مقارنة بين شخصية إياجو في مسرحية عطيل وشخصية كاسياس في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير

الحقيقة أن هناك أوجه تشابه كثيرة بين شخصية إياجو في مسرحية عطيل وشخصية كاسياس في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، فكلاهما شخصية رئيسة في المسرحية التي يوجد كل واحد منهما فيها، وأيضا هما محركا الأحداث في هاتين المسرحيتين؛ لأنهما اللذان يبثا الصراع بأقوالهما وتصرفاتهما.ويتشابه إياجو وعطيل أيضا في اتصافهما بالشر والمكر وسعة الحيلة، والقدرة على التأثير في الآخرين، ويضاف لهذا أنهما لديهما طموح وتطلع كبيرين، ويريان أنهما وضعا – من قبل رئيس كل واحد منهما – في مكانة أقل مما يستحقان؛ مما يحرك نوازع الشر عند كل واحد منهما للنيل من الشخص الذي يرى أنه جار عليه، ولم يضعه في المكانة الكبيرة التي يستحقها.وخلال سعي كل واحد منهما نراهما لا يستنكفان عن استخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للإضرار بمن يقف عقبة في تحقيق مصالحهما، كالتآمر والخداع والكذب، كما أنهما لا يريان أي بأس في قبول الرشا، وإجبار الآخرين على تقديمها لهما بالأمر المباشر، كما نرى ذلك من كاسياس، أو من خلال الحيلة، كما نرى ذلك من إياجو.

ونقترب أكثر من كل شخصية منهما في المسرحية التي يتواجد فيها، فنرى إياجو في مسرحية عطيل يسوءه أن يرى عطيل – القائد العسكري البارز في إمارة البندقية – يقدم عليه من يراه إياجو أقل منه في الكفاءة العسكرية، وذلك حين جعل عطيل كاسيو نائبه في قيادة الجيش، بينما جعله هو نفسه – أي إياجو – مجرد حامل علم له.وبسبب هذا التصرف من عطيل – الذي لم يكن يرى فيه أي انتقاص لإياجو – فإنه تآمر على سعادته، وحاك له كثيرا من المؤامرات والحيل التي جعلته يتشكك في عفاف زوجته الطاهرة النقية ديزدمونة، وبسبب ما تصف به عطيل من اندفاع في تصرفاته – لا سيما عند غضبه – وما اتصف به أيضا من شعوره بعقدة النقص التي غذاها فيه إياجو – لا سيما أن عطيل كان من أصول مغربية وكان أسود البشرة وله ملامح غير وسيمة بخلاف أهل الندقية البلد الذي كان يعيش فيه فقد اتصفوا ببيض البشرة والوسامة – فإنه أسرع بتصديق أقوال إياجو وحيله في خيانة زوجته له مع كاسيو، وقام بخنقها، ولكنه اكتشف براءتها بعد ذلك، فشعر بالندم الشديد، وجعل تبعة كل ما فعله على إياجو الذي وصفه بالشيطان، وانتحر بعد ذلك عطيل.أما عن كاسياس فإنه قد ظهر في مسرحية يوليوس قيصر على رأس المتآمرين عليه، وكان يحقد على قيصر أنه لم يضعه في المكانة اللائقة به؛ ولهذا استغل ذكاءه وسعة حيلته، فأغرى بروتس النقي باغتيال قيصر قبل أن يصبح حاكما مطلقا، ويتحول لدكتاتور متجبر، وصدق بروتس كلام كتسياس، لا سيما أنه أوهمه – من خلال حيلة مدبرة منه – أن رأيه في يوليوس قيصر هو نفس رأي كل أهل روما.ونرى بعد ذلك كاسياس خلال استعداده مع بروتس وجيشيهما لحرب جيشي أنطونيو وأوكتافيوس يعمل بالرشا، ويسيء لبعض الجنود ولأهالي البلاد التي يدخلها مع جيشه، ويعاتبه بروتس النبيل على ذلك ويحتد عليه، ويحتج عليه كاسياس، ولكنهما يتصافيان بعد ذلك.

وعلى الرغم مما يبدو من وجوه تشابه كبيرة بين إياجو في مسرحية عطيل وكاسياس في مسرحية يوليوس قيصر – وقد وضحتها في السطور السابقة – فإن هناك بعض اختلافات واضحة بينهما، ومن ذلك أن إياجو يكاد يكون نمطا شريرا لا توجد به أي ذرة من خير، وهو أكثر شخصية شريرة – في اعتقادي – في تراجيديات شكسبير الكبرى، وكانت نهايته بشعة، فلم يمت ميتة عادية، فبعد أن انكشفت حقيقته وأنه كان وراء عدة جرائم أبرزها خداعه لعطيل بإيهامه له بخيانة زوجته ديزدمونة؛ مما جعله يقتلها – فإنه قد صدرت الأوامر بتعذيبه أشد أنواع التعذيب حتى الموت، ومن الغريب أنه لم يشعر بأي ندم عند ذلك، ولا أي خوف، وتلقى هذا المصير بثبات كبير.في حين أننا نرى كاسياس على ما به من شر وصفات سلبية أخرى – سبق لي الحديث عنها – فإنه لم يخل من بعض النبل والشرف، ونرى في تخوفه من تحول يوليوس قيصر لحاكم مطلق على روما مبررات قوية في هذه المسرحية، ولكن هذه المبررات لا تعني بالضرورة أن يوليوس قيصر سيصبح حاكما مستبدا عندما ينفرد بحكم روما كما، أنه لا يوجد في أحداث هذه المسرحية ما يدل على أن يوليوس قيصر قد وافق على أن يلغي دور مجلس الشيوخ في روما وينفرد بحكمها، فكل ما كان يقوله كاسياس وغيره عن تخوفهم من تحول قيصر لحاكم مطلق ظالم بعد انفراده بالحكم شكوك لا تصل لدرجة اليقين؛ ولهذا كان قتله غيلة من خلال بعض المتآمرين عليه بتحريض وترتيب من كاسياس فيه جرم كبير؛ ولهذا ظهر طيف يوليوس قيصر بعد مقتله لبروتس وكاسياس، وتنبأ لهما بهزيمتهما مع جيشيهما، وحدث ما تنبأ به قيصر.وكانت نهاية كاسياس عندما رأى هزيمة جيشه، وظن أن جيش بروتس هو الآخر قد انهزم أن أقدم في شجاعة على الانتحار، وعندما رأى بروتس جثته رثاه، ومما قاله عنه: إنه من أنبل رجال روما.وبهذا نرى أن كاسياس على ما فيها من تشابه مع إياجو في كثير من الصفات فإنه كان فيه بعض النبل، وكان في تآمره على كاسياس له مؤيدون من الجنود والشعب، وكان يرى مع هؤلاء المؤيدين ما يبرر اغتيال يوليوس قيصر، وإن كنت قد ذكرت أن هذا التصرف منهم لم يكن حميدا، بل تجاوزوا فيه تجاوزا كبيرا، وتعاملوا مع شكوكهم نحو قيصر على أنها حقائق رغم أن هناك ظواهر أخرى – ذكرها بروتس في خطابه الشهير في تأبين قيصر – تدل على حسن خلق يوليوس قيصر، وعلى عدم رغبته في الانفراد بالحكم أو التجبر على أهل روما.وبهذا يكون قد اتضحت أوجه التشابه الكثيرة بين شخصية إياجو في مسرحية عطيل، وكاسياس في مسرحية يوليوس قيصر، واتضحت أيضا أوجه الاختلاف بين شخصية كل واحد منهما في هاتين المسرحيتين.

أخر المقالات

منكم وإليكم