أمّ الربيعين.مدينة الموصل الحبيبة.إعادة إحياء وطباعة كتاب: الموصل في القرن الثامن عشر.حسب مذكرات: دومينيكو لانزا- إعداد: سعود معن.

حبّاً بمدينة الموصل الحبيبة، أمّ الربيعين ومدينتي التي يسكن حبّها في الوجدان، قررتُ إعادة طباعة هذا الكتاب التاريخي القيم بأسلوب جديد وأنيق يليق بمكانتها، مع إثرائه وتطعيمه بنخبة من التعليقات والهوامش الإضافية التي خطّتها أقلام أساتذة وقامات علمية وتاريخية مختصة، لتزداد صفحاته عمقاً وبهاءً.

حكاية مخطوطٍ نجا من الفناء
تبدأ قصتنا في أواسط القرن الثامن عشر، وتحديداً في يوم شتوي من عام 1754م، عندما وطأت قدم الراهب الإيطالي الشاب دومينيكو لانزا أرض مدينة الموصل قادماً من قلب إيطاليا. لم يكن لانزا مجرد سائرٍ يمرّ مرور الكرام كسائر الرحالة الذين يلقون نظرة عابرة وينقضون، بل استقر في أزقتها وعاش بين أهلها لسنوات طويلة تمتد على فترتين. وبحسّ المؤرخ الشغوف ودقة الملاحظ الحذق، كان يمسك بقلمه كل مساء ليدون في دفتره الإيطالي الضخم تفاصيل الحياة اليومية، ودبيب الأسواق، وأسوار الدور، ونبض المجتمع بكل أطيافه.

ولكن، وكأن القدر أراد لهذه المذكرات أن تخوض مغامرتها الخاصة! فبعد وفاة الأب لانزا، ظلت المخطوطة الضخمة التي بلغت 625 صفحة حبيسة الأرشيف في روما. ومع اندلاع الثورة الرومانية عام 1848م، عمّت الفوضى ونهبت الممتلكات، وضاعت المخطوطة بين أوراق ألقيت في الطرقات.

ولم تكن لتخرج إلى النور لولا معجزة صغيرة؛ إذ عثر عليها راهبٌ بالصدفة في محل قصابٍ مبتدئ، كان يمزق أوراقها الواحدة تلو الأخرى ليلفّ بها قطع اللحم للمبتاعين! أنقذ الراهب ما تبقى من هذه الجوهرة التاريخية، وفي عام 1895م قام الأب ليجيز بنسخها وإهدائها إلى دير الآباء الدومينيكيين في الموصل، ليأتي بعدها الأب روفائيل بيداويد ويعيد إحيائها باللغة العربية، مترجماً إياها في كتاب صدر بالموصل عام 1953م ليروي للموصليين كيف كانت مدينتهم بعيون إيطالية.

الموصل في عيون دومينيكو لانزا: مشاهد من القرن الثامن عشر
يأخذنا الأب لانزا عبر صفحاته في جولة حية بين أزقة الموصل الحجرية؛ يصف موقعها الأشم على الضفة الغربية لنهر دجلة الخالد، حارسةً للشرق ومطلةً على البادية والجبال.

ينقلنا السرد إلى معمار المدينة الفريد، حيث الدور المبنية بالحجارة والجص المصممة لتقاوم غضب الصيف بأسردابها العميقة التي يلجأ إليها الأهالي طلباً للبرودة. ويقف مشدوهاً أمام ذكاء أهل الموصل في اختراع العرصات أو المطامير المحفورة في أحشاء الأرض لحفظ الحبوب والحنطة لسنوات دون أن تطالها الرطوبة أو الفساد.

ولم تكن الموصل مجرد حجارة، بل كانت لوحة موزايك بشرية مذهلة؛ يسير في أسواقها فيرى العربي، والكردي، والتركماني، والمسيحي، واليهودي يتحركون في تناغم يومي واقتصادي نشط. يصف قوافل التجارة التي لا تنقطع، محمّلة بالأقمشة والنسيج الموصلي الشهير، وهي تغادر المدينة لتسلك درب الحرير ونقاط العبور نحو حلب وإيران والهند وبغداد.

ملحمة الصمود ودحر الحصار الفارسي.
وفي قلب هذا السرد، يروي الكتاب واحدة من أمجد صفحات تاريخ المدينة: حصار طهماسب كلي خان (نادر شاه) للموصل عام 1742م.

عندما زحف الجيش الفارسي الجرار نحو الموصل بعد أن أثرت حوافره الدمار في كركوك وأربيل والدير التاريخية؛ ترجل الخوف جانباً واستيقظت نخوة أهل الموصل. تحت قيادة حسين باشا الجليلي وبسالة السادة الجليليين، تحالفت كافة أطياف المدينة من عرب وأكراد وأتراك ومسيحيين أتوا من القرى المجاورة وحصنوا الأسوار بالجص والحجارة وحفروا الخنادق.

وحينما اشتد الخطر واقترب العدو، وقف حسين باشا بين الناس فتعاهد الجميع على القسم الشهير: الدفاع حتى الموت، وإن غلبهم العدو يقتلون نساءهم بأيديهم كي لا يقعن في الأسر.

على مدار اثنين وأربعين يوماً عصيباً، صمدت الموصل كالطود الشامخ. أطلق الفرس أكثر من أربعين قنبلة دكت الأسوار وأحدثت ثغرات فيها، وزرعوا الألغام وهجموا خمس هجمات شرسة، لكن المدافعين رددوها على أعقابهم بكبرياء وشجاعة نادرة، حتى اندحر الجيش المهاجم وجر أذيال الخيبة ورجع ينعق بالهزيمة، لتظل الموصل عصية على الانكسار.

  • سعود معن

أخر المقالات

منكم وإليكم