في عام 1971، نظر موظف حكومي بريطاني في عينَي امرأة مباشرة، ووجه إليها هذه العبارة القاسية:
«مشكلة النساء المعنفات لم تكن موجودة قبل أن تخترعيها أنتِ!»
كانت هذه المرأة تُدعى إيرين بيزي (Erin Pizzey).
لم تكن تمتلك أي مؤهلات قانونية، ولا خبرة سياسية، ولا ميزانية مالية. كانت مجرد أم في الثانية والثلاثين من عمرها، نجحت في إقناع المجلس المحلي لحيّها بمنحها رمزيًّا حق استخدام مبنى مهجور ومحاط بالرطوبة في غرب لندن.
كانت فكرتها البسيطة تكمن في توفير مكان هادئ لأمهات الحي لشرب الشاي، والحديث، وأخذ استراحة قصيرة بعيدًا عن ضغوط اليوم المنهكة في تربية الأطفال.
وفجأة، في أحد أيام بعد الظهيرة، ظهرت امرأة شابة عند عتبة الباب.
كانت تضمن طفلين صغيرين إلى معطفها، ويداها ترتجفان، بينما غطت كدمات داكنة وجهها وذراعيها. نظرت في عينَي إيرين مباشرة وهمست:
«أرجوكِ، أحتاج فقط إلى مكان أختبئ فيه من زوجي.»
أدخلتها إيرين على الفور، وقدمت لها مقعدًا ومشروبًا دافئًا، دون أن تطلب منها أي وثائق أو إثباتات.
وعندما اتصلت إيرين بالشرطة للإبلاغ عن حالة العنف، تلقت الإجابة المعتادة في بريطانيا سبعينيات القرن الماضي: ما يحدث داخل بيت الزوجية شأن خاص. كان القانون، بشكل أو بآخر، يتوقف عند أعتاب المنازل.
لكن إيرين رفضت القبول بهذه الإجابة.
انتشر خبر هذا المقر الصغير بسريّة في أرجاء لندن؛ ليس عبر الصحف، بل من خلال همسات سريعة بين الجارات والغريبات.
كنّ يتهامسن: «هناك مكان في تشيزيك (Chiswick)، اذهبي إلى هناك.. لن تغلق الباب في وجهكِ.»
وفي غضون أسابيع قليلة، ازدحم 40 امرأة وطفل داخل أربع غرف صغيرة فقط.
كانت الأمهات ينمن على الأرض بجوار أطفالهن الرضع، والاطفال يتكورون في الممرات الضيقة تحت أغطية مستعارة. وكان الهواء مشبعًا برائحة الصوف المبتل، والشاي، والحساء الطاهي على النار.
لم يكن هناك أي دعم حكومي، ولا موظفون يتقاضون أجورًا، ولا كتيب تعليمات يقود ما كانت تبنيه.
لكن في كل مرة تظهر فيها امرأة مرعوبة عند بابها، كانت إيرين تجد طريقة لتوفير مساحة لمرتبة إضافية.
في عام 1974، تدخلت السلطات المحلية، ليس لتقديم التمويل، بل لتطبيق اللوائح الصحية!
فرضوا حدًا قانونيًا صارمًا لا يتجاوز 36 شخصًا داخل المبنى.
رغم ذلك، وفي أوقات الذروة، كان المأوى يستقبل 150 امرأة وطفلًا في الوقت نفسه.
وعندما رفعت السلطات المحلية دعوى قضائية ضد إيرين بتهمة اكتظاظ المبنى، قاومت الاتهامات وواصلت التقاضي حتى وصلت إلى مجلس اللوردات، أعلى سلطة قضائية في بريطانيا آنذاك.
سألها الصحفيون عن سبب استمرارها في خرق القانون، فأجابتهم بكلمات بسيطة:
«إذا رفضت استقبال امرأة، فقد لا تنجو حتى الصباح. عملي هو إبقاء الناس على قيد الحياة.»
في العام نفسه، نشرت كتابها الثوري بعنوان: Scream Quietly or the Neighbors Will Hear («اصرخي بصوت خفيض، وإلا سيسمعكِ الجيران»).
فضح هذا الكتاب العنف الذي كان يجري خلف أبواب بيوت الطبقة المتوسطة المحترمة.
كسر الكتاب صمتًا مجتمعيًا طال أمده؛ ففجّر نقاشات عاجلة في البرلمان البريطاني، وتصدر عناوين الصحافة الدولية، وألهم مجتمعات في أستراليا وكندا والولايات المتحدة لافتتاح مآوٍ مماثلة.
تحول ما بدأ في غرفة مهجورة بلندن إلى شبكة عالمية من مراكز استضافة ضحايا العنف الأسري.
وفي النهاية، أُدمجت المنظمة التي أسستها ضمن جمعية Refuge، أكبر جمعية بريطانية لمكافحة العنف الأسري.
كرست إيرين بقية حياتها للدفاع عن العائلات المستضعفة حتى وفاتها في أكتوبر 2025 عن عمر ناهز 86 عامًا.
عندما أدارت المفتاح في قفل ذلك المبنى الرطب عام 1971، لم تكن تملك ثروة لتوزعها، ولا مؤسسة قوية تدعمها.
كل ما فعلته هو أنها اختارت أن تبقي بابها مفتوحًا، بينما كان الجميع يطالبونها بإغلاقه.
#إيرين_بيزي #قصص_ملهمة #حقوق_المرأة #العنف_الأسري #العنف_الضد_المرأة #قصص_واقعية #التغيير #قوة_الإرادة #مبادرات_إنسانية #نساء_غيرن_العالم #Refuge #LondonHistoryمجلة ايليت فوتو ارت .


