنه الضوء الذي يمكن أن يجعل الحزن أكثر كثافة، والانتظار أكثر غموضاً، والشخصية أكثر حضوراً رغم غياب تفاصيلها.
اللون ليس زينة
في عالم نعنع، لا يأتي اللون ليجمّل اللوحة.
اللون يحمل موقفاً وإحساساً.
الألوان الترابية والدرجات الداكنة، والبني والرمادي، والأحمر والأصفر، والمساحات البيضاء والسوداء، تتحول إلى مفردات في بناء الحالة.
وفي بعض أعماله، يبدو اللون وكأنه يخرج من عمق اللوحة لا من سطحها.
إنه لون مبلل بالذاكرة.
وهذا ما يفسر تلك الأجواء الضبابية التي تميز جانباً مهماً من أعماله، حيث تتداخل الشخصية مع الخلفية، ويتراجع الحد الفاصل بين الجسد والفضاء.
وقد وصفت قراءات نقدية أعماله بأنها تمتلك أجواء «بخارية» أو ضبابية، تجعل المشاهد أقرب إلى حالة شعورية منه إلى مشهد واقعي مباشر.
الأبيض والأسود… فلسفة الضوء والظل
يحظى الأبيض والأسود بمكانة خاصة في تجربة الفنان.
فهما بالنسبة إليه ليسا مجرد لونين غائبين عن الطيف اللوني، بل يحملان طاقة تعبيرية مستقلة.
الأبيض يمكن أن يصبح ضوءاً.
والأسود يمكن أن يتحول إلى كتلة أو ظل أو فراغ أو صمت.
ومن هنا يلتقي عالمه التشكيلي، في بعض جوانبه، مع عالم التصوير الفوتوغرافي والغرافيك؛ حيث يصبح الخط والظل والكتلة والتباين أدوات لبناء المعنى.
وهذا الاهتمام يمنح بعض أعماله طاقة بصرية تقترب من الصورة الفوتوغرافية، دون أن تفقد اللوحة استقلالها التشكيلي.
«هواجس»… عندما يصبح الحزن موضوعاً بصرياً
في معرضه الشخصي «هواجس» الذي أقيم في بيروت عام 2017، قدم غسان نعنع مجموعة كبيرة من الأعمال التي كشفت عن عالمه الداخلي.
ضم المعرض نحو ثلاثين لوحة بخامات وتقنيات متعددة، بينها الزيت على القماش والأحبار ومواد مختلفة على الورق، وغلب على عدد من الأعمال حضور الإنسان والحالات التراجيدية والموضوعات المرتبطة بالموت والحزن والفجيعة.
لكن نعنع لم يتعامل مع هذه الموضوعات بأسلوب سردي مباشر.
لقد تركها تذوب في اللون والضوء والضبابية.
وفي بعض المشاهد، تبدو الشخصيات وكأنها عالقة في لحظة زمنية لا نعرف بدايتها ولا نهايتها.
وهنا تصبح اللوحة أشبه بلقطة سينمائية متوقفة.
لقطة لا تخبرنا بكل شيء، وإنما تدفعنا إلى السؤال.
الطبيعة… ما يبقى بعد رحيل المشهد
إلى جانب الإنسان، حضرت الطبيعة في تجربة نعنع.
لكنها طبيعة مختلفة عن النقل الواقعي للمشهد.
إنها طبيعة الذاكرة.
فالفنان يبدأ من الطبيعة، ثم يتركها وراءه، ليعتمد على ما بقي منها في الذاكرة والحدس والانفعال.
وهكذا تتحول الأشجار والأرض والسماء والأمكنة إلى إيقاعات لونية أكثر من كونها عناصر وصفية.
وقد ظهرت هذه النزعة في بعض أعماله التي اقتربت من التعبيرية والرمزية والتجريد.
في قلب الحركة التشكيلية السورية
لم تكن تجربة غسان نعنع منعزلة عن الحركة التشكيلية السورية.
فقد شارك في العديد من المعارض والملتقيات داخل سورية وخارجها، وامتدت مشاركاته إلى عواصم ومدن عربية وأوروبية، كما ظهرت أعماله في مناسبات فنية دولية.
وتشير سجلات فنية إلى مشاركاته في معارض في روسيا والسويد ولبنان ومصر وفرنسا وسويسرا والصين والولايات المتحدة وغيرها، إلى جانب مشاركات عديدة داخل سورية.
كما شارك في معرض للفن التشكيلي السوري المعاصر في أبوظبي عام 2008 إلى جانب مجموعة من الفنانين السوريين، في سياق فعاليات الأسبوع الثقافي السوري.
وتشير بيانات فنية منشورة إلى وجود أعمال له ضمن مجموعات ومؤسسات ومتاحف في سورية وخارجها.
جبران خليل جبران… حوار بين الكلمة واللون
من المشاريع اللافتة في مسيرته توجهه إلى الاشتغال على مؤلف «يسوع ابن الإنسان» لجبران خليل جبران.
وهنا يبدو الأمر أكثر من مجرد اختيار أدبي لموضوع تشكيلي.
فجبران كان يبحث بالكلمة عن الإنسان، عن الروح، عن الأسئلة الكبرى التي تتجاوز الزمان والمكان.
ونعنع يبحث باللون والضوء والخط عن الإنسان نفسه.
إنها إذن مواجهة بين لغتين:
لغة الأدب ولغة التشكيل.
جبران يكتب الإنسان.
ونعنع يرسم الإنسان.
وبين الاثنين مساحة واسعة من الأسئلة حول الروح والوجود والذاكرة والمصير.
غسان نعنع… فنان يصنع الغموض ولا يخشاه
ربما يكون الغموض أحد أكثر المفاتيح أهمية لفهم عالم غسان نعنع.
فاللوحة عنده لا تقدم إجابة جاهزة.
إنها تفتح باباً.
الشخصية غير مكتملة عمداً، والمشهد لا يقول كل شيء، والضوء يخفي بقدر ما يكشف، واللون يترك مساحات للصمت.
وهنا يصبح المتلقي شريكاً في العمل.
إنه لا يرى اللوحة فقط؛ بل يعيد بناءها في داخله.
وهذه واحدة من وظائف الفن الكبرى: أن يجعل المتلقي يرى شيئاً في اللوحة، ثم يكتشف أنه رأى شيئاً من نفسه أيضاً.
خاتمة: حين تبقى اللوحة بعد أن يغيب أصحابها
غسان نعنع ليس فناناً يرسم الوجوه والأجساد والمشاهد فحسب؛ إنه فنان يحاول أن يرسم الأثر الإنساني الذي يبقى بعد انطفاء اللحظة.
في عالمه تتجاور حمص وذاكرة المكان، والإنسان والضوء، والحزن واللون، والواقع والحلم.
وقد يكون سر تجربته في هذه المنطقة تحديداً: المنطقة التي لا تعود فيها اللوحة مجرد سطح ملون، بل تصبح مساحة للتأمل في الإنسان.
إن شخصياته الغامضة لا تختفي لأنها غير واضحة، بل لأنها تحمل أكثر مما تستطيع الملامح أن تقوله.
وضباب لوحاته ليس ستاراً يحجب الحقيقة، وإنما ربما يكون الطريق إليها.
فاللوحة عند غسان نعنع لا تقول لنا:
«انظروا ماذا رسمت».
بل تقول، في صمتها الطويل:
«انظروا ماذا بقي من الإنسان في الذاكرة».
وهنا تكمن قيمة التجربة؛ في قدرتها على تحويل اللون إلى إحساس، والضوء إلى سؤال، والشخصية إلى ذاكرة، واللوحة إلى شهادة إنسانية مفتوحة على الزمن.
غسان نعنع… فنان حمصي سوري، جعل من الغموض لغة، ومن الضوء ذاكرة، ومن الإنسان موضوعاً لا ينتهي.
إذا رغبت، أستطيع أيضاً �إعداد نسخة موسوعية أطول عن غسان نعنع تتضمن سيرته الزمنية، جميع المعارض الفردية والجماعية المتاحة، المدارس الفنية التي تأثر بها، تحليل أعماله وتقنياته، وأبرز اقتباساته وشهادات النقاد، لتكون أقرب إلى مادة أرشيفية في «موسوعة رواد الفن التشكيلي السوري».

