كتب: حسان سعد..عن المبدع: إبراهيم صموئيل..الذي أنصت إلى الأصوات الخافتة وحوّلها إلى أدب.

إبراهيم صموئيل
الكاتب الذي أنصت إلى الأصوات الخافتة وحوّلها إلى أدب

توَّصَف تجربة إبراهيم صموئيل القصصية على انها إحدى اهم التجارب التي اعادت تشكيل ملامح القصة القصيرة في الأدب السوري الحديث. فمنذ صدور مجموعته المفصلية «رائحة الخطو الثقيل» عام 1988، أعلن عن مشروع سردي مختلف، يبتعد عن صخب الحكاية التقليدية، ويتجه نحو التنقيب في الطبقات الخفية للنفس الإنسانية، حيث تقيم الهزائم الصامتة والأسئلة الكبرى التي لا تُقال.
استمد صموئيل خصوصية عالمه من تكوينه الفلسفي والاجتماعي، ومن تجربته الإنسانية العميقة في العمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، فآمن بأن البطولة ليست حكراً على الشخصيات الاستثنائية، بل تسكن الإنسان البسيط الذي يخوض معاركه اليومية بصبرٍ وألمٍ وكرامة. لذلك جاءت شخصياته من الأزقة الضيقة، والبيوت المتواضعة، والوجوه التي اعتادت أن تمرّ من دون أن يلتفت إليها أحد، لتصبح في نصوصه محور الحكاية ومركز الكون.
ومع توالي أعماله، مثل «النحنحات» و«الوعر الأزرق» و«المنزل ذو المدخل الواطئ»، تبلور مشروعه الأدبي بوصفه رحلة متواصلة في اكتشاف الإنسان، مشروعاً ازداد عمقاً ونضجاً مع الزمن، من دون أن يتخلى عن عفويته الأولى أو صدقه الإنساني النادر.
تكمن فرادة إبراهيم صموئيل في قدرته المدهشة على بناء عوالم كاملة بأقل عدد ممكن من الكلمات. فهو يكتب بلغة مقتصدة، لكنها مشحونة بالدلالة والإيحاء، حيث تؤدي كل جملة وظيفة فنية، وتتحول كل كلمة إلى لبنة في بناء سردي بالغ الإحكام. لم يكن يؤمن بالاستطراد أو الزخرفة البلاغية، بل كان يرى أن قوة الأدب تكمن في الاقتصاد اللغوي الذي يفتح أبواباً واسعة للتأويل.
وفي عالمه السردي، لا تبدو العزلة، والإعاقة، والسجن، والخوف، وثقل الأعراف الاجتماعية مجرد موضوعات للكتابة، بل تتحول إلى استعارات وجودية تكشف هشاشة الإنسان.
لهذا، لم يكن إبراهيم صموئيل راوياً للحكايات فحسب، بل صانعاً لرؤية أدبية متكاملة، وأحد أكثر كتّاب القصة القصيرة السوريين إدراكاً لجوهر هذا الفن وحدوده وإمكاناته. وقد تجاوز أثره حدود المشهد الثقافي السوري، لتصل أعماله إلى القارئ العربي والعالمي عبر ترجمات متعددة، وتبقى تجربته شاهداً على أن الأدب العظيم لا يحتاج إلى أحداث استثنائية، بل إلى عين ترى ما يغيب عن الآخرين، وقلمٍ قادر على أن يجعل من الإنسان المهمّش بطلاً يستحق أن يُروى عنه للعالم.

سوريات_Souriat

حسان سعد
https://backend.souriat.com/share/article/1090

أخر المقالات

منكم وإليكم